غزة تفتح أبوابها للتعليم من قلب الخيام… عودة قسرية بعد 3 أعوام من الانقطاع
عام دراسي استثنائي وسط الركام
ملخص :
استأنف نحو 400 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة دراستهم اليوم، بعد انقطاع دام قرابة ثلاثة أعوام كاملة بسبب الحرب. غير أن هذه العودة لم تكن كسابق عهدها.. فقد جاءت في ظل واقع استثنائي تحوّلت فيه الخيام إلى فصول دراسية بديلة، وسط أعداد من الطلاب تفوق بكثير الطاقة الاستيعابية للمدارس الميدانية، ونقص حاد في الكتب والقرطاسية والمقاعد.
خيام تستقبل الطلاب بدل الصفوف
في مدينة غزة، بدت المشاهد الأولى للعام الدراسي أقرب إلى محاولة لاستعادة إيقاع الحياة التعليمية من بين آثار الدمار. ففي إحدى المدارس التي تديرها اليونيسف بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، استقبلت الخيام نحو 3 آلاف طالب رغم أن طاقتها الاستيعابية لا تتجاوز الألفين. مع الأخذ بالاعتبار عدم توفر المناهج والقرطاسية بصورة كافية، فيما يجلس بعض الطلبة كما نقلت عدسات الكاميرات على فرش ممزقة داخل خيام لا تقيهم تقلبات الطقس مع اقتراب فصل الشتاء.
مناهج "التعليم المسرّع" لتقليص الفاقد التعليمي
تعمل وزارة التربية والتعليم على إعادة تشغيل العملية التعليمية عبر مناهج مخصصة للتعليم المسرع، صممت خصيصا لتقليص حجم الفاقد التعليمي ومعالجة الفجوة التي اتسعت خلال سنوات الانقطاع. وتأتي هذه الخطوة بعد أن طال الدمار غالبية المباني المدرسية، وتحوّل بعضها إلى مراكز لإيواء النازحين.
ولا يقتصر التحدي على توفير مكان مناسب للتدريس فحسب إذ يصل الطلاب من مناطق متفرقة، وبعضهم يقطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام، في وقت تعجز فيه أسر كثيرة عن تأمين المستلزمات الدراسية، ما يجعل الأنظار متجهة نحو المنظمات الدولية والأونروا لسد هذه الاحتياجات.
وبحسب بيانات اليونيسف، فقد نحو 700 ألف طفل بين سن الرابعة والسابعة عشرة التعليم الحضوري الرسمي لقرابة ثلاثة أعوام متتالية، بينما لم يتمكن نحو 420 ألف طفل — أي 3 من كل 5 — من الوصول إلى أي شكل من أشكال التعليم الوجاهي حتى أبريل/نيسان 2026.
أعباء نفسية وتعليمية متراكمة على الطلاب والمعلمين
رغم الحماسة الواضحة لدى الطلاب الذين وجدوا في العودة إلى الدراسة فرصة لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية، بعد أن أمضى كثير منهم سنوات الحرب في مهام تفوق أعمارهم كتعبئة المياه والوقوف في طوابير المساعدات، يبقى الفارق بين تعليم ما قبل الحرب وتعليم اليوم صادما.
فالطلاب يعودون إلى خيام، وبعضهم إلى صفوف لا تناسب أعمارهم مستواها الدراسي، نتيجة التفاوت الكبير فيما تلقوه من تعليم خلال سنوات الحرب. وتبرز إشكالية القراءة والكتابة كمثال صارخ على هذا التفاوت، إذ قد يصل طالب إلى مرحلة دراسية متقدمة دون امتلاك المهارات الأساسية، بينما تلقى آخرون تعليما متقطعا عبر نقاط تعليمية غير منتظمة أو محاولات للتعلم الإلكتروني.
في المقابل، يواجه المعلمون عبئا إضافيا في التعامل مع أعداد كبيرة ومستويات متباينة من الطلاب، وسط حاجة ملحة لتدريبهم على التعامل مع الفاقد التعليمي والمناهج الجديدة، في وقت تضم فيه بعض المدارس مراحل تعليمية متعددة في الموقع ذاته.
نظام السداسي وثلاث ورديات يوميا
لزيادة الطاقة الاستيعابية، اعتمدت الوزارة نظام السداسي، وقسّمت أيام الدوام بين الطلاب والطالبات، مع تشغيل ثلاث ورديات دراسية يوميا تمتد من الساعة السابعة صباحا حتى الرابعة عصرا. ورغم ذلك، تبقى أعداد المسجلين أكبر من قدرة المدارس على الاستيعاب.
في موازاة هذه الجهود، تتضمن خطة الطوارئ التي تعمل عليها الوزارة رزما تعليمية تركز على المهارات الأساسية، وبرنامجا للتعليم المسرّع لمعالجة الضعف والفاقد التعليمي، إلى جانب إعادة تأهيل المعلمين، وبرامج للدعم النفسي، وحصر حالات الإعاقة التي ظهرت خلال سنوات الحرب.
عودة إلى المدرسة لا نهاية للأزمة
وبينما تحاول المؤسسات التعليمية توسيع رقعة التعلم، تبقى العودة إلى الدراسة في غزة مجرد بداية لمسار أطول بكثير من استئناف الحصص الدراسية. فاستعادة التعليم مرتبطة بقدرة المنظومة التعليمية على توفير أماكن آمنة، ومعلمين مؤهلين، ومناهج ووسائل تكفل للطلاب تعويض ما فاتهم خلال سنوات الانقطاع الطويلة.

