من "بالة سوق الجمعة" إلى "أوتليت جوردن".. حين تُعاد تسمية الفقر
البالة تكبر وتتزين.. لكنها لم تعد رخيصة كما كانت
ملخص :
بضاعة واحدة، مصدرها واحد، وطريقة فرزها واحدة. لكن إن وضعتها على طاولة خشبية في زقاق ضيق بمخيم المحطة، أو مخيم الزرقاء، فهي "بالة". وإن علّقتها على شماعات أنيقة تحت إضاءة صفراء دافئة في محل بواجهة زجاجية بمنطقة شمال أو غرب العاصمة عمّان، فهي فجأة "أوتليت". هذه ليست مبالغة صحفية، بل خلاصة ما جرى لسوق الملابس المستعملة في الأردن خلال العقدين الأخيرين: نفس القميص، سعران مختلفان، وقصة تستحق أن تُروى من بدايتها.
حين كانت "ملابس الموتى"
بدأت تجارة البالة في الأردن عام 1942 خلال الحرب العالمية الثانية، وسط ندرة في الملابس الجاهزة واقتصاد أنهكته الحرب. توسعت فعليا كحركة تجارية منظمة في عمّان منذ منتصف الستينيات، وارتبطت جغرافيا بمنطقتي سقف السيل ومخيم المحطة، وهما منطقتان استقبلتا موجات من اللاجئين والنازحين، وكانت المساعدات الخارجية المقدمة لهم تشمل شحنات ملابس مستعملة تحولت تدريجيا إلى بضاعة تُباع لا تُوزّع.
الرواية الأولى التي رافقت هذه التجارة لم تكن مشجعة على الإطلاق: تحدث الناس عن أنها ملابس جُمعت من جثث الموتى أو قتلى الحرب العالمية الثانية، وتحدث آخرون عن أنها نفايات مستشفيات. خاف الناس منها، وربطوها بانتشار الأمراض. لكن الفقر، كما هو الحال دائما، كان أقوى من الخرافة. مع تزايد أعداد الفقراء في عمّان وثبوت خلو هذه الملابس من أي خطر صحي فعلي، تحول الإحجام إلى إقبال متنام، وبدأت مصادر البضاعة تتنوع من أوروبا الغربية وحدها إلى الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ودول أوروبا الشرقية.
من "بسطة" إلى "براند"
الانعطافة الحقيقية لم تكن في مصدر البضاعة، بل في طريقة تقديمها. فمع دخول ما يوصف بـ"النهج الاستهلاكي" وبروز "ثقافة الاستعراض" في العقود الأخيرة، اكتشف تجار البالة سرا تجاريا بسيطا: المنتج نفسه، إن قُدّم بشكل مختلف، يمكن أن يُباع لجمهور مختلف تماما، وبسعر مختلف تماما.
هكذا ظهر مفهوم "الأوتليت" أو "محلات التصفية العالمية"، وهي في جوهرها التجاري نفس بضاعة البالة، من نفس الحاويات الأوروبية والأميركية، لكنها تُعرض في محلات ذات ديكور يحاكي متاجر المولات الفخمة، بإضاءة مدروسة وترتيب يشبه العرض في المتاجر الجديدة، وأحيانا بأسعار تتجاوز سعر ملابس جديدة تُصنّع محليا. الفارق الوحيد الحقيقي بين "البالة الشعبية" و"الأوتليت" ليس نوع القماش أو حالته، بل الاستثمار في الديكور والموقع والقصة التسويقية: "ماركة عالمية، جودة أوروبية، سعر مناسب لذوقك الرفيع". وقد أصبحت هذه المحلات اليوم مقصدا حتى لبعض الميسورين الباحثين عن ماركات عالمية بأسعار أقل من متاجرها الرسمية، وليس فقط ملاذا للفقراء كما كانت في الأصل.
هنا بالضبط تكمن المفارقة التي تستحق وقفة تحليلية: البالة، التي نشأت كحل طارئ للفقراء الهاربين من غلاء الملابس الجديدة، أنتجت داخلها طبقية موازية. فصار هناك "بالة الفقراء" في الأسواق الشعبية المفتوحة، و"بالة الأغنياء" التي يُحرَّم على محدودي الدخل دخولها فعليا بسبب الأسعار، رغم أن مصدر البضاعة واحد والفارق الحقيقي هو الديكور والموقع أو ربما أصناف البالة الممتازة والجيدة والمقبولة.
لماذا يرتفع سعرها الآن؟
المفارقة الأحدث أن هذا القطاع، الذي وُلد أصلا كملاذ من الغلاء، لم يعد بمنأى عنه. فالبالة الواردة إلى الأردن من أوروبا والهند والصين تصل عبر الشحن البحري بشكل أساسي، والشحن البحري يمر حاليا بواحدة من أصعب مراحله منذ سنوات. فقد أظهرت تجارب سابقة كيف يمكن لأجور شحن الحاوية الواحدة من الصين إلى ميناء العقبة أن تقفز من نحو 2000 دولار إلى ما يقارب 10 آلاف دولار خلال أشهر قليلة فقط، إثر أزمات إقليمية مشابهة. - حتى مع الدعم الحكومي للشحن البحري والجمارك فقد رفع التجار أسعار العديد من السلع - واليوم، ومع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية-الإيرانية وتداعياتها على الملاحة الإقليمية، يحذر مسؤولون في قطاع النقل الأردني من ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب وأجور الشحن على بعض الخطوط، رغم أن ميناء العقبة يبرز حاليا كمسار بديل نسبيا أكثر مرونة مقارنة بمسارات أخرى في المنطقة.
وبما أن الرسوم الجمركية في الأردن تُحتسب على أساس قيمة البضاعة مضافا إليها أجور الشحن والتأمين، فإن أي ارتفاع في كلفة النقل ينعكس تلقائيا على السعر النهائي، سواء كانت الحاوية محمّلة بملابس جديدة أو "بالة". والفارق أن هامش الربح في تجارة البالة، شأنها شأن باقي قطاعات الألبسة، لا يسمح غالبا بامتصاص هذه الزيادات دون تمريرها إلى الزبون، خصوصا في قطاع تُواجه منافسته السعرية أصلا صعوبة.
خلاصة لا تخلو من مرارة
ما يحدث اليوم في سوق البالة الأردني هو تكرار مصغر لما يحدث في صناعة الملابس الجديدة عالميا: أزمة جيوسياسية بعيدة تتسلل عبر سلاسل الشحن والتأمين لتضرب أرخص خيار متاح للمستهلك. فإذا كانت "البالة الشعبية" قد نجت من الغلاء لعقود بفضل هامشها الضيق وبساطتها، فإن جزءا كبيرا من هذا الهامش تبخّر فعليا في "الأوتليت"، حيث تحوّل الديكور والتسويق ما كان يُفترض أن يبقى ملاذا رخيصا إلى منتج شبه فاخر. وبسبب ارتفاع تكاليف التشغيل لهذه المتاجر تصبح النتيجة أن الطبقات التي لجأت تاريخيا إلى البالة هروبا من الغلاء، قد تجد نفسها اليوم تُطارَد بالغلاء نفسه.
يمكنك الآن أن تفهم كيف كان محل أحذية مستعملة يبيعك 3 قطع بعشرة دنانير ثم بدأ يبيعك القطعة بـ 15 دينارا؟

