الجنائية الدولية تحت الضغط الأميركي: مذكرات نتنياهو لا تتراجع وهولندا تستعد لأسوأ الاحتمالات
ملخص :
في لاهاي، تتقاطع اليوم ثلاثة مسارات في مواجهة واحدة: محكمة جنائية دولية تتمسك بمسارها في قضية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، وإدارة أميركية تستعد لتوسيع عقوباتها من مسؤولين في المحكمة إلى المؤسسة نفسها، وهولندا، الدولة المضيفة للمحكمة، تبحث عن وسائل لحماية قدرتها على الاستمرار في العمل إذا تحولت التهديدات الأميركية إلى إجراءات واسعة.
آخر حلقات التصعيد جاءت من داخل مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية. فقد أكدت نزهت شميم خان، نائبة المدعي العام والقائمة بأعمال رئيس مكتب الادعاء، أن المكتب لم يتخذ أي خطوة لسحب طلبات مذكرات الاعتقال أو مذكرات الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو وغالانت، وأن فريق الادعاء يواصل التحقيق في الوضع المتعلق بفلسطين. وقالت خان في مقابلة مع شبكة CNN إن القرارات المتعلقة بمذكرات الاعتقال تُتخذ استناداً إلى القانون والأدلة، رافضة الاتهامات بوجود أجندة أخرى وراء القضية.
وتكتسب تصريحات خان أهمية إضافية في ظل التحولات التي شهدها مكتب الادعاء نفسه. ففي يوليو/تموز الماضي، قررت جمعية الدول الأطراف في نظام روما عزل المدعي العام كريم خان، فيما واصل نائبا المدعي العام، نزهت خان ومامي ماندياي نيانغ، إدارة المكتب. وأكدت المحكمة أن أعمالها واختصاصاتها مستمرة رغم هذه التطورات.
مذكرات لا تزال قائمة
أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال نتنياهو وغالانت في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعد رفضها في اليوم نفسه اعتراضات إسرائيل المتعلقة باختصاص المحكمة. وقالت المحكمة حينها إن لديها أساساً قانونياً لممارسة الاختصاص في الوضع المتعلق بفلسطين.
وتتهم المذكرات الرجلين، وفق ما نشرته المحكمة، بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، وتوجيه هجمات ضد السكان المدنيين، والقتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية أخرى. وهذه اتهامات وقرارات قضائية في مرحلة الإجراءات السابقة للمحاكمة، وليست أحكام إدانة نهائية.
كما أن المسألة القانونية المتعلقة بإلغاء المذكرات ليست قراراً بسيطاً يستطيع مكتب الادعاء اتخاذه منفرداً. وتنص المادة 58(4) من نظام روما على أن مذكرة الاعتقال تظل نافذة إلى أن تقرر المحكمة خلاف ذلك. وفي ملف سابق أمام المحكمة، دفع الادعاء بعدم وجود أساس لسحب مذكرات نتنياهو وغالانت، مشيراً إلى استمرار الأسس القانونية والواقعية التي استندت إليها.
من معاقبة الأفراد إلى الضغط على المؤسسة
في واشنطن، يبدو أن المواجهة تدخل مرحلة مختلفة.
فقد أظهر أمر تنفيذي وقعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 6 فبراير/شباط 2025 أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل نظام عقوبات مرتبطاً بالمحكمة الجنائية الدولية. واتهم الأمر المحكمة باتخاذ إجراءات وصفها بأنها «غير مشروعة» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وربط العقوبات تحديداً بإصدار مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت.
لكن الإجراءات التي يجري بحثها حالياً تتجاوز استهداف أفراد المحكمة. ووفق تقرير وول ستريت جورنال نقلته رويترز، تدرس إدارة ترامب عقوبات تستهدف المحكمة كمؤسسة، مع قيود يمكن أن تحظر معظم المعاملات معها بعد فترة سماح تتراوح بين ستة وسبعة أشهر، بما قد يحد من قدرتها على إجراء معاملات بالدولار والوصول إلى أجزاء واسعة من النظام المالي العالمي. وأشارت رويترز إلى أن التفاصيل لم تكن قد تأكدت بشكل مستقل من جميع جوانبها وقت نشر التقرير.
وتقول واشنطن إن تحركها مرتبط، من بين أمور أخرى، باعتراضها على اختصاص المحكمة في قضايا تتعلق بمسؤولين أميركيين وإسرائيليين. في المقابل، ترى المحكمة أن عملها يستند إلى نظام روما والاختصاصات التي أقرتها الدول الأطراف.
هولندا تستعد
وفي لاهاي، لا تتعامل الحكومة الهولندية مع التهديد باعتباره خلافاً دبلوماسياً مجرداً.
ونقلت أسوشيتد برس عن مسؤولين دبلوماسيين وحكوميين مطلعين أن الولايات المتحدة أبلغت هولندا بأنها تستعد لفرض عقوبات واسعة على المحكمة، فيما تدرس أمستردام خيارات لتقليل آثارها، بما في ذلك ضمان استمرار دفع رواتب موظفي المحكمة، وتمويل حماية الشهود، وعدم تعطل الإجراءات الأمنية في مركز الاحتجاز التابع لها.
وتبحث المحكمة أيضاً عن بدائل لبعض الخدمات والبنية التحتية التي يمكن أن تتأثر بالعقوبات، بينما تجري دول أوروبية اتصالات بشأن كيفية حماية قدرة المحكمة على العمل. وتشير التقارير إلى أن الخيارات الأوروبية ليست بلا حدود، خصوصاً إذا استهدفت العقوبات التعاملات المالية المرتبطة بالمؤسسة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الأزمة: القضية التي بدأت بمذكرة اعتقال أصبحت الآن اختباراً أوسع لقدرة مؤسسة قضائية دولية على العمل في مواجهة قوة اقتصادية وسياسية كبرى.
وبينما تؤكد إدارة المحكمة أن التحقيقات مستمرة، وتؤكد واشنطن أنها تتحرك دفاعاً عن مصالحها وسيادتها، تقف هولندا أمام سؤال عملي أكثر إلحاحاً: كيف تضمن استمرار مؤسسة مقرها أراضيها في دفع رواتب موظفيها، حماية شهودها وتشغيل بنيتها القضائية إذا أصبحت تعاملاتها المالية نفسها هدفاً للعقوبات؟
حتى مساء 21 سبتمبر/أيلول، تبقى الحقيقة المؤكدة أن مذكرات اعتقال نتنياهو وغالانت لم تُسحب، وأن مكتب الادعاء يقول إنه يواصل التحقيق. أما مدى اتساع العقوبات الأميركية وتوقيت دخولها حيز التنفيذ، وما إذا كانت ستتحول إلى أزمة تشغيلية حقيقية للمحكمة، فما يزال مرتبطاً بالقرارات التي ستصدرها واشنطن في الأيام المقبلة.

