الأمن المائي.. حين يتحول عصب الحياة إلى "مُضاعِف توتر"
حوض اليرموك الاستراتيجي جنوب غرب سوريا.. أطماع إسرائيلية وتحذير أردني شديد اللهجة
ملخص :
يُعرَّف الأمن المائي بأنه قدرة الدولة على تأمين كميات كافية من المياه العذبة لسكانها وزراعتها وصناعتها، بشكل مستدام وبمنأى عن التحكم أو الابتزاز من طرف خارجي. المصطلح لا يقتصر على "الكمية" فحسب، بل يشمل أيضا الجغرافيا السياسية للمصدر: من يسيطر على المنبع، من يشغّل السدود، ومن يملك القدرة على فتح المياه أو حجبها في توقيت معين. في مناطق كحوض نهر الأردن واليرموك، حيث تتقاسم عدة دول الأحواض المائية نفسها، يتحول الماء بسهولة من مورد طبيعي إلى أداة نفوذ.
جبل الشيخ والجولان وحوض اليرموك ومناطق غرب درعا.. منابع مياه سورية أردنية ذات أهمية مشتركة.. تسيطر عليها إسرائيل في الوقت الراهن
هل اندلعت حروب بسبب المياه؟
تاريخيًا، نادرًا ما كان الماء وحده السبب المباشر والوحيد لحرب كاملة بين دول، لكنه كان عاملًا مؤثرًا وملحًّا في نزاعات كبرى. من أبرز الأمثلة في المنطقة: مشروع "تحويل نهر الأردن" الذي طرحته الدول العربية أوائل الستينيات لتحويل روافد النهر بعيدًا عن إسرائيل، والذي أسهمت التوترات حوله في تصعيد الأجواء التي أفضت إلى حرب 1967 — الحرب التي أدت أيضًا إلى سيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان، بما فيها منابع مهمة لنهر اليرموك ووادي الرقاد. كما شهدت أحواض النيل ودجلة والفرات توترات متكررة بين دول المصب والمنبع (مصر والسودان وإثيوبيا - العراق وسوريا وتركيا) دون أن تتحول إلى حرب مباشرة حتى الآن، لكنها بقيت على حافة التصعيد العسكري في أكثر من مناسبة. الخلاصة العلمية المتفق عليها بين الباحثين أن المياه "مُضاعِف توتر" أكثر من كونها سببًا حصريًا للحرب، لكنها قادرة على تحويل نزاع سياسي أو حدودي إلى أزمة وجودية.
عام 2011، أنشأ الأردن وسوريا "سد الوحدة" على النهر الذي يقع في ريف درعا الغربي. ويقع جزءٌ من النهر ضمن نطاق محمية اليرموك الطبيعية في الأردن
خطاب الملك عبدالله الثاني: ماذا قال ولماذا الآن؟
في خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2026، حذّر العاهل الأردني من استمرار النهج الإسرائيلي في جنوب سوريا، معتبرًا أن الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية باتت تشكل تهديدًا إقليميًا. والأهم أنه ربط بشكل مباشر بين التوسع الإسرائيلي في جنوب سوريا وأمن الحدود الشمالية و"المياه"، مؤكدًا أن أي تهديد للحدود الشمالية أو "الأمن المائي" يُعد تهديدًا للأمن القومي الأردني.
هذا الربط ليس عابرًا. فبحسب تحليلات عربية لاحقة للخطاب، تسيطر إسرائيل اليوم على نحو 40% من الموارد المائية لجنوب سوريا، وتحديدًا عبر منابع وادي الرقّاد الذي كان أصلا خاضعا جزئيا لسيطرتها منذ احتلال الجولان عام 1967. والأخطر جيوستراتيجيًا، بحسب التحليل ذاته، أن السيطرة على وادي الرقاد في الشمال، إلى جانب موقع سد الوحدة عند نهاية مسار النهر قرب الحدود الأردنية مباشرة، تمنح إسرائيل القدرة على التحكم بتوقيت وكمية المياه المتجهة جنوبًا نحو الأردن من نقطتين مفصليتين معًا، لا من نقطة واحدة كما كان الحال سابقًا.
على الصعيد الأردني الداخلي، فسّر عضو مجلس الأعيان عمر العياصرة حدّة الخطاب بأنه استند إلى "الداخل الأردني والأمن القومي الأردني"، مؤكدًا أن الأردن "لا يمكن أن يغض الطرف عن مصالحه في الجنوب السوري". أما التحليل الآخر فيشير إلى أن عمّان كانت تعوّل على إعادة تفعيل التعاون المائي مع دمشق بعد التغيرات السياسية في سوريا، إلا أن التطورات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري فرضت معطيات مختلفة على هذا الملف.
قراءة متزنة: تحذير استباقي لا إعلان أزمة
مع ذلك، تحذّر تحليلات متخصصة من القفز إلى استنتاجات متسرعة. إذ يجب تجنب الانتقال من حقيقة التوسع العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا إلى الجزم بالسيطرة الكاملة على جميع منابع اليرموك أو القدرة الفعلية على قطع المياه عن الأردن، إذ إن مثل هذه الادعاءات تحتاج إلى بيانات ميدانية دقيقة. الخطر الحقيقي الذي يستوجب الاستعداد له يكمن في اتساع القدرة على التأثير في تدفقات المياه أو تشغيل المنشآت وصيانتها، أو تحويل الوصول إلى الموارد المائية إلى أداة ضغط ومساومة سياسية.
بهذا المعنى، لم يُطلق الملك تحذيرًا من حرب مياه وشيكة، بل رسالة سياسية استباقية تضع الملف المائي رسميًا ضمن "الخطوط الحمراء" للأمن القومي الأردني، وفي وقت تتوسع فيه إسرائيل ميدانيًا في الجنوب السوري وتعيد رسم موازين النفوذ على حوض نهري اليرموك والأردن، فإن الملف يوتر "مطبخ القرار" في عمّان بمعنى رفع درجة اليقظة الاستراتيجية وإعادة ترتيب الأولويات، لا بمعنى وجود مؤشرات على تصعيد عسكري مباشر أو قطيعة. الخطاب الملكي في الأمم المتحدة، بحدّته اللافتة، كان تعبيرًا عن هذا القلق العميق أكثر منه إنذارًا بحرب — لكنه في الوقت نفسه رسالة واضحة بأن الأردن لن يتعامل مع ما يجري في جنوب سوريا كـ"شأن سوري بحت"، بل كملف متصل عضويًا بأمنه القومي.

