أزمة قيادة تتجاوز السياسة: إسرائيل في عهد بنيامين نتنياهو
ملخص :
تتعمّق ملامح الأزمة السياسية والمؤسسية في إسرائيل في ظل قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث يرى عدد من الكتّاب والمحللين الإسرائيليين أن ما يجري يتجاوز كونه خلافاً سياسياً تقليدياً أو صراعاً أيديولوجياً، ليعكس تحوّلاً جوهرياً في طريقة إدارة الدولة، فوفق هذه القراءات، لم يعد القرار السياسي محكوماً برؤية استراتيجية مستقرة، بل بات خاضعاً لمنطق البقاء الشخصي، وتصفية الحسابات مع الخصوم، ومواجهة المؤسسات التي يُفترض أن تشكّل ركائز النظام الديمقراطي.
من الأيديولوجيا إلى الحسابات الشخصية
يقدّم الباحث ساجي الباز، المحاضر في كلية العلوم السياسية بجامعة تل أبيب والباحث في معهد الفكر الإسرائيلي -في مقال بصحيفة هآرتس-، قراءة نقدية لسياسات نتنياهو، مشيراً إلى أن فهم سلوك رئيس الحكومة لم يعد ممكناً من خلال منظار أيديولوجي صرف، بل من خلال إدراك البعد الشخصي المرتبط بصراعه مع مؤسسات الدولة.
ويرى الباز أن نتنياهو بات ينظر إلى أجهزة إنفاذ القانون، بما في ذلك الشرطة والنيابة العامة والقضاء، كخصوم مباشرين، بعدما لعبت هذه المؤسسات دوراً محورياً في ملاحقته قضائياً، ومن هذا المنطلق، فإن الهجوم على السلطة القضائية لا يمكن تفسيره كمجرد مشروع إصلاحي، بل باعتباره محاولة انتقامية تستهدف إعادة رسم موازين القوة داخل الدولة.
"الانقلاب القضائي": إعادة تشكيل النظام السياسي
يأخذ مشروع التعديلات القضائية، الذي أثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، أبعاداً أعمق في هذا السياق، فبحسب التحليل المطروح، لا يقتصر الأمر على تعديل قوانين أو إعادة توزيع الصلاحيات، بل يتعداه إلى محاولة إعادة هندسة النظام السياسي بما يضمن تحييد المؤسسات الرقابية التي قد تشكّل تهديداً لمستقبل نتنياهو السياسي.
وبذلك، تتحوّل الدولة – بمؤسساتها القانونية والرقابية – من إطار جامع يُفترض حمايته، إلى خصم ينبغي إخضاعه، وهو ما يعكس تحولاً خطيراً في العلاقة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الحكم.
براغماتية بلا سقف: أيديولوجيا متحوّلة
ويشير الباز إلى أن نتنياهو لا يقود مشروعاً فكرياً متماسكاً، بل يعتمد نهجاً براغماتياً مرناً يقوم على تكييف مواقفه وفق متطلبات اللحظة السياسية، فالرجل الذي طرح في مراحل سابقة فكرة حل الدولتين، عاد لاحقاً إلى التلويح بسياسات الضم، كما انتقل من الدفاع عن استقلال القضاء إلى مهاجمته عندما أصبح يشكّل تهديداً مباشراً له، ولا يقتصر هذا التبدل على الملفات السياسية، بل يمتد إلى الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، حيث لم يتردد في تعزيز نفوذ القوى الدينية والقومية المتشددة، وتقديم تنازلات لها، بما في ذلك توسيع صلاحيات المحاكم الدينية، مقابل ضمان استقرار ائتلافه الحاكم.
تحالفات دينية وسياسية: حسابات السلطة أولاً
ضمن هذا الإطار، يُفهم تصاعد نفوذ التيارات الدينية المتشددة داخل الحكومة الإسرائيلية ليس بوصفه انعكاساً لقناعة عقائدية، بل نتيجة حسابات سياسية بحتة، إذ يرى محللون أن كل خيار يمكن أن يضمن بقاء الحكومة يصبح قابلاً للتبني، حتى وإن أدى ذلك إلى تغييرات بنيوية في طبيعة الدولة وهويتها، ويعكس هذا النهج غياب أي محددات مبدئية أو مؤسساتية واضحة تحكم عملية اتخاذ القرار، حيث تصبح الأولوية المطلقة هي الحفاظ على السلطة، لا تحقيق المصلحة العامة.
من الانتقام الشخصي إلى "الانتقام الوطني"
ويطرح الباز مفهوماً آخر لتفسير سياسات نتنياهو، يتمثل في ما يسميه "الانتقام الوطني"، في إشارة إلى رد الفعل الإسرائيلي على هجوم 7 أكتوبر 2023، فبدلاً من أن يقود هذا الحدث إلى مراجعة استراتيجية شاملة، يرى التحليل أنه دفع نحو تبنّي سياسات عسكرية مكثفة تهدف إلى استعادة الهيبة المفقودة، ولو عبر تصعيد ميداني واسع النطاق، وبذلك، تتحول الحرب من أداة أمنية محسوبة إلى وسيلة تعويض نفسي وسياسي، تعكس أزمة القيادة أكثر مما تعكس استراتيجية مدروسة.
الخطاب السياسي وصناعة الوهم
من جهة أخرى، يحذّر وزير القضاء الإسرائيلي السابق، دانيال فريدمان، من أن الحكومة تعيش في "واقع متخيّل"، وتحاول تسويق هذا الواقع للجمهور، مما يفاقم الفجوة بين التوقعات والنتائج.
وفي السياق ذاته، تشير الكاتبة، سيما كيدمون، إلى أن حالة الإحباط التي أعقبت وقف إطلاق النار مع إيران لم تكن نتيجة التطورات الميدانية فحسب، بل بسبب الهوة الكبيرة بين الوعود السياسية الطموحة والنتائج الفعلية على الأرض، مؤكدة أن الخطاب القائم على تحقيق "نصر ساحق" أو "تغيير جذري في المنطقة" يجعل أي نتيجة أقل من ذلك تبدو وكأنها إخفاق أو تضليل، ما يضعف ثقة الجمهور في قيادته.
الحرب كأداة سياسية
في ضوء ذلك، لم تعد الحروب في عهد نتنياهو مجرد وسائل لتحقيق أهداف أمنية، بل تحوّلت إلى أدوات لإنتاج سرديات سياسية مؤقتة تُستخدم لتعزيز موقعه الداخلي، لا سيما في ظل رهاناته الانتخابية المستمرة، غير أن هذه السرديات سرعان ما تتآكل أمام واقع معقّد، ما يؤدي إلى دخول إسرائيل في حلقة مفرغة من الصراعات التي لا تعالج جذور الأزمات، بل تؤجل انفجارها.
تراجع المكانة الدولية
أما على الصعيد الخارجي، فيشير فريدمان إلى أن إسرائيل لم تعد تواجه فقط تداعيات الحروب، بل أيضاً تراجعاً ملحوظاً في مكانتها الدولية، حتى داخل المعسكر الغربي الذي لطالما قدّم لها دعماً واسعاً، ويعزو ذلك إلى استمرار العمليات العسكرية، وتصاعد خطاب القوة، وتزايد نفوذ التيارات المتطرفة داخل الحكومة، ما ساهم في ترسيخ صورة إسرائيل كدولة تفتقر إلى رؤية سياسية واضحة، وتغرق في دوامة من العنف.
أزمات داخلية متفاقمة
داخلياً، يلفت الكاتب، يوفال كارني، إلى أن التوترات السياسية عادت سريعاً إلى الواجهة بعد توقف العمليات العسكرية، مع بروز ملفات خلافية مثل قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، غير أن الأخطر، بحسب كارني، يتمثل في محاولات التشكيك المسبق في نزاهة الانتخابات، عبر الترويج لفكرة "تزوير النتائج"، وهو ما قد يشكّل تمهيداً لرفض أي نتائج لا تخدم مصالح الحكومة الحالية.
بين التبعية الخارجية والتآكل الداخلي
وتضيف كيدمون أن إسرائيل وجدت نفسها بعد الحرب في موقع أكثر هشاشة، مع تزايد اعتمادها على الدعم الأمريكي، وتراجع قدرتها على فرض شروطها بشكل مستقل، ويعكس هذا الواقع كلفة مزدوجة: داخلياً، تآكل الثقة بالمؤسسات وقواعد اللعبة الديمقراطية، وخارجياً، تراجع المكانة الدولية وتقلّص هامش المناورة السياسية.
دولة في مواجهة ذاتها
عند جمع هذه القراءات، تتشكل صورة مقلقة لإسرائيل في عهد نتنياهو: دولة تواجه تحديات خارجية متصاعدة، وفي الوقت ذاته تعاني من تصدعات داخلية عميقة تطال مؤسساتها السياسية والقانونية، ولم يعد السؤال مقتصراً على اتجاه السياسات الحكومية، بل بات يتعلق بمدى تأثير استمرار نتنياهو في السلطة على وحدة المجتمع، واستقرار المؤسسات، ومستقبل الدولة ككل.
إن التحدي الأكبر الذي تواجهه إسرائيل اليوم لا يكمن فقط في خصومها الخارجيين، بل في طبيعة القيادة التي تدفعها تدريجياً نحو صراع داخلي مع ذاتها، قد تكون تداعياته أكثر خطورة من أي تهديد خارجي.

