هرمز بعد الحرب: انفراج هش وطريق وعر نحو استقرار أسواق الطاقة
ملخص :
رسم الاتفاق المؤقت الذي أُبرم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ملامحَ مرحلة انتقالية دقيقة في مشهد الطاقة العالمي؛ إذ فتح الباب أمام احتمالات استئناف الملاحة التجارية في مضيق هرمز، واستعادة تدفقات النفط والغاز عبر هذا الممر الاستراتيجي الحيوي، غير أن المحللين والخبراء يُحذّرون من الوقوع في وهم السرعة، مؤكدين أن عودة أسواق الطاقة إلى إيقاعها الطبيعي مسار مركّب ومتشعب، تتشابك فيه عوامل تقنية وأمنية وجيوسياسية بالغة التعقيد.
ثقة مفقودة.. وطريق طويل نحو الاستقرار
في تصريح لافت نقلته وكالة "بلومبيرغ"، أشار هاريس خورشيد، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة كاروبار كابيتال، إلى أن الأسواق المالية تنزع إلى التعامل مع مسألة إعادة فتح المضيق باعتبارها إجراءً بسيطاً وفورياً، بينما تُخفي هذه النظرة المتفائلة قدراً كبيراً من التعقيد الميداني والعملياتي، موضحا أن التدفقات المادية للنفط قد تستأنف بوتيرة معقولة، إلا أن استعادة الثقة المؤسسية لدى شركات التأمين والملاحة تسير وفق منطق مختلف تماماً، لا تحكمه ساعات الأخبار العاجلة بل معطيات الواقع الأمني الميداني.
وأكد خورشيد أن ثمة فارقاً جوهرياً بين إعادة فتح المضيق وتطبيع تدفقات التجارة عبره؛ ذلك أن المستوردين الكبار قضوا أشهراً طويلة في إعادة هيكلة سلاسل إمدادهم، وتنويع مصادر توريدهم، وتأمين مخزونات احتياطية من مناطق بديلة، ولن يكون من السهل على هؤلاء العودة فوراً إلى مسار هرمز التقليدي بمجرد الإعلان عن فتحه، في ظل مخاوف مستمرة من هشاشة الاتفاق وإمكانية عودة التوترات.
جراح البنية التحتية.. أضرار لا تُعالج بين عشية وضحاها
في السياق ذاته، نبّهت بريانكا ساتشديفا، المحللة لدى شركة فيليب نوفا، إلى أن انتهاء الصراع المسلح واستئناف تدفقات النفط تدريجياً لا يعنيان بأي حال أن الأضرار المتراكمة قابلة للتعويض في أمد قصير، شارحة أن المشهد الراهن يكشف عن أضرار بنيوية عميقة طالت المنشآت النفطية في المنطقة، فضلاً عن تراكم الضغوط الاقتصادية الحادة التي تتحملها الدول المستوردة للطاقة جراء الارتفاع المتواصل في فواتير الاستيراد خلال أشهر الأزمة.
ومن زاوية تشغيلية أشمل، حذّرت شارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في مجموعة ساكسو ماركتس، من الاندفاع نحو قراءات متفائلة مبسّطة؛ فرغم أن الأسواق قد تتفاعل إيجابياً مع الإعلان عن إعادة فتح الممر المائي، يظل الواقع التشغيلي في غاية التعقيد، مُعددة جملة من التحديات التي تستوجب معالجة حقيقية وفورية، أبرزها: العمليات الدقيقة لإزالة الألغام البحرية، والارتفاع الحاد في أقساط التأمين البحري، وظاهرة الازدحام المتوقعة في الموانئ الإقليمية، إضافة إلى احتمالات اندلاع موجات جديدة من التوترات الجيوسياسية.
النفط الخام.. بين زخم التعافي ومخاوف الصعود
أما على صعيد الأسعار، فيرى توني سيكامور، محلل الأسواق لدى مجموعة آي جي أستراليا، أن توقعات هبوط حاد في أسعار النفط الخام تبدو بعيدة المنال في المدى المنظور؛ إذ ستلجأ الدول المستهلكة إلى انتهاز فرصة إعادة فتح المضيق للإسراع في تعويض النقص المتراكم في مخزوناتها التجارية وإعادة تعبئة احتياطياتها الاستراتيجية، وكانت الأسعار قد شهدت تراجعاً نسبياً في جلسات سابقة، مدفوعة بتوقعات الأسواق لحسم الاتفاق، غير أن ضغوط الطلب المكبوت ستُعيد رسم معادلة الأسعار من جديد.
وفي القراءة ذاتها، يحذّر لينه تران، محلل الأسواق في منصة إكس إس دوت كوم، من استعجال القفز إلى استنتاجات تتعلق بانحسار مخاطر ارتفاع الأسعار، مستنداً إلى أن الاتفاق لم يترسّخ بعد في صيغة نهائية قابلة للتنفيذ الفعلي والاستدامة، مضيفا أن التلاقي المحتمل بين قوة الطلب العالمي المكتنز، وتعاف أبطأ من المأمول في جانب الإمدادات، يُرجَّح أن يمنح أسعار النفط دعماً إضافياً قد يُفاجئ المتفائلين بانخفاضات سريعة.
أرضية هشة.. واشتراطات إيرانية قد تُعيد رسم المشهد
وفي تقييم نقدي للمآلات المحتملة للاتفاق، وصف كريس ويستون، رئيس الأبحاث لدى مجموعة بيبرستون، الأرضية التي يقوم عليها التفاهم الأمريكي الإيراني بأنها مضطربة وهشة نسبياً، مشيرا إلى جملة من العقبات الجوهرية التي قد تتحول إلى بؤر خلاف حادة في مرحلة التفاوض التفصيلي، في مقدمتها مطالب طهران المتعلقة بملف إعادة إعمار ما خلّفته الحرب من دمار، والحصول على دعم مالي أمريكي، وإطلاق سراح الأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج منذ سنوات.
أما سارة وخشوري، رئيسة ومؤسسة شركة إس في بي إنرجي إنترناشيونال، فتُرجّح أن تُقدم شريحة واسعة من المستوردين والحكومات على مراجعة شاملة لخططها اللوجستية ومنظومة مورديها وإجراء تعديلات جوهرية في طاقاتها التكريرية؛ معربةً عن قناعتها بأن الأزمة ستُفضي إلى تحولات هيكلية بعيدة المدى في أسواق الطاقة العالمية تتجاوز في عمقها حدود المرحلة الراهنة.
مسار التعافي.. خطوات متتالية وجداول زمنية ممتدة
ويضع كزافييه تانغ، كبير محللي الأسواق في شركة فورتيكسا، خارطة طريق دقيقة للتعافي التدريجي، تبدأ بمجرد توافر شرطين جوهريين: اكتمال صياغة الاتفاق واستئناف شركات التأمين تغطية الناقلات العاملة في المنطقة، وتتتابع مراحل هذا التعافي وفق تسلسل منطقي محدد: تبدأ أولاً بزيادة حركة الناقلات الفارغة العابرة للمضيق في طريقها لاستئناف التحميل، يتبعها في مرحلة ثانية استئناف إنتاج النفط الخام من الحقول، لتأتي في المرحلة الثالثة والأبطأ إيقاعاً عودة المصافي إلى دورتها الإنتاجية الكاملة.
وتُضيف سيلينا لينغ، كبيرة الاقتصاديين في بنك أو سي بي سي، بُعداً آخر لهذه المعادلة، إذ تُشير إلى أن الأفق الزمني للتعافي الكامل في الإنتاج سيتحدد في نهاية المطاف بوتيرة أعمال الإصلاح في المنشآت التي لحق بها الضرر جراء العمليات العسكرية، وبمدى سرعة إعادة تشغيل الحقول التي أُغلقت خلال مرحلة الصراع.
هرمز.. شريان الطاقة الذي لا بديل عنه
وتُجسّد البيانات الرسمية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الثقل الاستراتيجي الهائل لمضيق هرمز في منظومة الطاقة العالمية؛ إذ أشارت الإدارة إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات البترولية كانت تعبر المضيق عام 2024، بما يُعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي لمشتقات النفط. وتُرسّخ بيانات وكالة الطاقة الدولية هذه الصورة، إذ تُظهر أن هذه الأرقام ارتفعت عام 2025 لتمثل ما يقرب من 25% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم.
ويُفسّر هذا الوزن الاستثنائي حجم الأثر الذي خلّفه الصراع على شرايين الاقتصاد العالمي، لا سيما في ظل محدودية القنوات البديلة؛ إذ لا تمتلك سوى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أنابيب ضخ تشغيلية قادرة على تحويل جزء من صادراتهما النفطية بعيداً عن هرمز، بطاقة إجمالية تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً فحسب، وهو رقم يبقى شاحباً أمام حجم التدفقات المعتادة عبر الممر.
الغاز الطبيعي المسال.. رهان قطري وإماراتي على ممر واحد
ولا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز على النفط الخام وحده، بل تمتد لتشمل تجارة الغاز الطبيعي المسال التي باتت ركيزة أساسية في موازين الطاقة العالمية، وكشفت وكالة الطاقة الدولية عن أرقام لافتة تُجسّد هذا الاعتماد المتضاعف؛ إذ تمر عبر المضيق نحو 93% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، و96% من صادرات الإمارات العربية المتحدة من المادة ذاتها، وهو ما يمثل مجتمعاً نحو 19% من إجمالي تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى الكرة الأرضية.
ويكشف هذا التركّز الجغرافي الحاد عن مدى هشاشة منظومة الطاقة الخليجية والعالمية في مواجهة أي اضطراب أمني يطال الممر، ويُسلّط الضوء على استحالة إيجاد بدائل فعلية ومجدية في حالة إغلاق هرمز مجدداً.
الصين.. من مستوعب للصدمة إلى محرّك للتضخم العالمي
في تحليل معمّق نشرته "بلومبيرغ إيكونوميكس"، يُبرز الاقتصاديان تشانغ شو، وديفيد تشو، تداعيات محتملة بالغة الخطورة قد تترتب على الاتفاق الأمريكي الإيراني في ما يخص الطلب الصيني على النفط، فخلال مرحلة الأزمة، أدّى التراجع الحاد في واردات الصين النفطية دوراً شبيهاً بممتص الصدمات في سوق الطاقة العالمية، إذ خففت بكين على غير إرادة من حدة تداعيات الأزمة على باقي المستوردين، غير أن الانقلاب في هذه المعادلة قد يكون أثره في الاتجاه المعاكس.
وتشير بيانات جمعتها الوكالة إلى تراجع حاد في شحنات النفط الإيراني إلى الصين، من مستوى قياسي بلغ 1.8 مليون برميل يومياً في فبراير 2025، إلى نحو 160 ألف برميل يومياً فحسب في مايو من العام ذاته، وحين تستأنف بكين دورتها الاستيرادية الطبيعية، قد يُفضي التقاطع بين قوة الطلب المتراكم وتعثّر الإمدادات إلى موجة تضخمية جديدة تُربك حسابات البنوك المركزية حول العالم وتُعقّد مسيرة تعافي الاقتصاد العالمي.
بكين تدعو إلى الحوار.. ومصلحتها في الاستقرار
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت وزارة الخارجية الصينية عن موقف واضح يدعو إلى التمسك بوقف إطلاق النار وإعادة فتح الممرات الملاحية الدولية، مُسلّطةً الضوء على ما ألحقه الصراع من أضرار موثّقة بسلاسل الإمداد العالمية والمنظومة التجارية الدولية واستقرار أسواق الطاقة، وشدّدت الخارجية الصينية على أن الحل الدائم لمعضلة الملف الإيراني لا يكمن في لغة القوة والمواجهة، بل في مسار الحوار والتفاوض البنّاء.
ويكشف هذا الموقف الصيني عن عمق المصلحة الاستراتيجية التي تربط بكين، بوصفها أكبر مستورد للنفط الإيراني في العالم، باستقرار هذا الممر وانتظام تدفقاته، فالاضطرابات في هرمز لا تُكلّف الصين اقتصادياً فحسب، بل تُهدد أمن طاقتها الذي يُعدّ ركيزة لا غنى عنها في مسيرتها التنموية الطموحة.
مرحلة انتقالية بامتياز
يتّضح من خلاصة آراء المحللين والخبراء أن مرحلة ما بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني ليست نهاية الأزمة بقدر ما هي بداية مرحلة انتقالية دقيقة ومعقدة، فمضيق هرمز يظل ممراً بلا بديل حقيقي، وأسواق الطاقة لا تزال تتجرع تداعيات أشهر من الاضطراب والتوتر، والرسالة الجامعة التي يُوجّهها الخبراء إلى صانعي القرار والمستثمرين على حدٍّ سواء: إياكم والانخداع بعناوين الانفراج، فالطريق نحو الاستقرار الحقيقي لا يزال طويلاً وشاقاً ومفتوحاً على أكثر من احتمال.

