من ضفاف بردى إلى مدينة المعارض.. رحلة 73 عاما
معرض دمشق الدولي يتحول من كرنفال فني عالمي إلى بوابة سياسية لكسر العزلة عن سوريا الجديدة
ملخص :
بين ضفاف نهر بردى حيث أُقيمت أولى دوراته، وأرض "مدينة المعارض" الحديثة على طريق المطار، يختصر معرض دمشق الدولي في مسيرته تاريخ سوريا السياسي والاقتصادي والثقافي منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم.
تعود جذور الفكرة إلى عشرينيات القرن الماضي، حين أقيمت في دمشق معارض محلية متفرقة للمنتجات الزراعية والصناعية. لكن النقلة الجدية جاءت مع الرئيس محمد علي العابد، رجل الأعمال الذي شغل أول رئاسة للجمهورية السورية، والذي افتتح شخصيا معرضا سنويا عام 1936 على ضفاف بردى، قبل أن تتعثر الفكرة دوريا.
التأسيس الرسمي للمعرض بمسماه الحالي جاء عبر مرسوم تشريعي أصدره الرئيس أديب الشيشكلي عام 1952، إلا أن الانقلابات العسكرية المتلاحقة في تلك الحقبة السورية، حالت دون افتتاحه في عهده، فانطلقت الدورة الأولى فعليا عام 1954.
عصر ذهبي بين الفن والسياسة
شكّلت خمسينيات وستينيات القرن الماضي العصر الذهبي للمعرض، حين تحول إلى كرنفال فني سنوي يستقطب كبار نجوم الطرب العربي، من عبد الوهاب وفريد الأطرش إلى وردة وصباح فخري. وفي مفارقة تعكس انفتاح تلك المرحلة، جمع مهرجان المعرض عام 1957 بين الأوركسترا السيمفونية الأميركية والفرقة الفنية السوفياتية على المسرح نفسه، في مشهد لم يكن ليتكرر بعد الانقلابات السياسية اللاحقة.
كما شهد المعرض عام 1954 حدثا تقنيا لافتا، إذ عُرضت فيه تقنية "السينراما" السينمائية الجديدة لأول مرة خارج الولايات المتحدة، واستقطب الحدث حشودا بلغت 100 ألف مشاهد.
من التأميم إلى الحرب
مع وصول حزب البعث إلى السلطة، بدأت ملامح المعرض التجارية الحرة تتراجع تدريجيا، خصوصا مع موجة تأميم الشركات المحلية التي انطلقت عام 1970. وتحول المعرض أكثر إلى أداة تُستخدمها الدولة لإظهار صورة معينة عن الاقتصاد الوطني.
نقطة تحول جغرافية بارزة حدثت عام 2003، حين انتقل المعرض من موقعه التاريخي في قلب دمشق إلى أرض "مدينة المعارض" الحالية، على مساحة تتجاوز مليون متر مربع، فقد بذلك جزءا من ارتباطه الرمزي بالمدينة القديمة.
الحرب أو الأحداث السورية كانت الفصل الأكثر قسوة في تاريخ المعرض، إذ توقف بالكامل بين عامي 2011 و2016. وحين عاد جزئيا عام 2017 مع استقرار نسبي في محيط دمشق، لم يمهله الاستقرار طويلا، فجاءت جائحة كورونا ثم ظروف دولية أخرى لتؤجل دورته 62 مرتين متتاليتين.
في هذه الأثناء، أُعيد افتتاح المعرض عام 2018 بمشاركة 48 دولة، بالتزامن مع قطع جول علاقاتها مع دمشق أو فرضها عقوبات، كفرنسا وبريطانيا، اللتين شاركتا عبر وكلاء تجاريين بدل التمثيل الرسمي، في هذا التكنيك خفف المعرض من عزلة النظام السابق دون أن ينهيها فعليا.
سوريا الجديدة تستقبل العالم
بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، حملت الدورة 62 من المعرض عام 2025 رمزية استثنائية، إذ افتُتحت بحضور الرئيس أحمد الشرع تحت شعار "سوريا تستقبل الجميع"، بمشاركة 22 دولة وأكثر من 800 شركة. وترافق الحدث مع إشارات اقتصادية ملموسة، أبرزها تخفيف واشنطن قيود التراخيص على بعض الصادرات المدنية إلى سوريا، ونجاح أول تحويل مالي عبر نظام "سويفت" من ألمانيا إلى دمشق بعد سنوات من الانقطاع.
ولم تخل الدورة من لحظات إنسانية مؤثرة، حين تأثرت فنانات سوريات حتى البكاء أمام جناح يوثق تجربة سجن صيدنايا سيئ الصيت.
أما الدورة 63، المقامة بين 26 آب و4 أيلول 2026، فجاءت بزخم أوسع، بمشاركة نحو ألف جهة من 60 دولة، وتضمنت طاولة وزارية اقتصادية دولية تمهد لإطلاق منتدى دمشق الاقتصادي الكبير العام المقبل.
بين هذه المحطات، يبقى معرض دمشق الدولي أكثر من مجرد سوق تجارية موسمية. فهو مرآة عكست منذ 1954 كل تحول سياسي واقتصادي وثقافي مرت به سوريا، وما زالت تعكسه حتى اليوم.

