منصة "بولي ماركت".. حين تتحول الحروب والكوارث إلى رهانات مالية في "كازينو" رقمي
تحقيق يكشف الوجه المظلم لسوق التنبؤات
ملخص :
في تحقيق استقصائي لافت نشرته صحيفة "غارديان" البريطانية، سلّطت الكاتبة، عائشة داون، الضوء على الأبعاد الأخلاقية والسياسية المثيرة للجدل لمنصة "بولي ماركت"، وهي سوق رقمية للتنبؤات تحوّلت خلال الفترة الأخيرة إلى ما يشبه "كازينو عالمي" مفتوح أمام المراهنات على الحروب والكوارث والأحداث الإنسانية الكبرى.
ويكشف التحقيق كيف باتت المآسي الإنسانية مادةً للمضاربة المالية، إذ يراهن مستخدمون حول العالم بمبالغ ضخمة على تفاصيل دقيقة تتعلق بالحروب والكوارث، في مشهد يعكس، بحسب التحقيق، تآكل الحدود الفاصلة بين الواقع الإنساني والأسواق المالية الرقمية.
من أوكرانيا تبدأ القصة: الحرب كخريطة رهان
تستهل داون تحقيقها من أرض الواقع في أوكرانيا، وتحديدًا من مدينة "قسطنطينوفكا" التي تعيش تحت القصف، حيث يراقب مدنيون تفاصيل الحرب اليومية وسط ظروف قاسية.
في المقابل، وعلى الجانب الآخر من الشاشات، يظهر أحد المستخدمين المجهولين تحت اسم "هوريكوندن"، وهو يتابع خرائط "معهد دراسة الحرب" بانفعال، لا بدافع التعاطف مع الضحايا، بل لاعتبارها أداة لتقييم دقة رهاناته المالية.
ويراهن هؤلاء على أحداث عسكرية محددة، من بينها احتمال سيطرة القوات الروسية على محطة قطار المدينة، وهي رهانات تجاوزت قيمتها الإجمالية نصف مليون دولار، في مشهد يعكس، وفق التحقيق، انفصالًا أخلاقيًا حادًا بين المضاربة الرقمية والواقع الدموي على الأرض.
منصة تتضخم.. ورأس مال يتجاوز 400 مليون دولار في يوم واحد
تشير الكاتبة إلى أن "بولي ماركت" لم تعد مجرد منصة هامشية للمراهنات، بل تحولت إلى قوة مالية متنامية قادرة على تداول مئات الملايين من الدولارات في يوم واحد، بعدما كانت أحجام تداولها لا تتجاوز 400 مليون دولار خلال شهر واحد في منتصف عام 2024.
هذا النمو السريع، بحسب التحقيق، جعل المنصة لاعبًا مؤثرًا في فضاء التوقعات العالمية، وفتح الباب أمام تحولات خطيرة في طريقة فهم الأحداث السياسية والاقتصادية.
حين يحاول المال إعادة تشكيل الحقيقة
يحذر التحقيق من تطور أكثر خطورة، يتمثل في انتقال بعض المستخدمين من مرحلة المراقبة إلى محاولة التأثير المباشر في الواقع، بما يخدم مصالحهم المالية، وتنقل داون عن شهادات وحوادث موثقة قيام بعض المراهنين بممارسة ضغوط على صحفيين ومراسلين ميدانيين لتعديل صياغات أو تقارير إخبارية، لأن تغييرات لغوية بسيطة قد تعني خسائر أو أرباحًا ضخمة تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات.
وبحسب التحقيق، فإن هذا السلوك يعكس محاولة "هندسة الحقيقة" وتحويلها إلى متغير قابل للتداول داخل سوق مالي مفتوح.
"إشارة الحقيقة".. حين تتحول الاحتمالات إلى مرجع عالمي
تستعرض داون أبعادًا اقتصادية أوسع، ناقلة عن خبراء في تصميم الأسواق بجامعة كولومبيا تحذيرات من أن منصة "بولي ماركت" بدأت تكتسب تدريجيًا صفة "إشارة الحقيقة"، أي مرجع احتمالي تُبنى عليه قرارات وتحليلات اقتصادية وسياسية.
واللافت، بحسب التحقيق، أن مؤسسات مالية كبرى وبعض البنوك الدولية باتت تعتمد على بيانات هذه المنصة في تقاريرها التحليلية، ما يمنحها وزنًا يتجاوز كونها مجرد سوق مراهنات.
لكن هذا الاعتماد يفتح، وفق الخبراء، الباب أمام احتمالات تلاعب واسعة، إذ يمكن لمجموعات مالية صغيرة ضخ سيولة في رهانات محددة لتغيير نسب الاحتمال، بما يخلق انطباعًا زائفًا بوجود معلومات داخلية حول أحداث كبرى، وهو ما قد ينعكس على استثمارات وصناديق تقاعد عالمية.
من يقرر "الحقيقة"؟
من أكثر الجوانب إثارة في التحقيق، آلية حسم النزاعات داخل المنصة عند الخلاف حول وقوع حدث ما، مثل توصيف عملية عسكرية بأنها "غزو" أو "توغل"، بدل اللجوء إلى مؤسسات قانونية أو هيئات دولية، تعتمد المنصة على نظام تصويت رقمي قائم على حملة عملة مشفرة تُعرف باسم "UMA".
وتوضح داون أن المصوتين مجهولو الهوية، وأن النفوذ التصويتي يتناسب غالبًا مع حجم الملكية الرقمية، ما يعني أن الثروة قد تتحول إلى معيار غير مباشر لتحديد "الحقيقة"، خاصة إذا كان بعض كبار المصوتين أنفسهم طرفًا في الرهانات.
تبريرات فردية ومأزق أخلاقي واسع
ينقل التحقيق أيضًا وجهات نظر بعض المستخدمين، مثل جوزيف فرانسيا، الذي يرى في هذه المنصات وسيلة لتحقيق مكاسب مالية وخلق نوع من "الوضوح" في عالم مضطرب تملؤه الدعاية السياسية والتضليل الإعلامي، لكن التحقيق يضع هذه المبررات تحت المجهر الأخلاقي، معتبرًا أن هذا "الوضوح" يأتي على حساب تحويل الحروب والكوارث إلى أصول مالية قابلة للمضاربة، حيث تتحول المآسي إلى فرص ربح وخسارة.
سلعة الدم.. حين تصبح الكارثة فرصة استثمار
تخلص الكاتبة إلى أن هذا النموذج الجديد من الأسواق لا يعيد فقط تعريف التوقعات، بل يعيد تعريف الأخلاق ذاتها، إذ يصبح الموت والدمار عنصرًا في معادلات الربح، مشيرة إلى أن حتى مؤسسات بحثية مثل "معهد دراسة الحرب" عبّرت عن قلقها من استغلال بياناتها في أسواق المراهنات، ووصفت ذلك بأنه شكل من أشكال الاستغلال غير الأخلاقي للواقع الميداني.
عالم يُدار بمنطق الكازينو الرقمي
يختتم التحقيق برسم صورة قاتمة لمستقبل تُدار فيه التوقعات العالمية عبر منصات رقمية غير خاضعة لرقابة حقيقية، حيث تختلط الأسواق المالية بالتحليل السياسي، وتتحول الكوارث الإنسانية إلى أصول مالية، ويحذر التحقيق من أن هذا التحول لا يهدد فقط مصداقية المعلومات، بل يهدد أيضًا الاستقرار العالمي، عبر تطبيع فكرة أن الحروب والكوارث يمكن أن تكون "مربحة" لمن يراهن عليها.

