الحكومات الرقمية: من إستونيا إلى فرح الأردنية
كيف تحولت الدول من رقمنة المعاملات إلى ناطق رسمي بالذكاء الاصطناعي؟
ملخص :
نشأة فكرة رقمنة الحكومات
الفكرة ولدت في أواخر تسعينيات القرن الماضي مع انتشار الإنترنت التجاري، حين بدأ استخدام الحاسوب كأداة في المؤسسات الحكومية يتوسع، وظهر مصطلح "الحكومة الإلكترونية" مع عالم الإنترنت. في البداية كانت الحكومة الإلكترونية مجرد أداة اتصال داخلية بين الأجهزة الحكومية، قبل أن تتطور إلى مواقع تعرض معلومات، ثم إلى معاملات إلكترونية كاملة.
من أبرز المحطات الرسمية: بريطانيا أصدرت عام 1999 الكتاب الأبيض "تحديث الحكومة" الذي اعتبر أن الخدمات العامة يجب أن تصبح قابلة للتقديم تقنيا، وإلا واجهت الحكومة ردة فعل غاضبة ممن اعتادوا الشراء والتفاعل أونلاين لكنهم لا يستطيعون دفع ضرائبهم بالطريقة نفسها. وفي المرحلة نفسها برزت الولايات المتحدة وكندا وفنلندا وسنغافورة كدول رائدة في إتاحة المعلومات والتفاعل الحكومي عبر الإنترنت.
إستونيا: النموذج الأكثر تأثيرا عالميا
بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، احتاجت إستونيا لإعادة بناء اقتصادها من الصفر، فاختار قادتها الاستثمار في تقنية المعلومات كرافعة وطنية.
النتيجة اليوم كانت بأكثر من 2000 خدمة إلكترونية عامة توفر آلاف ساعات العمل سنويا، ترتكز على هوية رقمية وطنية موثوقة تمنح لكل مواطن عند ولادته وتتيح التعامل مع كل الجهات الحكومية دون حضور شخصي. وتُنجز الضرائب أونلاين في أقل من 5 دقائق، ويتوفر 99% من الخدمات العامة على الإنترنت 24 ساعة، ويصوّت نحو ثلث المواطنين إلكترونيا. اللافت أن إستونيا صارت "تصدّر" نموذجها الرقمي إلى نحو 128 دولة.
التجارب العربية
الإمارات: بدأت مبكرا جدا، إذ تأسست مدينة دبي للإنترنت عام 1999 كنافذة على التحول الإلكتروني في المنطقة، ثم انتقلت الدولة تدريجيا من الحكومة الإلكترونية إلى الذكية الرقمية عبر خارطة طريق وطنية متكاملة. أما اقتصاديا فقد بلغ الاستثمار في تقنية المعلومات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني 84.5 مليار درهم في 2024 وحده.
السعودية: عبر رؤية 2030 وهيئة الحكومة الرقمية، قفزت من المرتبة 49 عالميا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية للبنك الدولي عام 2020 إلى الثالثة عام 2022 ثم الثانية عالميا عام 2025. وفي السعودية ساهم الاقتصاد الرقمي بنسبة 16% من الناتج المحلي عام 2025، وقفز سوق تقنية المعلومات والاتصالات من 28 مليار دولار عام 2017 إلى 53 مليار دولار عام 2025. وتتوقع الاستراتيجية الوطنية أثرا تراكميا يقدَّر بنحو 11.4 مليار ريال في الناتج المحلي وخلق أكثر من 26 ألف وظيفة جديدة بحلول 2030.
مصر: اختارت الاسترشاد بـ "التجربة الإستونية" تحديدا، بسبب نجاحها في إتاحة إيداع الإقرارات الضريبية إلكترونيا لـ 95% من المواطنين هناك.
الناطق الرسمي الحكومي "رقميا".. التطور الأحدث
هذا الجزء يتطور أمامنا الآن فعليا. الأردن أطلق قبل أيام شخصية "فرح"، وهي أول متحدث رقمي حكومي بالذكاء الاصطناعي في الأردن، حيث تتحدث بلهجة عامية عبر منصات التواصل الاجتماعي وواتساب لتوظيف التكنولوجيا الرقمية في تطوير أدوات التواصل الحكومي وإيصال المعلومات للمواطنين بوضوح وشفافية وبساطة وبلغتين، وتشمل مهامها شرح مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي والقرارات في الصحة والتعليم والبنية التحتية، ونقل قرارات مجلس الوزراء وشرحها.وقد وُصفت حكوميا على لسان الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الاتصال الحكومي محمد المومني بأنها "الأولى من نوعها في المنطقة والعالم".
يأتي ظهور "فرح" في سياق أوسع لدمج الذكاء الاصطناعي بالاتصال الإعلامي العربي، إذ سبقتها تجارب إعلامية "غير حكومية" مثل "نورا" أول مذيعة ذكاء اصطناعي في قطر، التي ظهرت على الجزيرة مباشر في آذار/ مارس لتقديم فقرة حوارية، لكن الفارق الجوهري أن "فرح" ناطقة رسمية بصفة حكومية كاملة، لا مذيعة إعلامية.

الأثر الاقتصادي والاتصالي
اقتصاديا.. يرى البنك الدولي أن اعتماد التقنيات الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمكن أن يحقق منافع اجتماعية واقتصادية بمئات المليارات من الدولارات سنويا، لأن التقنيات الرقمية تخفض تكلفة المعلومات المرتفعة التي تقيّد المعاملات الاقتصادية، فيما وجدت دراسات قياسية عربية "علاقة سببية إيجابية بين نمو الدخل القومي وتطور الحكومة الإلكترونية بمعامل ارتباط بلغ 92.55%".
أما إتصاليا، فيعد تحوّل الاتصال الحكومي من بيانات صحفية تقليدية إلى منظومة "اتصال حكومي ذكي" تُعنى بتحقيق الشفافية وتعزيز مشاركة المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني، باعتبار كفاءة هذا الاتصال مؤشرا معياريا على مدى فاعلية السياسات الحكومية.
الناطق الرقمي بالذكاء الاصطناعي يمثل الخطوة الأحدث في هذا المسار، من خلال توحيد الرسالة الحكومية، سرعة الوصول للجمهور بلغة مبسطة وبلهجة محلية، وتوفير قناة دائمة التوفر 24 ساعة على مدار أيام الأسبوع، بلا تكاليف بشرية متكررة، مقابل "تحديات حقيقية" تتعلق بالثقة والمصداقية والأمن السيبراني، عند تعامل الجمهور مع "شخصية" غير بشرية تتحدث باسم الدولة.
النظرة الاستشرافية.. من "الخدمة عند الطلب" إلى "الخدمة الاستباقية"
النموذج الحالي يقوم على أن المواطن يذهب للتطبيق ليطلب خدمة. الاتجاه القادم هو حكومة تبادر هي: تجدد رخصتك تلقائيا قبل انتهائها، تنبهك لاستحقاق مالي قبل أن تسأل، تدمج بياناتك عبر الجهات فلا تُطلب منك وثيقة أصدرتها جهة أخرى أصلا. أبوظبي بدأت هذا فعلياً بمشروع "GovGPT" لبناء حكومة معززة بالذكاء الاصطناعي تبسّط العمليات اليومية، وهذا مؤشر على أن "الاستباقية" ستصبح ثقافة حكومية لا مجرد شعار، وهذا ما يخطط له القائمون على "تطبيق سند" الحكومي الأردني.
من الناطق الواحد إلى شبكة ناطقين متخصصين
"فرح" اليوم نموذج أولي عام. المتوقع أن يتفرع هذا إلى ناطقين رقميين متخصصين حسب القطاع (صحة، تعليم، ضرائب، طوارئ)، كل منهم مدرّب على بيانات جهته، ومتاح بلغات ولهجات متعددة فورا، وهذا فعليا ما لمّح إليه الأردن بإطلاق نسخة إنجليزية من "فرح" للمؤتمرات الاستثمارية. الأهم: هذه الناطقات ستتحول تدريجياً من أداة إعلان تلقي بيانات للجمهور، إلى أداة تفاعلية ثنائية الاتجاه ترد على استفسارات الأفراد فرديا وبشكل شخصي.
اتصال حكومي كأداة "دفاع" لا فقط "تبليغ"
نقطة مهمة برزت في نقاشات إماراتية حول مستقبل الاتصال الحكومي: مع "عولمة الاتصال" وانتشار المعلومات المضللة، الاتصال الحكومي الذكي لن يكون فقط لتبسيط القرارات، بل "درعا" استباقيا لمواجهة تآكل الثقة الناتج عن تدفق المعلومات على منصات التواصل. يعني هذا أن الناطق الرقمي سيُستخدم أيضا للرد السريع على الشائعات والتصحيح الفوري، بسرعة تتجاوز قدرة الناطق البشري التقليدي.
التحدي الذي سيبقى قائما
كل هذا التقدم في المؤشرات التقنية لا يحل معضلة الثقة بالضرورة. حين يتحدث "روبوت" باسم الدولة في أزمة حساسة أو قرار مثير للجدل، سؤال المصداقية سيظل مطروحا: هل يقبل الجمهور اعتذارا أو تفسيرا من كيان غير بشري بنفس الثقل الذي يقبله من مسؤول حقيقي؟ الحكومات الأذكى على الأرجح ستبقى الناطق الرقمي للمعلومات الروتينية والتفسيرية، وتحتفظ بالمسؤول البشري للحظات الحرجة سياسيا.. أي نموذج هجين، لا استبدال كامل.
باختصار: الاتجاه العام هو من "حكومة تخدمك حين تطلب" إلى "حكومة تتوقعك وتحاورك وتدافع عن روايتها بلغتك"، مع بقاء الإنسان كخط أخير للثقة في اللحظات الحرجة.

