حرب إيران ترفع كلفة الملابس.. ضغوط الأسعار تنتقل إلى المتاجر
لماذا سيكون قميصك القادم أغلى.. وماذا يعني ذلك لك؟
ملخص :
في مصنع "بلومي فاشنز" قرب دكا، تقف إحدى قاعات الإنتاج صامتة منذ ثلاثة أشهر. لم يتعطل خط الإنتاج بسبب عطل فني، بل لأن أحد المشترين الكبار قرر تجميد طلبات البوليستر، على أمل أن تهدأ الأسعار قريبا. لكن الأسعار لا تهدأ، والسبب يبدأ من مكان بعيد تماما عن مصانع النسيج، إنها الحرب الأمريكية على إيران.
كيف وصلت الحرب إلى خزانة ملابسك؟
الخيط الذي يصنع منه أكثر قمصانك ليس قطنا خالصا في الغالب، بل بوليستر مشتق من النفط. فحين ترتفع أسعار الخام، يرتفع معها أحد أهم عنصرين في صناعة الملابس العالمية. وقد كشفت تقارير متابعة للأزمة أن اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط وإغلاق وفتح مضيق هرمز، دفعا تكلفة مواد أساسية في صناعة الخيوط الصناعية، مثل حمض التيرفثاليك المنقّى وأحادي إيثيلين الغليكول، إلى الارتفاع الحاد.
والنتيجة أن أسعار خيوط البوليستر في بعض المصانع الآسيوية قفزت بما يصل إلى 25-30% خلال أسابيع فقط من اندلاع الحرب، بينما اضطرت بعض المنشآت في آسيا إلى خفض إنتاجها اليومي بأكثر من النصف، وتعطيل نصف أنوالها، مع تحذيرات من إغلاقات أوسع إذا طال أمد الأزمة.
القطن لا يقدّم مهربا
في الأحوال الطبيعية، كان بإمكان المصانع الهروب من غلاء البوليستر نحو القطن. لكن هذه المرة، ارتفع القطن أيضا إلى أعلى مستوى له في عامين، مدفوعا بمخاوف من تأثير ظاهرة النينيو على المحاصيل، ونقص الأسمدة، وتزايد إقبال المشترين عليه كبديل عن البوليستر المرتفع الثمن. وهكذا وجدت العلامات التجارية نفسها محاصرة بين خامتين ترتفعان معا في وقت واحد، من دون أي خيار أرخص تلجأ إليه.
من يتحمل الفاتورة أولا؟
المصانع هي الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. فالمواد الخام تشكل نحو 60% من تكلفة إنتاج القميص الأساسي، بينما لا تتجاوز هوامش ربح المصانع عادة 2-3%. ومع ضعف الطلب العالمي، تفضل مصانع مثل بلومي فاشنز امتصاص الكلفة الإضافية بدلا من تمريرها للمشترين، خشية أن تفقد العقد لصالح منافس أرخص. النتيجة تظهر بالأرقام: صادرات الملابس الجاهزة من الهند تراجعت 4.5% في يوليو على أساس سنوي، بينما شبه توقفت صادرات بنغلاديش من الملابس إلى الشرق الأوسط، رغم أنها كانت تقدَّر بنحو 800 مليون دولار سنويا.
متى ستشعر أنت بالفرق؟
هنا يكمن الجزء الذي يهمك مباشرة كمستهلك: العلامات التجارية تتعاقد على بضائعها قبل عام كامل من وصولها إلى الرفوف. هذا يعني أن الغلاء الذي يضرب المصانع اليوم لن يصلك فجأة، بل سيتسلل تدريجيا. تشير التقديرات إلى أنك قد تبدأ بملاحظة الفرق في الخريف الحالي، لكن الأثر الأكبر سيظهر بوضوح في متاجر الملابس خلال ربيع وصيف العام المقبل، حين تصل إلى الرفوف مجموعات صُنعت وسط هذه الأزمة.
أما عن الحجم، فيقدّر خبراء في "ماكنزي" أن أسعار فئات الملابس الأساسية، كالقمصان والتيشيرتات، قد ترتفع في نهاية المطاف بين 10% و20%. وقد بدأت بعض العلامات بالفعل تفصح عن ذلك، إذ أعلنت إنديتكس، مالكة زارا، أن اضطرابات الشرق الأوسط رفعت تكاليف نقلها ومدخلات إنتاجها، متوقعة استمرار الضغط على هوامش أرباحها في النصف الثاني من العام.
خيارات العلامات التجارية.. وخياراتك أنت
أمام هذا الواقع، تملك الشركات الكبرى مرونة أكبر من المصانع: فبإمكانها تغيير الموردين، أو تعديل التصميمات، أو تقليل وزن الأقمشة، أو ببساطة رفع الأسعار كما فعلت شركة "أسكيت" السويدية التي فضّلت الغلاء على خفض الجودة. لكن هذا الخيار الأخير محفوف بالمخاطر أيضا، لأن ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة أصلا يقلّص ما تبقى في جيوب الأسر من أموال مخصصة للملابس.
وبينما تبحث المصانع والعلامات التجارية عن مخارج، يبقى المستهلك، كما يصف أحد مديري المصانع الأمر، صاحب الخيار الأبسط في الأوقات الصعبة: تأجيل شراء القميص الجديد، وارتداء ما هو موجود بالفعل في الخزانة، ريثما تهدأ العاصفة في أسواق النفط والقطن معا.
المصادر: بلومبيرغ، رويترز، وتقارير متابعة لتأثيرات الحرب الأمريكية-الإيرانية على سلاسل توريد صناعة النسيج والملابس.

