التكامل الاقتصادي الثلاثي: الأردن ولبنان وسوريا يعيدون رسم خريطة التبادل التجاري في المشرق العربي
هل يصبح المشرق العربي "طريق الغذاء البديل" بعدما اهتزت طرق الملاحة الدولية؟
ملخص :
دعوة رئيس غرفتي تجارة الأردن وعمّان، خليل الحاج توفيق، لبناء تكامل غذائي بين الأردن ولبنان وسوريا لا تأتي من فراغ، بل تستند إلى أرقام تبادل تجاري متسارعة النمو بين الأطراف الثلاثة خلال عام 2026، في وقت تشهد فيه ممرات الملاحة البحرية الإقليمية اضطرابات متتالية تجعل من التكامل البري بين هذه الدول خياراً استراتيجياً لا مجرد فرصة اقتصادية عابرة.
الأردن ولبنان: علاقة تصديرية متنامية
بحسب ما ورد في لقاء الحاج توفيق مع وزير الزراعة اللبناني نزار هاني، بلغت صادرات المملكة إلى لبنان نحو 54 مليون دينار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل مستوردات بقيمة 34 مليون دينار، لتحقق المملكة فائضاً تجارياً واضحاً في هذه العلاقة. وتتركز الصادرات الأردنية أساساً في الأدوية والمنتجات النباتية وفي مقدمتها التمور، إضافة إلى الألمنيوم ومصنوعاته ومنتجات الصناعات الغذائية.
أما على صعيد الاستثمار، فيبلغ عدد الشركاء اللبنانيين المسجلين لدى غرفة تجارة عمّان 229 شريكاً، بحصص مسجلة تناهز 56 مليون دينار موزعة على قطاعات الخدمات والاستشارات والإنشاءات والقطاع المصرفي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والصحة. ويعكس تركز غالبية شهادات المنشأ الصادرة هذا العام لصادرات الخضار والفواكه والبذور الزراعية والتمور إلى لبنان (510 شهادة من أصل 646) الطابع الزراعي الغالب على هذه العلاقة، وهو ما يفسر الدعوة لإقامة "رزنامة زراعية أردنية-لبنانية مشتركة" تنظم مواسم الإنتاج وتتجنب تداخلها.
الأردن وسوريا: طفرة غير مسبوقة بعد التحول السياسي
الأرقام الأكثر لفتاً للانتباه تأتي من الجانب السوري. فبعد سقوط النظام السابق في دمشق أواخر 2025، دخلت التجارة بين البلدين مرحلة جديدة تماماً. بلغت قيمة الصادرات الأردنية إلى السوق السورية 101 مليون دينار أردني (نحو 142.4 مليون دولار) خلال الثلث الأول من عام 2026، بارتفاع 38.4% مقارنة بـ73 مليون دينار في الفترة ذاتها من 2025. وفي المقابل، تراجعت واردات الأردن من سوريا إلى 12 مليون دينار فقط، بانخفاض 42.9% مقارنة بالعام السابق، ما يعكس اختلالاً واضحاً لصالح الصادرات الأردنية في هذه المرحلة الانتقالية.
وتتركز الصادرات الأردنية إلى سوريا في الصناعات الإنشائية ومواد البناء، بما يشمل الإسمنت والحديد والرخام والبلاط والدهانات والأنابيب، بالإضافة إلى المعدات الكهربائية والصناعات الغذائية والزراعية والمنتجات الكيماوية — وهو نمط طبيعي لاقتصاد يعيد بناء بنيته التحتية بعد سنوات الحرب. وبلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين 334 مليون دينار خلال عام 2025 ككل، فيما تشير المؤشرات المبكرة لعام 2026 إلى تجاوز هذا الرقم بوضوح. ويعكس هذا الزخم أيضاً حركة المعابر الحدودية، حيث عبر معبر نصيب 50,272 شاحنة منذ بداية العام وحتى نهاية أيار، بينها نحو 32 ألف شاحنة مغادرة من الأردن باتجاه سوريا.
أهمية التكامل في زمن اضطراب هرمز وباب المندب
يكتسب مشروع التكامل الغذائي والاقتصادي الثلاثي أهمية إضافية إذا وُضع في سياق ما تشهده ممرات الملاحة الإقليمية من توترات. فمنذ اندلاع الحرب حول مضيق هرمز، الذي يستحوذ عالمياً على حصة كبيرة من تجارة الحاويات وتدفقات النفط البحرية، أصبحت الدول التي تملك موانئ بديلة وطرقاً برية مفتوحة على المشرق العربي في موقع استراتيجي جديد. وتُظهر بيانات نقابة الملاحة في الأردن أن حاويات الترانزيت عبر ميناء العقبة ارتفعت بنسبة 160.7% خلال أول سبعة أشهر من 2026 لتسجل 80.2 ألف حاوية، مع ارتفاع قياسي في الحاويات المتجهة إلى العراق، فيما يرى محللون أن الأردن وسوريا وعُمان والعراق تبرز كدول لديها فرصة حقيقية لجذب الاستثمارات وتحقيق تنمية اقتصادية من وراء تطوير مسارات بديلة لمضيق هرمز.
هذا التحول يمنح فكرة "التكامل الغذائي والتجاري" بين الأردن ولبنان وسوريا بعداً يتجاوز المصلحة التجارية المباشرة، ليصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لبناء أمن اقتصادي إقليمي أقل اعتماداً على الممرات البحرية المهددة. فحين تتعطل أو تتقلص حركة الملاحة عبر هرمز أو باب المندب، تصبح الشبكة البرية الرابطة بين عمّان وبيروت ودمشق - المدعومة بمعابر حدودية نشطة وموانئ إقليمية كالعقبة - خط إمداد بديل يحمي الأسواق الثلاثة من صدمات الأسعار وانقطاع السلع، خصوصاً في قطاع الغذاء الذي يمس الأمن المعيشي المباشر للمواطنين. كما أن قيام تكتل إقليمي متماسك من دول الجوار يمنح كل طرف أوراق تفاوض أقوى أمام تقلبات الاقتصاد العالمي، ويحوّل حالة عدم اليقين الجيوسياسي إلى حافز لتسريع مشاريع التكامل بدل تأجيلها.
من هذا المنطلق، تبدو الدعوة لعقد لقاء اقتصادي أردني-لبناني متخصص، والمشاركة في معرض "Agri Lebanon 2026" المقرر في بيروت أواخر تشرين الثاني المقبل، خطوة تتقاطع مع مسار مواز تسير فيه العلاقة الأردنية-السورية بوتيرة أسرع، ما يفتح الباب أمام تصور ثلاثي متكامل: أردن يوفر الخبرة الزراعية والصناعية والبوابة اللوجستية عبر العقبة، وسوريا في طور إعادة الإعمار وتوسيع الإنتاج، ولبنان بخبرته الزراعية التصنيعية وبوابته على أسواق تصديرية إضافية.

