قراءة تحليلية: خطابات القادة العرب والمسلمين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة
Warning: Undefined variable $RSwriter in /home/satrmedia/public_html/post.php on line 89
ملخص :
في يوم واحد من أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، صعدت إلى منصة الأمم المتحدة ثلاثة أصوات من العالمين العربي والإسلامي: العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وبقراءة الخطابات الثلاثة جنباً إلى جنب، تبرز نقاط تقاطع واضحة، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن خطاب عربي-إسلامي متعدد النبرات أكثر منه موقفاً موحداً.
أين تلتقي الخطابات؟
بداية، لم يخلُ أي من الخطابات الثلاثة من التطرق لغزة والاحتلال، وإن بدرجات ولغات متفاوتة. الملك عبدالله ركّز على البعد القانوني والأخلاقي، محذراً من أن تجاهل انتهاكات القانون الدولي لعقود يفرغه من قيمته، ومصفاً ما يجري في الضفة الغربية بأنه سياسة ممنهجة للتهجير القسري يرقى إلى جريمة حرب. أردوغان، من جهته، استخدم لغة أكثر حدة وعاطفية، واصفاً غزة بأنها "أكبر مقبرة للأطفال" في العالم و"معسكر للموت"، مشيراً إلى مقتل أكثر من 1500 شخص منذ إعلان وقف إطلاق النار. أما أمير قطر فقد تعامل مع الملف من زاوية أوسع، إذ ربط الأزمة الفلسطينية والإقليمية عموماً بغياب منظومة أمن جماعي إقليمي، من دون أن يخصص لغزة نفس المساحة التي منحها إياها الزعيمان الآخران.
نقد الانتقائية الدولية والمعايير المزدوجة. هذا خيط مشترك واضح: الملك تحدث عن "الانتباه" كمورد جيوسياسي يحدد أي الأزمات تحظى بالمتابعة وأيها يُترك ليصبح مألوفاً؛ وأردوغان انتقد ضمنياً ازدواجية المعايير عبر التذكير بمنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحصول على تأشيرة لحضور الاجتماعات للعام الثاني على التوالي، واصفاً ذلك بـ"الإجحاف"؛ وأمير قطر أشار إلى تراكم سنوات من "تأجيل معالجة القضايا" و"الحلول المؤقتة" كجذر للأزمات الراهنة. الرسالة المشتركة إذاً: العالم يختار ما يريد رؤيته، وهذا الاختيار له كلفة إنسانية وأمنية مباشرة.
الدعوة إلى الدبلوماسية بدل التصعيد العسكري. الملك عبدالله كان صريحاً في القول إن القوة العسكرية عاجزة عن حل الأزمات الجوهرية، من الجوع إلى التهجير إلى تغير المناخ. أمير قطر جاء في الاتجاه نفسه عملياً، إذ دعا إلى حل أزمة الخليج عبر القنوات الدبلوماسية والعودة إلى طاولة التفاوض وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة، محذراً من أن غياب نظام أمن جماعي إقليمي قد يفتح الباب أمام حروب لا تخدم مصالح دول المنطقة.
أين يتفرق الخطاب؟
رغم هذا التقاطع، لا يمكن القول إن الخطاب العربي والإسلامي جاء متسقاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل بدا فردياً في المنطلق، وإن التقى في بعض النتائج.
فالملك عبدالله تحدث من موقع الدولة التي تتحمل تبعات الجوار المباشر: الحديث عن تهديدات جنوب سوريا، والأمن المائي، وحماية الحدود الشمالية، جاء بلغة أمن قومي أردني بالدرجة الأولى، مغلفة بخطاب مبادئ عام. أردوغان، في المقابل، وضع نفسه في موقع الفاعل الإقليمي الذي ساهم في التوصل لوقف إطلاق النار، فجمع بين نبرة إنسانية حادة وتذكير بالدور التركي، إضافة إلى دعوة مباشرة وغير مسبوقة اللهجة للدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين لإعادة النظر في مواقفها. أما أمير قطر فقد اختار أن يتحدث أساساً من زاوية أزمة الخليج ومضيق هرمز، أي من موقع الوسيط الإقليمي المعني بالاستقرار الجماعي أكثر من انشغاله المباشر بتفاصيل غزة أو الضفة الغربية في هذا الظهور تحديداً.
هذا التفاوت في زاوية الدخول يعني أن كل خطاب انطلق أساساً من حسابات المصلحة الوطنية والموقع الجيوسياسي الخاص بكل دولة، لا من "أجندة عربية إسلامية" منسقة مسبقاً. فالأردن يتكلم بلغة الحقوق والقانون الدولي والأمن المباشر؛ وتركيا تتكلم بلغة الدور الإقليمي والمسؤولية الأخلاقية؛ وقطر تتكلم بلغة الاستقرار الجماعي والوساطة. حتى في المفردات، تفاوتت الحدة: من "التهجير القسري" و"جريمة حرب" عند الملك، إلى "مقبرة الأطفال" و"معسكر الموت" عند أردوغان، إلى لغة أكثر تحفظاً ومؤسسية عند أمير قطر.
خلاصة
يمكن القول إن الخطاب العربي والإسلامي في هذه الجولة من الجمعية العامة يشكل تقاطعاً في المبادئ العامة — رفض الاحتلال، انتقاد ازدواجية المعايير، التمسك بالدبلوماسية — لكنه يبقى متعدد المصادر والنبرات في التفاصيل والأولويات، تبعاً لموقع كل دولة الجغرافي والسياسي. هذا لا ينفي وجود تقارب حقيقي، لكنه تقارب نتيجة تشابه الظروف والمصالح أكثر منه تنسيقاً موحداً أو خطاباً جماعياً واحداً. بعبارة أخرى: الأصوات تتقاطع في الاتجاه، لكنها لا تزال أصواتاً فردية في المنطلق والأداء.

