ما بعد نتنياهو.. إسرائيل بين الانفجار الداخلي وإعادة التموضع
علا القارصلي
ملخص :
خاص- حسب ما ورد في تحليل صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، تمر دولة إسرائيل بمرحلة تاريخية مفصلية تتجاوز في أبعادها مجرد الأزمات السياسية الدورية، حيث يمثل عهد بنيامين نتنياهو الذي يعد القائد الأطول بقاءً في السلطة تاريخيًّا، حقبة من التحولات الجذرية التي أعادت صياغة السياسة الداخلية والعلاقات الدولية الإسرائيلية بشكل كامل.
إن تحليل مرحلة ما بعد رحيل نتنياهو يكتسي أهمية استراتيجية بالغة، ليس فقط لفهم توازنات القوى الحزبية بل لاستشراف قدرة الدولة على الحفاظ على كيانها، ومؤسساتها في ظل واقع أمني واجتماعي شديد التعقيد، فمنذ عقود ارتبط اسم نتنياهو بصورة "رجل الأمن" الحذر الذي يميل لتجنب المخاطر الكبرى، إلا أن أحداث السابع من أكتوبر وما تبعها من هزات عنيفة وضعت هذا الإرث أمام اختبار وجودي غير مسبوق مما جعل الحذر يختفي تمامًا لصالح مقامرة مفتوحة على كافة الجبهات، هذا التحول الدراماتيكي جعل التفكير في البدائل السياسية والقيادية ضرورة ملحة لاستقرار الإقليم برمته، خاصة وأن المنطقة باتت تنظر إلى إسرائيل كقوة عسكرية ضاربة ولكنها ليست شريكًا موثوقًا لتحقيق الاستقرار المستدام في ظل غياب أي مبادرة دبلوماسية حقيقية تعد بتسوية إقليمية شاملة.
حسب تحليل معهد دراسات الأمن القومي "INSS"، فإن العقيدة الأمنية لنتنياهو شهدت تحولًا مثيرًا للقلق، حيث انتقل من مربع الحذر والنفور من المخاطر الذي ميز عقود حكمه الثلاثة إلى مربع المخاطرة الكبرى والمفتوحة، هذا التحول الذي وصفه المحللون بـ "عقيدة ما بعد الصدمة" جاء كرد فعل تلقائي على فشل احتواء التهديدات، مما دفع نتنياهو للتخلي عن استراتيجية "شراء الهدوء" لصالح خوض معارك استباقية وتوسعية تفتقر أحيانًا إلى دراسة معمقة للعواقب الدولية أو الكلفة البشرية الباهظة، إن الفجوة بين الوعود بتحقيق "النصر الكامل" والواقع الميداني الذي يظهر صمود الخصوم رغم ضعفهم، تفرز تساؤلات جدية حول مستقبل القيادة الإسرائيلية، إذ لم يعد النصر الحاسم متاحًا كما كان في السابق، بل أصبح نتنياهو يهيئ الجمهور لمستقبل تكون فيه الأخطار مستمرة والصراع مفتوحًا، وهو ما يعزز الانقسام حول جدوى الاستمرار في نهج القوة المطلقة دون أفق سياسي واضح ينهي حالة الاستنزاف التي تضرب كافة مفاصل الدولة فعليًّا.
تداعيات الحروب المستمرة
حسب تحليل معهد دراسات الأمن القومي أصبحت الحروب المستمرة أداة سياسية وعسكرية معقدة تؤدي إلى استنزاف بنيوي في هيكلية الدولة الإسرائيلية، حيث لم تعد النزاعات مجرد جولات قتالية خاطفة وحاسمة كما صاغها دافيد بن غوريون في العقيدة الأمنية الكلاسيكية، لقد كانت حروب 1948 و1956 و1967 و1973 تتسم بقصر أمدها وقدرتها على تحقيق حسم ميداني سريع يتناسب مع صغر حجم الدولة ومحدودية مواردها البشرية، أما الآن فإن إسرائيل عالقة بحروب الاستنزاف الجديدة التي تمتد من غزة إلى لبنان وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران، هذه الحروب الطويلة لم تؤدِ فقط إلى استنزاف الموارد المالية والعسكرية، بل ضربت عصب القوة البشرية للجيش الإسرائيلي الذي بات يعاني من ضغوط غير مسبوقة، مما حول شعار "النصر الكامل" إلى عبء سياسي يواجه واقعًا ميدانيًّا متأزمًا يتسم بغياب الحسم وتوسع الجبهات بشكل يفوق قدرة الاستيعاب الحالية للمؤسسة العسكرية تمامًا.
أطلق رئيس الأركان الإسرائيلي "إيال زامير" تحذيرات مدوية برفع "عشرة أعلام حمراء" أمام الحكومة، وهي استعارة تكتيكية تشير إلى اقتراب المؤسسة العسكرية من نقطة التعطل الوظيفي، مؤكدًا أن الجيش يحتاج إلى نحو خمسة عشر ألف جندي إضافي بشكل عاجل لسد الفجوات في القوات البرية، وقد يؤدي استمرار هذا المعدل من الاستنزاف إلى انهيار الجيش من الداخل، خاصة في ظل الفجوة الواسعة بين تصريحات المستوى السياسي التي تعد بالحسم النهائي وبين التحذيرات الفنية للمستوى الأمني التي ترى أن احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان وأجزاء من غزة وسوريا هو أمر غير مستدام لوجستيًّا، هذا الضغط العسكري المتواصل أصبح محركًا أساسيًّا لتصدع التماسك الاجتماعي، حيث يتزايد الشعور لدى الجمهور بأن البلاد عالقة في حلقة مفرغة من النزاعات التي تخدم مصالح نتنياهو السياسية وتضمن بقاء ائتلافه، مما يؤدي بالضرورة إلى تآكل الثقة في قدرة الدولة على إنهاء الصراعات وتحقيق الأمن القومي طويل الأمد، وهو ما يمهد لتصادم حتمي بين المستويين العسكري والسياسي.
عقيدة نتنياهو القتالية
حسب تحليل صحيفة "فاينانشال تايمز" والخطابات المسجلة لبنيامين نتنياهو، تستند الفلسفة الأمنية الجديدة التي يتبناها إلى ما يمكن تسميته "عقيدة ما بعد الصدمة"، وهي رؤية تقوم على تحطيم المرتكزات التقليدية للأمن الإسرائيلي التي كانت تعتمد على الجدران والاحتواء السلبي، نتنياهو يروج الآن لفكرة مفادها أن استراتيجية "فيلا في الغابة" لم تعد خيارًا آمنًا، بل يجب على إسرائيل اقتحام الغابة بنفسها لمنع المفترسين من الوصول إلى حدودها، وهو ما يبرر استراتيجية "المعركة تلو الأخرى"، والحروب الاستباقية والمناطق العازلة الدائمة في أراضي الجيران، إن هذه العقيدة ترفض أي نوع من التسويات الدبلوماسية التي قد تمنح "الهدوء المؤقت"، وتستبدلها بمنطق القوة المستمرة كضمان وحيد للوجود، معتبرة أن تغيير توازن القوى في المنطقة لا يتم إلا عبر المواجهة العسكرية المباشرة والمتلاحقة ضد إيران وأذرعها الإقليمية كافة، مما يجعل الحرب حالة دائمة لا نهاية واضحة لها في الأفق القريب.
حسب تحليل معهد دراسات الأمن القومي، فإن تقييم استدامة هذه العقيدة يواجه تحديات لوجستية وسياسية هائلة، فالإصرار على القتال المستمر يتطلب تعبئة دائمة للقوى البشرية والموارد الاقتصادية في وقت يعاني فيه الاقتصاد من هزات عنيفة نتيجة تراجع السياحة والاستثمار وزيادة الإنفاق العسكري.
تصدع الجبهة الداخلية
حسب ما ورد في تحليلات معهد دراسات الأمن القومي، يواجه المجتمع الإسرائيلي حالة من التشظي والانقسام غير المسبوقة التي ضربت مفهوم "الأمن الشخصي" في الصميم، حيث لم تنجح الحرب في توحيد الصفوف بل أدت إلى تعميق الهوة بين المعسكرات السياسية، لقد كشفت الاحتجاجات العارمة عن غضب مكتوم انفجر في وجه الحكومة، اعتراضًا على ما وصف بـ "الانقلاب القضائي"، والسياسات التي تهدد هوية الدولة، وقد وصل التصدع إلى أكثر المؤسسات حساسية، حيث وقع أكثر من مائتين وخمسين عضوًا سابقًا في الموساد، بينهم ثلاثة رؤساء سابقين هم داني ياتوم، وإفرايم هاليفي، وتامير باردو، عريضة تطالب بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل فورًا، وانضم إلى هذا الحراك نحو ألف من الطيارين والعاملين في سلاح الجو، وحركات بارزة مثل منظمة "إخوة السلاح" التي أسسها جنود احتياط، و"قوة كابلان" التي تقود التظاهرات، وحركة "الأعلام السوداء"، ومنظمة "أحرار في بلدنا"، مما يعكس تحولاً جذريًّا في طبيعة المعارضة التي انتقلت من الأروقة الحزبية إلى الشارع والمؤسسات الأمنية السيادية.
وحسب استطلاعات الرأي التي أوردتها وسائل إعلام، ومعهد الديمقراطية الإسرائيلي، فإن حالة الاستقطاب وصلت إلى مستويات تنذر بانفجار داخلي، إذ أبدى 70% من الجمهور قلقهم بشأن مستقبل الديمقراطية الإسرائيلية وتراجع الشعور بالأمن الشخصي، والأكثر خطورة هو ما كشفه الاستطلاع حول تأييد 43% من الجمهور لفكرة "العصيان المدني" في حال لم تمتثل الحكومة لقرارات المحكمة العليا بخصوص ملفات حساسة مثل إقالة رئيس الشاباك "رونين بار"، وتصل نسبة تأييد العصيان المدني في أوساط اليسار إلى ستة وثمانين بالمئة، بينما تبلغ في الوسط سبعة وخمسين بالمئة، مما يشير إلى أن أي صدام دستوري قادم قد يخرج عن السيطرة تمامًا، إن هذا التشظي الذي شمل قطاع التكنولوجيا الفائقة وحركات مثل "من أجل جودة الحكم" يعكس تآكل "العقد الاجتماعي" الإسرائيلي، حيث بات ينظر إلى الحكومة ليس كحامية للأمن، بل كعامل تهديد للاستقرار الداخلي بسبب إصرارها على تغليب الأجندات الحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا دائمًا.
مصير الائتلاف الحاكم
حسب تقارير إعلامية يعتمد الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل على استراتيجيات بقاء تقوم على المناورة البراغماتية والضغوط الهائلة على المؤسسات الديمقراطية والقضائية لضمان استمرار سيطرته، نتنياهو نجح حتى الآن في تأجيل ملفات حارقة مثل "تجنيد الحريديم" والموازنة العامة، حيث استطاع تقديم تنازلات مالية وسياسية للتيارات الدينية والقومية المتطرفة لضمان ولائها المطلق وتجنب انهيار الحكومة، إن هذا الائتلاف يدرك تمامًا أن أي تنازل في ملف الحرب أو القبول بتحقيق رسمي في إخفاقات أكتوبر يعني النهاية السياسية والمحاسبة القانونية المباشرة، وهو ما يجعلهم يتمسكون بالسلطة كخيار وجودي وحيد، ومع ذلك فإن "السلم الأهلي" داخل الائتلاف مهدد دائمًا بمطالب الوزيرين بن غفير، وسموتريتش المتطرفة التي تضع إسرائيل في صدام دائم مع المجتمع الدولي وتعرقل أي تفاهمات إقليمية ممكنة.
وحسب استطلاعات الرأي، يبرز تهديد جديد وجدي لسيطرة نتنياهو يتمثل في صعود "نفتالي بينيت" وتأسيسه لحزب "بينيت 2026"، الذي بدأ يجذب الناقمين من اليمين "العقلاني" والوسط العلماني، وتحديدًا أولئك الذين يرفضون نهج نتنياهو "الفردي"، الاستطلاعات تشير إلى أن حزب بينيت قد يتصدر المشهد بحصوله على تسعة وعشرين مقعدًا، مما يسحب البساط من تحت أقدام الليكود الذي تراجع في بعض التقديرات إلى ما دون العشرين مقعدًا، هذا الصعود يعكس رغبة جزء من الجمهور في العودة إلى يمين مؤسسي يبتعد عن الاستقطاب الحاد، ويركز على ترميم العلاقة مع واشنطن وإعادة بناء الثقة في المؤسسة الأمنية، إن حالة الاستقرار الهشة للائتلاف الحالي قد تنهار تمامًا أمام ضغط الشارع المتزايد وصعود بدائل سياسية قوية قادرة على تشكيل حكومة وحدة وطنية تستبعد العناصر المتطرفة تمامًا.
فرص صعود اليسار
حسب بيانات استطلاع القناة الـ 12 الإسرائيلية، فإن اليسار والوسط في إسرائيل يشهدان تحولًا ملحوظًا في المزاج العام، حيث ارتفعت مقاعد هذا التيار لتصل إلى أربعة وأربعين مقعدًا، مما يعكس تزايد القناعة بأن السياسات اليمينية قد وصلت إلى طريق مسدود، إن نجاح هذا التيار في العودة إلى صدارة المشهد مرهون بقدرته على تقديم رؤية أمنية مقنعة تتجاوز مجرد الاعتراض الشخصي على نتنياهو، مع صياغة رؤية إقليمية مختلفة تعيد بناء التحالفات الدولية وتؤمن استقرار الجبهات عبر التنسيق الدبلوماسي وليس القوة العسكرية وحدها، ومع ذلك يظل اليسار والوسط في حالة من التردد الاستراتيجي حول كيفية التعامل مع ملفات شائكة مثل "حل الدولتين" الذي أصبح يواجه رفضًا واسعًا في المجتمع الإسرائيلي بعد صدمة أكتوبر، مما يجعلهما يركزان أكثر على القضايا الداخلية والعدالة الاجتماعية لاستقطاب الناخبين دائمًا.
وحسب استطلاعات معهد الديمقراطية الإسرائيلية فإن القوة الحقيقية لليسار والوسط تكمن حاليًا في الشارع أكثر منها في الكنيست، حيث يمثلون عصب الحراك المدني والاحتجاجي الذي يعطل قرارات الحكومة اليمينية المتطرفة فعليًّا، إن تأييد الغالبية العظمى من هذا التيار للعصيان المدني يعطي القيادة السياسية للمعارضة أداة ضغط استراتيجية غير مسبوقة يمكن استخدامها لمنع أي تغيير في بنية الدولة الديمقراطية أو إقالة رؤساء الأجهزة الأمنية، ويرى المحللون أن صعود أي تيار جديد سيقوده بالضرورة تحالف بين الوسط العلماني واليمين الليبرالي، مما قد يؤدي إلى تهميش اليسار الأيديولوجي التقليدي لصالح "كتلة تاريخية" جديدة تسعى لاستعادة التوازن المؤسسي، هذا الحراك المتصاعد يشكل إرهاصًا لتغيير بنيوي محتمل في توازنات القوى، حيث يصبح صعود أي تيار جديد مرتبطًا بمدى قدرته على تقديم إجابات واضحة لأسئلة الأمن القومي والعدالة التي أهملتها السياسات الحالية دائمًا.
الرؤية الإقليمية الشاملة
حسب مقترحات الرؤية الاستراتيجية لمعهد "INSS"، فإن مستقبل إسرائيل مرتبط بشكل عضوي بمكانتها في "شرق أوسط جديد" يتشكل وسط النيران، حيث تتصارع رؤية نتنياهو القائمة على القوة المحضة مع رؤية إقليمية تدعو لدمج "سلطة فلسطينية متجددة" في ترتيبات "اليوم التالي".
إن الرؤية الاستراتيجية التي تطرحها الدول الإقليمية المركزية تضغط باتجاه إطار أمني جماعي يشبه "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" (OSCE)، ويقوم على خمسة مرتكزات أساسية هي: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول، والحل السلمي للنزاعات عبر التفاوض، وإنهاء المظاهر العسكرية للمليشيات، ودعم حق تقرير المصير للفلسطينيين ضمن إطار واقعي يؤمن استقرار المنطقة، هذه المبادئ تضع إسرائيل أمام خيار تاريخي بين الانعزال العسكري المستنزف أو الاندماج السياسي المشروط بالعدل، خاصة وأن "الهدوء البارد" مع مصر والأردن يتعرض لضغوط هائلة نتيجة الخلافات حول "محور فيلادلفيا" وإغلاق معبر رفح، مما يهدد أسس الاستقرار الإقليمي الهش أصلاً.
رحيل نتنياهو قد لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري سريع في العقيدة الأمنية المتشددة التي أصبحت عابرة للأحزاب بعد أحداث أكتوبر 2023، إلا أنه سيفتح المجال بالتأكيد أمام قيادات أكثر ميلاً للتنسيق الدولي والدبلوماسي، إن الخلاصة الاستراتيجية تؤكد أن "العدل هو الحل الوحيد" كما لخصته رؤى نجيب محفوظ، حيث لا يمكن تحقيق استقرار مستدام دون إنهاء الاحتلال وضمان حقوق الفلسطينيين، فإسرائيل لا يمكنها العيش "على حد السيف" إلى الأبد.

