هل تنجح حكومة حسّان في تحقيق "وعود معان"؟
قراءة في فجوة الوعد والتنفيذ في معان.. "جنوب الأردن"
ملخص :
الأرقام تكذّب التفاؤل الرسمي. بينما أعلن رئيس الوزراء جعفر حسّان أن نسبة الإنجاز في مشاريع الرؤية التنموية لمعان تجاوزت 81%، تُظهر بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن معان سجّلت في الربع الثاني من 2026 أعلى معدل بطالة بين محافظات المملكة، إذ بلغت 31.6% بين إجمالي السكان، وصعدت بين الأردنيين إلى 33.2%. كما كشفت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي عن نسبة قريبة بلغت 28.9%، بينما أشار تقرير الإحصاءات للربع الأول من العام نفسه إلى 26.6% بين الأردنيين. هذه الفجوة بين خطاب الإنجاز وواقع سوق العمل هي جوهر المشكلة، وتجعل الحكم على "نجاح" الحكومة مرهونا بمعيار واحد: هل تتحول هذه المشاريع إلى وظائف فعلية للسكان المحليين خلال الجدول الزمني المعلن، أم تتكرر دورة الوعد المؤجل؟ وهل مشاريع الرؤية التنموية لمعان انعكست على مؤشرات اقتصادية أخرى غير "البطالة"؟
المشروع الأبرز يحمل سابقة مقلقة. ميناء معان البرّي، الذي وصفه حسّان بأنه "حجر الأساس الضروري"، ليس فكرة جديدة؛ فقد طُرح منذ أكثر من عشرين عاما دون تنفيذ، بسبب تحديات تمويلية وارتفاع كلف الإنشاء وتداعيات الأزمات الإقليمية وجائحة كورونا. أما الآن فالمشروع مرتبط بتنفيذ سكة حديد ميناء العقبة بكلفة نحو 2.3 مليار دولار بالشراكة مع الإمارات، على أن يُستكمل الإغلاق المالي في مطلع 2027 ليبدأ التنفيذ على مدى خمس سنوات. بعبارة أخرى، حتى في أفضل السيناريوهات، لن يبدأ الأثر التشغيلي الحقيقي للمشروع قبل مطلع العقد المقبل، وهذا يتطابق مع تصريح حسّان نفسه بأن الصورة المتكاملة لن تكتمل قبل 2030-2031. أي حكم على "النجاح" اليوم سابق لأوانه من الناحية الزمنية البحتة، لكنه ليس سابقًا لأوانه من ناحية المصداقية، لأن نمط الإعلان المتكرر عن المشروع نفسه دون كسر جدار العقدين الماضيين هو بالضبط ما يغذي الشك الشعبي.
نمط تكرار الزيارات دليل إضافي على المشكلة لا على الحل. أشار حسّان نفسه إلى أن هذه خامس زيارة عمل للحكومة إلى معان خلال العامين الماضيين، وهو تكرار يعكس إدراكًا حكوميًا بأن الزيارات والإعلانات وحدها لا تكفي. فالوعود الاقتصادية لمعان ليست وليدة هذه الحكومة: منطقة معان التنموية أُطلقت أصلاً بإرادة ملكية في التاسع من أيلول 2007، لتشكّل نواة للأنشطة الاقتصادية ضمن حلقات تنموية متكاملة تضع مكافحة الفقر والبطالة على رأس أولوياتها، وتأسست شركة تطوير معان في نيسان 2008 كشراكة ثلاثية بين شركة الجنوب للإعمار ومؤسسة المدن الصناعية وجامعة الحسين بن طلال. أي أن الخطاب عن "بناء اقتصاد معان" و"تحويلها إلى مركز لوجستي" يتكرر منذ نحو عقدين، مع تغيّر الحكومات، دون أن ينعكس ذلك على معدل البطالة الذي بقي الأعلى وطنيًا طوال هذه الفترة.
الفجوة الأعمق: هل تلتقي هذه المشاريع باحتياجات الناس ومخرجات التعليم؟ المشاريع المعلنة – الموانئ، السكك، الفوسفات، الطاقة الشمسية – هي مشاريع رأسمالية كثيفة تحتاج تخصصات هندسية ولوجستية وفنية محددة، بينما يعاني الأردن عمومًا من أعلى معدلات بطالة بين حاملي الشهادات العليا مقارنة بالفئات الأخرى (وفق مؤشرات إقليمية مشابهة)، وهي فجوة تتفاقم في محافظة كمعان حيث جامعة الحسين بن طلال تُخرّج سنويًا أعدادًا من التخصصات الإنسانية والإدارية التي لا تجد لها مكانًا في مشاريع تعدين أو صناعة أو نقل. الحوافز التي أعلنها حسّان – خفض أسعار الأراضي 50% والكهرباء 75% لسنتين، وحوافز لتشغيل العمالة الأردنية – تعالج جانب جذب الاستثمار، لكنها لا تجيب عن سؤال التوافق بين مخرجات التعليم العالي المحلي ونوعية الوظائف المستحدثة، وهو ما لم تتطرق إليه تصريحات الحكومة بالتفصيل.
مؤشرات أخرى تكشف الصورة الكاملة
الاستثمار موجود، لكنه لا يتحول إلى دخل. أبرز مثال ملموس هو محور الطاقة الشمسية في منطقة معان التنموية: بحسب الرئيس التنفيذي لشركة تطوير معان، حقق هذا المحور استثمارات بقيمة 350 مليون دينار، ووفر خلال مرحلة الإنشاء 1500 فرصة عمل مؤقتة، لكنه لا يوفر حاليًا سوى 160 فرصة عمل دائمة للأردنيين. وعلى امتداد كل محاور الشركة منذ انطلاقها عام 2007-2008، لم تتجاوز فرص العمل التي وفرتها 622 فرصة فقط حتى مطلع 2026. هذه الفجوة بين حجم رأس المال المستثمر (مئات الملايين) وعدد الوظائف الدائمة المتحققة (بالمئات فقط) تكشف أن مؤشر "حجم الاستثمار" يتحسن بمعزل شبه تام عن مؤشر "فرص العمل"، لأن هذه المشاريع (طاقة شمسية، تعدين) كثيفة رأس المال لا كثيفة العمالة.
الفقر لم يغادر معان
دراسة حديثة لوزارة التخطيط حول جيوب الفقر في الأردن حددت ثلاثة جيوب فقر داخل محافظة معان: الحسينية والجفر والمريغة، بنسب فقر بلغت على التوالي 47%، 46%، و26%، وهي من أعلى النسب على مستوى المملكة. هذا يعني أن استمرار وجود هذه الجيوب حتى بعد سنوات من إعلان "الرؤية التنموية" وإنجاز أكثر من 80% من مشاريعها يشير إلى أن نوع المشاريع المنفذة (بنية تحتية، مصانع، طاقة) لم يخترق بعد الجيوب الريفية الأشد فقرًا في المحافظة، والتي تحتاج تدخلات مباشرة في الدخل والخدمات لا مشاريع استثمارية كبرى بعيدة عن سكانها.
فجوة الدخل تاريخية وبنيوية
بيانات دائرة الإحصاءات العامة (ضمن دراسة ميدانية لقصبة معان ولواء الحسينية) أظهرت أن متوسط الدخل السنوي للأسرة في معان يبلغ نحو 7514 دينارًا مقابل 8824 دينارًا كمعدل عام للمملكة، ومتوسط دخل الفرد السنوي 1330 دينارًا في معان مقابل 1660 دينارًا على مستوى المملكة، أي أن الفرد في معان يكسب أقل بنحو 330 دينارًا سنويًا من نظيره في بقية المحافظات، رغم أن معدل التضخم المحلي في المحافظة يفوق المعدل العام للمملكة بنحو 1.18%. أي أن سكان معان يدفعون تكلفة معيشة أعلى نسبيًا بدخل أقل، وهذا نمط بنيوي سابق لحكومة حسّان بسنوات طويلة ولا توجد مؤشرات حديثة تؤكد انعكاس المشاريع الأخيرة عليه بشكل مباشر حتى الآن.
البطالة والفقر يتقاطعان مع فجوة التعليم
كما أظهرت بيانات الربع الثاني من 2026، أن البطالة بين حاملي الشهادات العليا في المستوى الوطني من أعلى الفئات تضررًا (16.7%)، وهو نمط ينطبق على معان بصورة أوضح كون جامعة الحسين بن طلال تخرّج أعدادًا كبيرة سنويًا في تخصصات لا تلتقي بالضرورة مع طبيعة الاستثمارات الصناعية واللوجستية القادمة (تعدين، موانئ، سكك حديد)، ما يبقي فجوة بين مخرجات التعليم وفرص التشغيل الفعلية دون أن تعالجها حزمة الحوافز المعلنة حديثًا (خفض أسعار الأراضي والكهرباء).
الخلاصة عبر المؤشرات المتعددة
إذا نظرنا إلى معان عبر عدسة أوسع من البطالة وحدها، تظهر صورة متناقضة: مؤشرا الاستثمار المعلن وعدد المشاريع المنجزة (81%) يتحسنان بشكل ملموس وموثق، بينما مؤشرات الفقر وجيوب الفقر ومتوسط دخل الفرد ما تزال تعكس تأخرًا بنيويًا لم تُحدث فيه المشاريع الكبرى -حتى الآن- تحولًا واضحًا. هذا التباين هو جوهر النقد الذي يمكن توجيهه للرؤية التنموية: أنها تقيس نجاحها بعدد المشاريع المنفذة وحجم الاستثمار المعلن، لا بأثر ذلك على دخل الأسرة الفعلي ومعدلات الفقر في القرى والألوية الأكثر حرمانًا داخل المحافظة نفسها. ولمعرفة ما إذا كانت المرحلة المقبلة (ميناء معان البري والسكة الحديدية، المتوقع اكتمالها بين 2030-2031) ستغيّر هذا النمط، سيكون المعيار الحاسم هو أثرها على هذه الجيوب الريفية تحديدًا، لا على مؤشرات الاستثمار الكلي فقط.

