عيد الجلوس الملكي: مسيرة دولة تتجدد بين التحديث والاستقرار
ملخص :
يُحيي الأردنيون، اليوم الثلاثاء، الذكرى الـ 27 لعيد الجلوس الملكي، الذي يصادف تولي جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية في التاسع من حزيران عام 1999، في مناسبة وطنية تتجدد فيها معاني الالتفاف حول القيادة، ومواصلة مسيرة البناء والتحديث، وتعزيز الاستقرار، وخدمة القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وتتحول هذه المناسبة إلى مساحة وطنية جامعة لاستحضار مسيرة دولة استطاعت، خلال أكثر من ربع قرن، أن تعزز استقرارها السياسي والاجتماعي، وأن ترسخ نموذجها كدولة مؤسسات قادرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية، رغم ما يحيط بالمنطقة من أزمات واضطرابات متلاحقة.
مئوية الدولة الثانية: انتقال نوعي في مسارات التحديث
مع دخول الأردن مئويته الثانية، برزت رؤية شاملة يقودها جلالة الملك، تهدف إلى الانتقال بالدولة نحو مرحلة أكثر فاعلية وكفاءة، عبر ثلاثة مسارات رئيسية مترابطة:
أولاً: التحديث السياسي
يشكل التحديث السياسي أحد أهم ركائز المرحلة الحالية، إذ يهدف إلى توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار، وتعزيز دور الأحزاب البرامجية، وتطوير الحياة البرلمانية، بما يتيح تمكين الشباب والمرأة ورفع مستوى التمثيل السياسي، ويأتي ذلك في سياق رؤية رسمية تهدف إلى الوصول إلى حكومات برلمانية أكثر قدرة على التعبير عن الإرادة الشعبية وإدارة الشأن العام بكفاءة.
ثانياً: التحديث الاقتصادي
تقوم "رؤية التحديث الاقتصادي" على بناء نموذج تنموي طويل الأمد، يهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص عمل مستدامة، وتسعى هذه الرؤية إلى تحويل الاقتصاد الأردني إلى اقتصاد أكثر تنافسية، قائم على الابتكار والمعرفة، مع التركيز على قطاعات استراتيجية مثل الطاقة، والسياحة، والتكنولوجيا، والصناعات التحويلية.
ثالثاً: تحديث القطاع العام
يرتكز هذا المسار على إعادة هيكلة الإدارة العامة وتطوير الأداء المؤسسي، عبر تعزيز التحول الرقمي، وتبسيط الإجراءات الحكومية، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين، ويهدف هذا التوجه إلى بناء جهاز إداري أكثر كفاءة وشفافية، قادر على مواكبة متطلبات التنمية الحديثة.
القوات المسلحة الأردنية: ركيزة الأمن الوطني
وتحتل القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي موقعاً محورياً في منظومة الدولة، باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن المملكة واستقرارها، وقد شهدت المؤسسة العسكرية خلال عهد جلالة الملك عبد الله الثاني تطوراً ملحوظاً في مجالات التدريب والتأهيل والجاهزية العملياتية، إلى جانب تحديث القدرات الدفاعية، بما يعزز دورها في حماية الحدود، ومكافحة التحديات الأمنية، والمشاركة في مهام حفظ السلام الدولية، ويأتي ذلك في إطار رؤية تعتبر الأمن والاستقرار شرطاً أساسياً لاستمرار عملية التنمية والإصلاح.
الوصاية الهاشمية: ثبات الموقف ودور دبلوماسي محوري
أما على الصعيد الإقليمي، يواصل الأردن أداء دور دبلوماسي متوازن يقوم على الدعوة إلى الاستقرار والحلول السياسية للنزاعات، مع التأكيد على ثوابت السياسة الأردنية.
ويبرز في هذا السياق الدور التاريخي للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وهي مسؤولية سياسية ودينية ممتدة، تشكل أحد أهم ثوابت السياسة الأردنية في التعامل مع القضية الفلسطينية، وتؤكد الخطابات الرسمية الأردنية في مختلف المناسبات أن هذا الدور يشكل التزاماً ثابتاً تجاه حماية الهوية التاريخية والدينية للقدس، والحفاظ على الوضع القانوني القائم فيها.
الأردن بين التحديات الإقليمية والاستقرار الداخلي
رغم ما يحيط بالمنطقة من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، يواصل الأردن الحفاظ على موقعه كدولة مستقرة نسبياً، تقوم على نهج الاعتدال والتوازن في سياستها الداخلية والخارجية، ويعتمد هذا النموذج على مزيج من الإصلاح التدريجي، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتطوير البنية الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن استدامة الاستقرار ومواصلة مسيرة التنمية.
خطاب وطني متجدد: بين الاستمرارية والتطوير
يمثل عيد الجلوس الملكي مناسبة سنوية لتجديد التأكيد على مسار الدولة الأردنية، القائم على الجمع بين الحفاظ على الثوابت الوطنية والانفتاح على متطلبات التطوير، كما يعكس هذا اليوم حالة من التفاعل بين القيادة والشعب، في إطار رؤية تعتبر أن بناء الدولة عملية تراكمية تقوم على الإصلاح المستمر، وليس على التحولات المفاجئة.
مشروع دولة يتجدد باستمرار
في المحصلة، يجسد عيد الجلوس الملكي محطة وطنية تعيد التأكيد على استمرارية الدولة الأردنية وتطورها، ضمن مشروع تحديث شامل يشمل السياسة والاقتصاد والإدارة العامة، ويستمر الأردن في تقديم نموذج لدولة تسعى إلى التوازن بين الاستقرار والإصلاح، وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية والانفتاح على المستقبل، في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

