مفارقة السوق العقاري الأردني: بناء يزداد وإيجارات ترتفع.. أين تكمن المشكلة؟
من يبني؟ ومن يبيع؟ سؤال يغيب عن الأرقام
ملخص :
كل شهر تقريبًا، تصدر دائرة الإحصاءات العامة ودائرة الأراضي والمساحة أرقامًا تبدو، للوهلة الأولى، مطمئنة: مساحات مرخصة تتزايد، مبيعات شقق ترتفع، نشاط إنشائي متصاعد. وفي الوقت نفسه، لا يكاد يمر أسبوع دون أن يخرج تصريح رسمي أو شكوى مواطن حول ارتفاع الإيجارات وصعوبة إيجاد سكن مناسب بسعر معقول. هذا التناقض الظاهري بين "وفرة" الأرقام و"ندرة" الشقق المتاحة فعليًا هو ما يستحق التوقف عنده.
العرض الرسمي لا يساوي العرض الفعلي
الزيادة في المساحات المرخصة بنسبة 4.7% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، وارتفاع عدد الرخص بنسبة 1.7%، تبدو مؤشرات إيجابية على السطح. لكن التراخيص ليست شققًا جاهزة للسكن؛ فبين لحظة إصدار الرخصة ولحظة تسليم المفتاح تفصل أشهر، وأحيانًا سنوات. والأهم من ذلك أن نحو 41.6% من مساحات الأبنية المرخصة خلال هذه الفترة تعود لمبانٍ قائمة أصلًا يجري تقنين أوضاعها أو إضافة أجزاء إليها، وليست مبانٍ جديدة تضاف فعليًا إلى رصيد السكن المتاح. بعبارة أخرى: جزء كبير مما يُحتسب "زيادة في العرض" هو في حقيقته تسوية أوراق لا ضخ حقيقي في السوق.
تركز جغرافي يُبقي الضغط حيث الطلب الأعلى
النقطة الأكثر دلالة هي أن إقليم الوسط استحوذ على 73% من إجمالي المساحات المرخصة في المملكة، بينما اقتصرت حصة إقليم الجنوب على 6% فقط. هذا التركز يعني أن الزيادة في البناء تتجه أساسًا إلى المناطق التي يشتد فيها الطلب أصلًا، خصوصًا عمّان، بدل أن توزَّع بشكل يخفف الضغط عن العاصمة. وهنا يلتقي هذا المعطى مع ما أشار إليه نقيب أصحاب المكاتب والشركات العقارية عواد الرحامنة، في تصريحات إذاعية "من أن انتقال أعداد كبيرة من المواطنين من المحافظات إلى عمّان بحثًا عن فرص العمل يرفع الطلب على الشقق المستأجرة تحديدًا في المدينة التي تستقطب أصلًا حصة الأسد من الرخص الجديدة"... النتيجة: عرض جديد يتركز في المكان نفسه الذي يتركز فيه الطلب، فلا يتحقق التوازن المنشود.
من يبني؟ ومن يبيع؟ سؤال يغيب عن الأرقام
ارتفاع مبيعات الشقق متوسطة المساحة (120-150 م2) بنسبة 6%، والشقق الأكبر من 150 م2 بنسبة 8%، يشير إلى نشاط شرائي حقيقي، لكنه لا يخبرنا شيئًا عن طبيعة المشترين. فالإقبال على الشقق الأكبر مساحة قد يعكس – جزئيًا على الأقل – نشاطًا استثماريًا أو شرائيًا من فئات أعلى دخلًا، لا بالضرورة استجابة لحاجة سكنية أساسية لدى الأسر الباحثة عن إيجار ميسور. وهذا يتقاطع مع ما ذكره الرحامنة عن "خروج عدد من المستثمرين من قطاع التأجير تحديدًا، بسبب التكاليف والرسوم المترتبة على الملاك". فإذا كان من يشتري يتجه نحو البيع أو الاستخدام الشخصي بدل الطرح للإيجار، فإن زيادة المبيعات لا تعني بالضرورة زيادة في مخزون الشقق المعروضة للاستئجار، بل قد تعني العكس تمامًا.
سوق إيجار يفتقر إلى الحماية بقدر ما يفتقر إلى العرض
المشكلة إذن ليست في الأرقام الكلية فحسب، بل في بنية السوق نفسها. تصريحات نقيب أصحاب المكاتب العقارية تكشف واقعًا مقلقًا: "مكاتب غير مرخصة تعمل دون رقيب، ومبالغ تُطلب أحيانًا لمجرد معاينة شقة قبل إتمام أي صفقة، وعقود إيجار كثيرة تفتقر إلى وضوح في شروط أساسية كعدد الساكنين أو الالتزامات المالية. إحالة النقابة أكثر من 60 شخصًا إلى المدعي العام والحكام الإداريين على خلفية شكاوى تخص مكاتب عقارية"، كل ذلك يعطي مؤشرا على حجم الفوضى التنظيمية التي تضاف كعبء إضافي على مستأجر يعاني أصلًا من ندرة الخيارات وارتفاع الأسعار. وحين يقترن نقص العرض الفعلي بضعف الحماية التعاقدية وغياب الرقابة الصارمة، يصبح المستأجر هو الطرف الأضعف في المعادلة، مضطرًا لقبول شروط غير متوازنة لأنه لا يملك بدائل كافية.
ماذا يعني هذا كله؟
الخلاصة أن الأرقام الرسمية والشكوى الشعبية ليستا متناقضتين كما يبدوان؛ إنهما تصفان وجهين لمشكلة واحدة:
- زيادة ظاهرية في العرض لا يقابلها بالضرورة زيادة مكافئة في وحدات سكنية جديدة فعلية، بسبب حصة التقنين الكبيرة من إجمالي التراخيص.
- توزيع جغرافي غير متوازن يُبقي الضغط مركّزًا في العاصمة تحديدًا، حيث الطلب الأعلى أصلًا.
- تحول في وجهة الشقق المُنتجة، من سوق الإيجار إلى البيع أو الاستثمار، ما يقلّص فعليًا معروض الشقق المتاحة للاستئجار حتى لو زادت المبيعات الإجمالية.
- ضعف تنظيمي في سوق الإيجار نفسه يفاقم الأثر على المستأجرين، إذ يضيف تكلفة ومخاطر إضافية فوق أزمة الندرة الأصلية.
مقترح الرحامنة بتوفير قروض ميسرة للموظفين لشراء الشقق قد يخفف الضغط على جانب الإيجار جزئيًا، لكنه لا يعالج جذر المشكلة: تركز العرض الجديد جغرافيًا، وتوجه جزء منه بعيدًا عن سوق التأجير. أي حل جاد لأزمة الإيجارات في الأردن يحتاج إلى ثلاثة مسارات متوازية: تحفيز حقيقي – لا شكلي – لزيادة العرض في المناطق ذات الطلب المرتفع، وتنظيم صارم وشفاف لسوق الوساطة العقارية يحمي المستأجر، وحوافز واضحة تُبقي المستثمرين داخل قطاع التأجير بدل دفعهم نحو البيع أو مغادرة السوق. من دون هذه المسارات مجتمعة، ستستمر الأرقام في الارتفاع دون أن يشعر المستأجر العادي بأي فرق ملموس في جيبه أو في قدرته على إيجاد "سكن لائق".

