تصعيد أميركي-صيني: اتهامات متبادلة وتحذيرات اقتصادية حادة
ملخص :
بعدما انهارت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أول أمس الأحد، تصاعدت حدة الخطاب السياسي بين واشنطن وبكين على خلفية تقارير تتعلق بالدور الصيني المحتمل في الملف الإيراني، وخلال تصريحات أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ردّ على أسئلة بشأن مزاعم تتحدث عن تورط الصين في دعم إيران، قائلاً بلهجة تحذيرية: إن الصين "ستتكبد خسائر فادحة" في حال ثبت قيامها بذلك، وجاءت تصريحاته في سياق سياسي متوتر تزامن مع تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن معلومات استخباراتية تفيد بأن بكين تستعد لتزويد إيران بمنظومات دفاع جوي.
في المقابل، سارعت السفارة الصينية في واشنطن إلى نفي تلك المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أن الصين لم تقدم أي نوع من الأسلحة لأي طرف في النزاع، ووصفت التقارير بأنها غير دقيقة ولا تستند إلى أدلة موثوقة.
تهديدات اقتصادية أميركية ورسائل ردع مباشرة
ولوّح ترامب بفرض رسوم جمركية "مذهلة" على الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة، في حال ثبت تقديم بكين دعماً عسكرياً لإيران خلال الحرب الجارية في المنطقة، وفي مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، قال ترامب إنه لا يعتقد أن الصين ستقدم أسلحة لإيران، لكنه حذّر من أنه "في حال تم ضبط ذلك"، فإن واشنطن ستفرض رسوماً جمركية قد تصل إلى 50%، في خطوة تعكس استخدام الأدوات الاقتصادية كوسيلة ضغط سياسية مباشرة.
بكين ترد: "افتراءات لا أساس لها"
من جانبها، رفضت الصين الاتهامات الأميركية، ووصفتها بأنها "افتراءات لا أساس لها"، وذلك في رد رسمي صدر أمس الاثنين، عقب تداول تقارير إعلامية استندت إلى مصادر استخباراتية أميركية، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غوو جياكون، إن بلاده "لطالما اتبعت سياسة حذرة ومسؤولة في ما يتعلق بتصدير المعدات العسكرية"، مؤكداً أن جميع الصادرات تخضع لضوابط صارمة تتماشى مع القوانين الداخلية والالتزامات الدولية.، مضيفا أن الصين "ترفض بشكل قاطع هذه الاتهامات غير المستندة إلى أدلة"، في إشارة إلى ما تعتبره بكين حملة تضليل تستهدف تشويه موقفها الخارجي.
موقف صيني رسمي متكرر: نفي الانخراط في الصراع
وفي السياق ذاته، شددت الخارجية الصينية في بيان سابق على أن بكين لم تقدم أي دعم عسكري لأي طرف منخرط في الحرب، مؤكدة أن التعاون الطبيعي بين الدول ذات السيادة "لا يجوز تأويله أو استغلاله سياسياً من قبل أطراف خارجية"، ويأتي هذا الموقف في إطار خطاب دبلوماسي صيني ثابت يرفض الانحياز في النزاعات الإقليمية، ويدعو إلى تسوية الخلافات عبر الحوار والمفاوضات السياسية.
الإعلام الصيني: اتهامات غربية "مُسيّسة"
وتناولت وسائل إعلام صينية رسمية التطورات الأخيرة بقدر من الحدة، معتبرة أن التصعيد الإعلامي الغربي ضد بكين يعكس توجهاً سياسياً متعمداً لإعادة صياغة دور الصين في الشرق الأوسط، حيث وذكرت صحيفة "الشعب" الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني أن وسائل الإعلام الغربية "تكثف فجأة" تركيزها على الصين عبر روايات تصفها بأنها تستعد لتزويد إيران بأسلحة متقدمة، بينها صواريخ مضادة للسفن الأسرع من الصوت، وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الادعاءات "ليست جديدة"، لكنها تُعاد إلى الواجهة في توقيت سياسي حساس، ما يعكس – بحسب وصفها – محاولة لاستثمار التوتر القائم لتشويه صورة بكين.
كما نفى متحدث باسم وزارة الدفاع الصينية تقارير أخرى تحدثت عن تزويد شركات صينية إيران بمعدات مرتبطة بالرقائق الإلكترونية أو بيانات أقمار صناعية، مؤكداً أن بلاده "تلتزم موقفاً محايداً وموضوعياً"، وأنها تعمل على دعم الحلول السلمية دون الانخراط في أي أنشطة تصعيدية.
حذر دبلوماسي صيني وتحركات احترازية
ومع تصاعد التعقيدات في المشهد الإقليمي، أظهرت بكين درجة أعلى من الحذر السياسي والدبلوماسي، خصوصاً فيما يتعلق بسلامة مواطنيها في المنطقة، وفي هذا السياق، أصدرت السفارة الصينية في إيران بياناً تحذيرياً عقب انهيار المفاوضات، دعت فيه المواطنين الصينيين إلى تجنب السفر إلى بعض المناطق، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على ارتفاع مستوى القلق من تطورات الوضع الأمني، ويرى محللون أن هذا التحذير يعكس قراءة صينية لاحتمال توسع دائرة التوتر، حتى في ظل استمرار الخطاب الرسمي الذي ينفي الانخراط في أي صراع عسكري مباشر.
تقارير استخباراتية وتحليلات حول نشاطات مراقبة
في المقابل، تناولت تقارير إعلامية في "هونغ كونغ" ما وصفته بمحاولات تتبع وتحليل التحركات العسكرية الأميركية في المنطقة، مشيرة إلى أن شركات صينية متخصصة في الاستخبارات الجغرافية حاولت تحليل أنشطة الطيران العسكري الأميركي، بما في ذلك طائرات التزود بالوقود، وأفادت تقارير صحفية بأن إحدى الشركات الصينية نشرت دراسة تحليلية تناولت تحركات طائرات التزود بالوقود الأميركية خلال عمليات عسكرية حديثة، في محاولة لفهم أنماط التحرك والارتباطات الميدانية بين الطائرات الداعمة والقاذفات الاستراتيجية.
وبحسب هذه التقارير، اعتمدت بعض التحليلات على بيانات البث التلقائي للطائرات، رغم الإشارة إلى أن الطائرات القتالية غالباً ما تتوقف عن بث هذه الإشارات خلال العمليات، ما يجعل عملية التتبع أكثر تعقيداً ودقة، كما أشارت مصادر إعلامية إلى أن بعض هذه الدراسات استخدمت صور أقمار صناعية لرصد الانتشار العسكري الأميركي في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، في إطار ما يُوصف بأنه تحليل مفتوح المصدر للعمليات العسكرية.
قراءة استراتيجية: الصين بين الاتهام والنفي
في ظل هذه التطورات، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الصيني في الملف الإيراني، بين اتهامات أميركية متكررة ونفي صيني رسمي وممنهج، ويرى بعض المراقبين أن الصين تتحرك ضمن هامش دبلوماسي حساس، يجمع بين حماية مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، خصوصاً في إطار مبادرة "الحزام والطريق"، وبين تجنب الانخراط المباشر في النزاعات العسكرية.
فيما يشير آخرون إلى أن بكين تمتلك مصالح اقتصادية ولوجستية واسعة في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على صورة "الوسيط المحايد" الذي يدعو إلى التهدئة وتجنب التصعيد، وفي المقابل، تستخدم واشنطن خطاباً أكثر حدة، يربط بين أي تعاون محتمل بين بكين وطهران وبين تداعيات اقتصادية مباشرة، عبر التلويح بالعقوبات والرسوم الجمركية.
مشهد مفتوح قبل زيارة ترامب لبكين
فيما يبقى السؤال الأكثر إلحاحا؛ هل هذه التسريبات، وتناولها المكثف في وسائل الإعلام الغربية، تشكل ورقة ضغط سيستخدمها ترامب في زيارته القريبة إلى بكين؟، بالإضافة إلى إعلان واشنطن إغلاق مضيق هرمز، ونيتها منع السفن من التحرك من وإلى إيران، التي يرى المحللون السياسيون أنها ورقة ضغط أخرى على الصين من خلال قطع النفط الإيراني عنها.

