عودة الأصالة: حين يلتقي الفن بالتاريخ في ساحة الأمويين
كيف يتقاطع الفن السوري اليوم مع مسار إعادة بناء الهوية الوطنية؟
ملخص :
بعد ما يقارب 15 عاما من الغياب القسري، عادت الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق لتحيي حفلين في صالة "الفيحاء" الرياضية يومي 17 و19 سبتمبر/أيلول 2026، وعادت صورتها إلى قلب ساحة الأمويين الشهيرة بالعاصمة بعد غياب لأكثر من 16 عاما. الحفل حمل عنوانا رمزيا: "عودة الأصالة"، ورعته وزارة الثقافة السورية ونقابة الفنانين.
معنى العودة
تحمل عودة أصالة للغناء في سوريا رسالة رمزية. فهي تعود للغناء في بلادها ومدينتها التي نشأت فيها وشهدت انطلاقتها إلى النجومية في العالم العربي، بعد نحو عامين على سقوط نظام بشار الأسد الذي أعلنت موقفها المناهض له علنا. وصف وزير الثقافة محمد ياسين صالح الفنانة قبيل تكريمها بأنها "ابنة الشام"، وأضاف أن "عودة أصالة هي عودة كل إنسان سوري صادق وكل إنسان حر إلى بلاده". هذا التوصيف يعكس كيف تحوّل الفن، في اللحظة السورية الراهنة، إلى مرآة سياسية ووطنية لا مجرد مناسبة استعراضية.
اللافت أن العودة لم تقتصر على الحفل، بل ترافقت مع إطلاق "الألبوم السوري"، عمل يمثل 14 محافظة سورية بصوت نسائي، ويتجاوز فكرة الألبوم التجاري التقليدي ليدخل إلى صلب الذاكرة الجماعية. وخصّت أصالة السويداء ذات الغالبية الدرزية بأغنية "محبوب قلبك"، في إشارة لدعم التعايش بعد أحداث عنف دامية شهدتها المحافظة في يوليو 2025، وهو ما يعكس طبيعة البيئة الفنية السورية الجديدة: فن يحاول رأب الصدوع الطائفية بقدر ما يحتفل بالحرية المستعادة.
عرفت أصالة نصري بمواقفها المناهضة لحكم الرئيس السابق بشار الأسد، وهي مواقف ارتبطت باسمها منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011، ما عرّضها لحملات تحريض وحظر امتد لسنوات طويلة. وبعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، بدأت آثار تلك الإجراءات بالانحسار، وعادت أغانيها إلى إذاعة دمشق بعد نحو 13 عاما من الحظر، فكتبت على إنستغرام: "سورية حرة، الحمد لله على سلامتك يا بلدي". وفي أبريل 2025 منحتها نقابة الفنانين السوريين عضوية الشرف تقديرا لموقفها.
هل عاد فنانون آخرون؟
نعم، لكن أغلبهم عبّروا عن فرحهم دون أن يقيموا حفلات علنية بعد كالتي أقامتها أصالة. فبعد سقوط الأسد مباشرة، عبّرت فنانات وفنانون مثل كندة علوش وأمل عرفة ويارا صبري وسامر المصري وقصي خولي عن فرحتهم بسقوط النظام عبر منشورات مؤثرة، بينها بكاء سامر المصري وهو يقول "استنيني يا أمي بعد 14 سنة أخيرا هجي أشوفك". وفي الذكرى الأولى للتحرير، جدّد فنانون مثل باسل خياط والمغني شامي ومكسيم خليل مشاركاتهم المؤثرة. ويرى مراقبون أن ملف "فناني المعارضة" العائدين لا يزال معقدا، إذ اضطر بعض الفنانين إلى ترك المهنة أو التحول لمجالات أخرى، وبقيت محاولات إنتاج الدراما خارج سوريا محدودة وضعيفة، بينما ثار جدل حول ما إذا يجب منح الفنانين المعارضين مناصب تكريمية أم أن الموقف السياسي "واجب إنساني لا علاقة له بالموهبة".
مواقف متناقضة من النظام السابق
في المقابل، غنى فنانون معروفون مديحا لبشار الأسد سعيا للشهرة أو الحظوة، مثل جورج وسوف وفارس كرم ومعين شريف وعلي الديك، فيما انتشرت ظاهرة أوسع بعد الثورة لفنانين مغمورين استغلوا الغناء للنظام كوسيلة للصعود الفني.
سجال العودة
لم تخل عودة أصالة من الجدل: فبينما رآها مؤيدون مناسبة فنية ووطنية تستحضر موقفها المعارض، اعترض آخرون على الحفل لأسباب دينية واجتماعية، أو تساءلوا عن أولوية الحفلات وسط التحديات التي تواجه البلاد. ومع ذلك، ظلت الرسالة الأعمق حاضرة في كلمات الممثلة منى واصف حين علّقت: "عادت ابنة الشام إلى الشام" — عبارة تلخّص كيف يتقاطع الفن السوري اليوم مع مسار إعادة بناء الهوية الوطنية بعد عقود من القمع.

