كيف تُختار مواقع المستوطنات في إسرائيل؟
عوامل يجب التوقف عندها.. الأرض والسكان والأزمة الداخلية
ملخص :
اختيار الموقع ليس عشوائياً، بل يخضع لمنطق استراتيجي وأمني وسياسي متكامل. تاريخياً، ركزت الحركة الاستيطانية على السيطرة على الطرق والمرتفعات، إذ أسست أولى مستوطناتها عام 1977 في محيط نابلس ورام الله والقدس، ثم تبنت ما عُرف بمشروع "العمود الفقري المزدوج" الذي نفذه أرييل شارون. أما اليوم فتتبع الحكومة نهجاً مماثلاً لكنه أكثر منهجية: توزيع المستوطنات الجديدة من شمال الضفة إلى جنوبها مروراً بالوسط بهدف "تمزيق" التواصل الجغرافي الفلسطيني، مع التركيز على أربع مستوطنات على طول الحدود الشرقية مع الأردن لتعزيز "الأمن القومي والسيطرة الاستراتيجية". كما تُستخدم أدوات إدارية، مثل نقل الصلاحيات تدريجياً من الجيش إلى الحكومة المدنية، وهو ما يسهّل توسّع المستوطنات ويدمج الضفة الغربية تدريجياً في دولة إسرائيل. ووفق تقرير أممي، جرى العمل على أكثر من 10,300 وحدة سكنية داخل مستوطنات قائمة، وأُنشئت 49 بؤرة استيطانية جديدة في عام واحد فقط، وهو رقم غير مسبوق، إلى جانب شق عشرات الطرق غير المصرح بها لربط المستوطنات ببعضها. ويُفتح الباب أيضاً أمام مناطق أُخليت سابقاً؛ إذ ألغت وزارة الدفاع الأمر الذي كان يحظر دخول الإسرائيليين إلى مناطق شمال الضفة التي انسحبت منها إسرائيل عام 2005، كخطوة أولى نحو إقامة مستوطنات جديدة فيها.
الحجم والمساحة
الأرقام تكشف اتساعاً متسارعاً. فبحسب هيئة فلسطينية رسمية، بلغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة 592، فيما تسيطر إسرائيل على نحو 42% من مساحة الضفة، مقارنة بـ180 مستوطنة و180 بؤرة فقط بنهاية 2023 — أي مضاعفة تقريبية خلال أقل من ثلاث سنوات. أما على صعيد المساحة الفعلية المبنية، فتقدّر بـ542 كيلومتراً مربعاً، مع 946 كيلومتراً من الطرق الالتفافية. وعدد السكان: نحو 780 ألف مستوطن حتى نهاية يوليو الماضي، منهم 333,600 في مستوطنات القدس و446,400 في باقي الضفة. وتحت حكومة نتنياهو الحالية تسارعت وتيرة البناء بشكل لافت، حيث تمت الموافقة على 41,709 وحدة سكنية استيطانية منذ توليها السلطة عام 2022، وهو رقم يفوق ما تمت الموافقة عليه خلال ست سنوات سابقة كاملة (2017-2022).
من أين يأتي السكان؟ وهل توجد أزمة سكن في إسرائيل؟
الإجابة المختصرة: نعم، وهي أزمة عميقة ومتفاقمة. فبحسب دراسة لمؤسسة شورش الإسرائيلية، ارتفعت أسعار المنازل بوتيرة تفوق نمو دخل الأسر بنحو ثلاثة أضعاف خلال العقدين الماضيين، بينما تُقدَّر الحاجة السنوية بنحو 65 ألف وحدة سكنية ترتفع إلى أكثر من 73 ألفاً خلال العقدين المقبلين، دون أن تواكب وتيرة البناء الفعلي هذا الطلب. وفي الربع الثاني من 2026 بلغ متوسط سعر الصفقة العقارية نحو 2.435 مليون شيكل (حوالي 795 ألف دولار)، بارتفاع 7.9% مقارنة بالعام السابق. هذه الفجوة بين الأسعار داخل "الخط الأخضر" وتكلفة السكن المدعوم في المستوطنات هي أحد المحركات الاقتصادية الأساسية للهجرة نحو الضفة: الدولة تقدم حوافز ضريبية وقروضاً ميسّرة وأراضي رخيصة في المستوطنات، وهو ما يجعلها بديلاً جذاباً عملياً لعائلات إسرائيلية عاجزة عن تحمّل تكاليف السكن في المدن الكبرى، إلى جانب الدافع الأيديولوجي لدى شريحة من المستوطنين المرتبطة بحركات دينية-قومية.
باختصار: التوسع الاستيطاني ليس فقط مشروعاً سياسياً لضم الأرض وتفتيت التواصل الجغرافي الفلسطيني، بل يتقاطع أيضاً مع أزمة سكن داخلية حادة تدفع الحكومة لتوظيف الاستيطان كصمام أمان اقتصادي واجتماعي.

