ثقافة العيب لم تعد حاضرة في قاموس الشباب الأردني!!
ثقافة العيب.. هل تغيّر الشباب أم تغيّر سوق العمل؟
ملخص :
لم تعد عبارة «ثقافة العيب» تفسيرا كافيا لعزوف الأردنيين عن بعض المهن، في وقت تظهر فيه مؤشرات سوق العمل أن الشباب باتوا أكثر واقعية في اختيار وظائفهم، وأن السؤال لم يعد فقط: «ما المهنة التي أريدها؟»، بل: «كم سأحصل منها؟ وأين يمكن أن أصل بعد خمس سنوات؟»
مدير عام مؤسسة التدريب المهني رأفت الصوافين قال في تصريح لقناة المملكة في 7 أيلول 2026، إن «ثقافة العيب» لم تعد حاضرة كما كانت في قاموس الشباب الأردني، مشيرا إلى أن الظروف الاقتصادية وصعوبة الحصول على وظائف مكتبية دفعت الشباب وأولياء الأمور إلى مزيد من الواقعية في اختيار المهن.
وأضاف الصوافين لـ«المملكة» أن صورة المهنة تغيرت جذريا لدى الشباب، ولم تعد مرتبطة بالأعمال اليدوية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والمهارات الخضراء واحتياجات أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية.
وقال إن الأردن يعيش حاليا «عصر المهارات وليس عصر الشهادات»، ما أسهم في زيادة الإقبال على التعليم والتدريب المهني والتقني، موضحا أن الشباب أصبحوا يسألون عن الراتب والدخل ووجود مسار وظيفي واضح قبل اختيار المهنة.
هذه الرؤية تضع مصطلح «ثقافة العيب» أمام اختبار مختلف؛ فالمشكلة، وفقا لهذا المنظور، لم تعد في طبيعة المهنة وحدها، وإنما في قيمة الوظيفة التي تقدم للشاب مقابلها.
من «عيب المهنة» إلى اقتصاديات الوظيفة
لسنوات طويلة، استُخدمت «ثقافة العيب» لتفسير إحجام الأردنيين عن العمل في قطاعات مثل الزراعة والإنشاءات والمطاعم والصناعة والخدمات وبعض المهن الحرفية.
لكن هذا التفسير يصبح أقل إقناعا عندما يكون العامل الأردني مستعدا للعمل في المهنة نفسها بمجرد تغير شروطها.
فإذا كانت الوظيفة توفر راتبا مجزيا، وضمانا اجتماعيا، واستقرارا وظيفيا، وبيئة عمل مناسبة، ومواصلات أو بدل نقل، ومسارا للترقي - وهو ما يُسمى لدى المجتمع المدني بظروف العمل اللائق - فإن السؤال يصبح أقل ارتباطا بمكانة المهنة الاجتماعية وأكثر ارتباطا بالعائد الاقتصادي والاجتماعي للعمل.
وهنا تكمن أهمية تصريح الصوافين بأن وجود عمالة وافدة في بعض المهن لا يعني بالضرورة رفض الأردنيين لها بسبب «ثقافة العيب»، موضحا أن غياب المسار الوظيفي الواضح كان أحد أسباب عزوفهم عنها.
وقال: «الشاب الأردني إذا حصل على فرصة عمل براتب مجز ومسار وظيفي واضح، يضع ثقافة العيب جانبا وينسى هذه الثقافة».
هذه العبارة تنقل النقاش من مسؤولية العامل وحده إلى تصميم الوظيفة نفسها.
البطالة عند 18% .. والسؤال الذي لا تجيب عنه «ثقافة العيب»
تأتي هذه المناقشة في ظل تسجيل معدل البطالة بين الأردنيين من الذكور والإناث خلال الربع الثاني من عام 2026 للفئة العمرية 24 سنة فأكثر 18.0%، ومعدل البطالة لغير الأردنيين للفئة العمرية 24 سنة فأكثر 5.8%، وفقا لبيانات دائرة الإحصاءات العامة الصادرة مطلع أيلول.
ويطرح الرقم سؤالا أساسيا: إذا كانت «ثقافة العيب» قد تراجعت فعلا، فلماذا ما تزال البطالة بين الأردنيين عند هذه المستويات؟
لا يمكن تفسير هذه النسبة بأن واحدا من كل خمسة أردنيين عاطل عن العمل يرفض المهن اليدوية أو المهنية بسبب نظرة اجتماعية لها.
فالبطالة في هذه الحالة تبدو أقرب إلى مشكلة "هيكلية في سوق العمل"، تتداخل فيها عوامل عديدة: قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة، ومواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات السوق، ومستويات الأجور، وتوزيع فرص العمل جغرافيا، وتكاليف النقل، وظروف العمل، والعمالة الوافدة، فضلا عن طبيعة الاستثمارات التي يستقطبها الاقتصاد الأردني.
الوظيفة موجودة.. لكن هل هي قابلة للحياة؟
هنا يصبح التمييز ضروريا بين «وجود فرصة عمل» و«وجود فرصة عمل مجدية».
فوظيفة براتب منخفض أو رما لا تتجاوز الحد الأدنى للأجور (290) ديناراً، أو وظيفة في موقع بعيد، وساعات عمل طويلة، ودون مسار واضح للترقي، قد تكون متاحة قانونيا، لكنها لا تعني بالضرورة أنها خيار اقتصادي جذاب للشاب الأردني.
وبالتالي فإن رفض الوظيفة لا يمكن تصنيفه تلقائيا باعتباره «استنكافا عن العمل».
السؤال الذي ينبغي أن تطرحه سياسات التشغيل هو: ما شروط الوظائف التي يرفضها الأردنيون؟ هل سبب الرفض طبيعة المهنة فعلا؟ أم الراتب؟ أم ساعات العمل؟ أم المسافة؟ أم كلفة المواصلات؟ أم عدم الاستقرار؟ أم غياب الضمان والحماية الاجتماعية؟ أم عدم وجود فرصة للترقي وتحسين الدخل؟
هذه الأسئلة أكثر دقة من إطلاق حكم عام على جيل كامل بأنه يعاني من «ثقافة العيب».

