الحكومة السورية تُعيد ترتيب ملف المؤسسة الدينية.. ماذا فعلت؟
ملخص :
أصدرت وزارة الأوقاف السورية قراراً يقضي بإبعاد أربعة من أفراد عائلة فرفور عن جميع المهام الإدارية والتدريسية داخل مجمع "الفتح الإسلامي" في العاصمة دمشق، مع سحب الصلاحيات المالية والإدارية منهم، وإلزامهم بتسليم كافة الوثائق والمستندات ذات الصلة إلى الوزارة، وتأتي هذه الخطوة، التي صدرت قبل أيام، في سياق توجه حكومي يبدو أنه يهدف إلى إعادة ضبط بنية المؤسسة الدينية في البلاد، وإعادة تنظيم أدوارها بعد سنوات من الارتباط الوثيق بالسلطة السياسية خلال عهد النظام السابق.
مجمع "الفتح الإسلامي" وتحوّلات الدور الديني
شمل القرار بشكل مباشر عميد العائلة، حسام الدين فرفور، البالغ من العمر 75 عاماً، والذي تولّى إدارة مجمع "الفتح الإسلامي" بعد تأسيسه على يد والده الشيخ محمد صالح فرفور، ويُعد المجمع واحداً من أبرز المؤسسات الدينية في دمشق، وقد لعب دوراً محورياً في تشكيل الخطاب الديني خلال العقود الماضية، خصوصاً في مرحلة ما قبل وأثناء اندلاع الثورة السورية عام 2011، وخلال تلك المرحلة، ارتبط اسم حسام الدين فرفور بمواقف دينية وسياسية مؤيدة للنظام المخلوع، إذ كان من أبرز الداعمين له في خطاباته العلنية، والتي أثارت جدلاً واسعاً، ووُصفت بأنها بلغت حدّ التمجيد السياسي لرئيس النظام السابق بشار الأسد.
خلفيات القرار: إعادة ضبط المؤسسة الدينية
تقرأ أوساط سياسية ودينية هذا القرار بوصفه جزءاً من مسار أوسع تتبعه وزارة الأوقاف لإعادة هيكلة الحقل الديني في سوريا، وضبط أدواته التنظيمية والإدارية، بعد عقود من توظيفه ضمن منظومة سياسية أوسع خلال حكم النظام السابق، وتشير هذه القراءة إلى أن المؤسسة الدينية في تلك المرحلة كانت تعمل، بحسب منتقدين، ضمن إطار سياسي صارم، جرى من خلاله توجيه الخطاب الديني بما ينسجم مع سياسات الدولة، وتحويل بعض المنابر الدينية إلى أدوات دعم وتبرير.
دور رجال الدين خلال مرحلة الحرب
وخلال سنوات الحرب التي شهدتها البلاد منذ 2011، برزت حالة من الاصطفاف داخل المؤسسة الدينية الرسمية، حيث دعمت بعض الشخصيات الدينية رواية النظام، فيما اضطر عدد من العلماء المعارضين لمغادرة البلاد تحت ضغط الظروف الأمنية والسياسية، ومن بين الأسماء التي غادرت سوريا في تلك المرحلة عدد من الشخصيات الدينية البارزة، التي عُرفت بمواقفها المعارضة لسياسات القمع، ما أدى إلى إعادة تشكيل المشهد الديني داخل البلاد بشكل كبير.
المؤسسة الدينية بين الدولة والاستقلال
ولطالما ارتبطت المؤسسة الدينية الرسمية في سوريا بعلاقة وثيقة مع الدولة، حيث اعتُبر خطابها امتداداً للسياسات العامة خلال عقود طويلة، خاصة بعد عام 1963، مع تصاعد دور السلطة في تنظيم الشأن الديني وتوجيهه، وقد انعكس ذلك على استقلالية المؤسسات الدينية، بما في ذلك تعيين المفتي العام بمرسوم رئاسي، وإعادة هيكلة مواقع دينية حساسة بما يضمن توافقها مع التوجهات السياسية للدولة.
تحولات ما بعد 2024: إعادة بناء الإطار الديني
ومنذ نهاية عام 2024، بدأت الحكومة السورية سلسلة إجراءات لإعادة تنظيم القطاع الديني، شملت إعادة منصب المفتي العام للجمهورية، بعد أن كان قد أُلغي سابقاً، إضافة إلى مراجعة البنية الإدارية للمؤسسات الدينية، كما تم اتخاذ إجراءات بحق عدد من الخطباء والدعاة، شملت إيقافهم عن الخطابة وإلقاء الدروس، في إطار سياسة قالت السلطات إنها تهدف إلى تنظيم الخطاب الديني ومنع استغلاله سياسياً.
المجلس الإسلامي السوري وحالة الجدل
وفي سياق متصل، أعلن المجلس الإسلامي السوري، الذي تأسس خارج البلاد عام 2014، حل نفسه العام الماضي، بعد تغييرات في بنيته القيادية واندماج عدد من أعضائه في مؤسسات رسمية داخل الدولة، وأثار هذا التطور جدلاً واسعاً داخل الأوساط السورية، بين من اعتبره خطوة باتجاه توحيد المرجعية الدينية، ومن رأى فيه مؤشراً على إعادة مركزية الدولة في إدارة الشأن الديني وغياب التعددية المؤسسية.

