ماذا نعرف عن ميثاق الهجرة الأوروبي الجديد؟
ملخص :
يوم الخميس المقبل، يدخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي المُعدّل حيّز التنفيذ، في خطوة وُصفت بأنها تتويج لمسار تفاوضي طويل ومعقّد داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، امتد لسنوات، في ظل انقسامات حادة بين الدول الأعضاء، خصوصاً عقب أزمة اللجوء التي شهدها الاتحاد عامي 2015 و2016، وما رافقها من تصاعد في نفوذ تيارات اليمين المتشدد في عدد من الدول الأوروبية.
وجاءت تصريحات مفوض شؤون الهجرة في الاتحاد الأوروبي، ماغنوس برونر، لتؤكد حجم التعقيد الذي رافق إعداد هذا الإطار التشريعي، حين وصفه بأنه ثمرة "أعقد عملية إصلاح لنظام الهجرة واللجوء في التاريخ الأوروبي"، في إشارة إلى التحديات السياسية والقانونية التي حالت دون التوصل إليه بسرعة.
10 سنوات من الخلافات وإعادة تشكيل السياسات
تعود جذور الميثاق إلى أكثر من عقد، عندما بدأت المفوضية الأوروبية أولى محاولاتها لصياغة سياسة موحدة للهجرة عقب أزمة 2015، غير أن غياب الثقة بين الدول الأعضاء آنذاك حال دون التوصل إلى اتفاق شامل، ففي تلك المرحلة، اتبعت دول جنوب أوروبا، مثل إيطاليا واليونان، سياسات سمحت بمرور المهاجرين نحو دول الشمال دون تنسيق كامل، بينما تبنّت ألمانيا سياسة أكثر انفتاحاً تجاه استقبال اللاجئين، في حين رفضت دول أخرى، وفي مقدمتها المجر، المشاركة في أي آلية لتقاسم الأعباء، هذه التباينات أسهمت في تعميق الانقسام الأوروبي، ووفرت أرضية خصبة لصعود أحزاب اليمين المتطرف التي استفادت من ملف الهجرة في تعزيز حضورها الانتخابي.
هيكل الميثاق: إدارة شاملة لمسار اللجوء
يتضمن الميثاق الجديد حزمة من التشريعات التي تعيد تنظيم مختلف مراحل التعامل مع طالبي اللجوء، بدءاً من إجراءات الاستقبال والتسجيل، مروراً بعمليات التدقيق الأمني، وصولاً إلى البت في طلبات اللجوء، والترحيل، وآليات توزيع اللاجئين بين الدول الأعضاء، كما ينص على توسيع مفهوم "الدول الآمنة"، وتشديد الإجراءات المتعلقة بالأشخاص المُلزمين بمغادرة أراضي الاتحاد الأوروبي، بما يهدف إلى تسريع عمليات البت في الطلبات وتقليل فترات الانتظار.
وفي إطار سعي الاتحاد إلى "استعادة السيطرة على حدوده الخارجية"، يعزز الميثاق تطبيق لوائح اتفاق دبلن، الذي يحدد الدولة المسؤولة عن طالب اللجوء بأنها أول دولة يدخلها داخل الاتحاد الأوروبي.
تشديد الرقابة على الحدود وإجراءات سريعة
يُنتظر أن يتم ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين مباشرة عند الحدود الخارجية عبر إجراءات سريعة، تتضمن إنشاء مراكز خاصة على نقاط الدخول، وبموجب هذه الإجراءات، سيتم منع ما يُعرف بـ "الهجرة الثانوية"، أي انتقال طالب اللجوء من دولة إلى أخرى داخل الاتحاد، فإذا انتقل شخص من دولة دخول أولى مثل إيطاليا إلى ألمانيا، تعود المسؤولية إلى الدولة الأولى لاستقباله أو تنفيذ إجراءات الترحيل، ويرى مراقبون أن هذا النظام يفرض أعباء إضافية على دول الحدود الخارجية، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التأكيد على ضرورة تقديم دعم مالي ولوجستي للدول الأكثر تعرضاً لضغوط الهجرة.
فحص أمني شامل وقواعد بيانات بيومترية
ابتداءً من 12 يونيو/حزيران، يخضع كل مهاجر يدخل بشكل غير نظامي إلى فحص أولي داخل مراكز حدودية، يشمل التحقق من الهوية، أخذ بصمات الأصابع، تسجيل صور الوجه، وإجراء فحوص أمنية دقيقة، وسيتم تخزين هذه البيانات في قواعد معلومات مركزية داخل الاتحاد الأوروبي، بما يسمح بتتبع الحالات ومعرفة ما إذا كان الشخص قد تقدم بطلب لجوء سابق في دولة أوروبية أخرى، وبعد هذه المرحلة، يُتخذ القرار بشأن تحويل الملف إلى إجراءات اللجوء الرسمية أو إعادة الترحيل السريع من الحدود.
نقل محتمل للإجراءات خارج حدود أوروبا
تطرح بعض بنود الميثاق إمكانية تطوير مراكز خارج الأراضي الأوروبية لإدارة بعض إجراءات اللجوء، في خطوة تُعدّ امتداداً لنقاش متصاعد حول "نقل إدارة الهجرة إلى دول ثالثة"، ورغم أن هذا الخيار لا يزال نظرياً في الوقت الراهن، فإنه يفتح الباب أمام نماذج مشابهة لتجارب بدأت تظهر بالفعل، مثل مركز إعادة الترحيل الذي أنشأته إيطاليا في ألبانيا عام 2024، واتفاقات أخرى بين دول أوروبية ودول خارج القارة لتسهيل عمليات الترحيل.
انتقادات حقوقية وتحذيرات من "أوروبا مغلقة"
فيما حذرت منظمات حقوق الإنسان من أن الميثاق قد يؤدي إلى تقييد حقوق اللاجئين بشكل ملحوظ، معتبرة أن السياسات الجديدة قد تجعل الوصول إلى إجراءات اللجوء النظامية أكثر صعوبة، وتدفع نحو تحويل أوروبا إلى ما يشبه "قلعة مغلقة"، في المقابل، تؤكد مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى مكافحة شبكات تهريب البشر، وضمان منح الحماية فقط لمن يستحقها وفق المعايير القانونية الدولية.
كما تنص القواعد على حق طالبي اللجوء في الحصول على مساعدة قانونية مجانية، مع استمرار دراسة كل حالة بشكل فردي، رغم أن الاستئناف لم يعد يوقف الترحيل تلقائياً في جميع الحالات.
تحديات التطبيق: فجوات لوجستية وسياسية
تشير تقديرات المفوضية الأوروبية إلى أن التطبيق الكامل سيواجه تحديات كبيرة، من بينها نقص البنية التحتية، وضعف جاهزية أنظمة تكنولوجيا المعلومات، ونقص الكوادر والمراكز المخصصة للاستقبال، وكانت المفوضية قد أعلنت أن 11 دولة فقط كانت مستعدة بالكامل لتطبيق النظام عند بدء المرحلة الأولى، فيما التزمت الدول الأعضاء بتوفير نحو 30 ألف مكان مخصص لإجراءات الحدود السريعة، تتصدرها إيطاليا بأكثر من 8000 مكان، ومع ذلك، يُتوقع أن يكون التنفيذ تدريجياً، خاصة في ظل تراجع أعداد الوافدين مقارنة بالسنوات السابقة، ما قد يمنح الدول فرصة لاختبار النظام الجديد على نطاق محدود.
معضلة بولندا والمجر وتباين المواقف
لا تزال المواقف الرافضة من بعض الدول، خصوصاً المجر وبولندا، تمثل تحدياً أمام التطبيق الكامل للميثاق، إذ ترفض حكومتا البلدين بشكل واضح سياسات تقاسم أعباء اللاجئين، وفي حين لا تضغط بروكسل حالياً بشكل كبير على بودابست، فإنها تأخذ بعين الاعتبار التعقيدات السياسية الداخلية في وارسو، في ظل صعود قوى يمينية شعبوية.
ورغم ذلك، ترى المفوضية الأوروبية أن بولندا تلعب دوراً مهماً في إدارة ملف الهجرة، خاصة في مواجهة تدفقات يُعتقد أن روسيا وبيلاروسيا تستخدمها كأداة ضغط سياسي على الاتحاد الأوروبي.
ألمانيا: من دولة استقبال إلى مستفيد محتمل
تشير التقديرات إلى أن ألمانيا، التي لا تمتلك حدوداً خارجية مباشرة مع الاتحاد الأوروبي، ستحتاج إلى عدد محدود من مراكز الاستقبال داخل المطارات، في إطار إجراءات اللجوء السريع، وفي حال تطبيق الميثاق بشكل صارم والحد من "الهجرة الثانوية"، يُتوقع أن تصبح ألمانيا من أبرز المستفيدين، إذ ستخفّ عنها أعباء الاستقبال المباشر، مقابل دور تنسيقي داخل المنظومة الأوروبية.
أما سياسياً، يأتي هذا التحول في ظل تغيّرات داخل المشهد الألماني، حيث برز دعم متزايد لتشديد سياسات الهجرة داخل الحكومة الحالية، بما يعكس اتجاهاً أوروبياً عاماً نحو ضبط الحدود بشكل أكثر صرامة.
مستقبل السياسة الأوروبية للهجرة
يمثل الميثاق الجديد محاولة لإعادة صياغة سياسة الهجرة الأوروبية على أسس أكثر تشدداً وتنظيماً، لكنه في الوقت ذاته يفتح نقاشاً واسعاً حول التوازن بين الأمن الإنساني والالتزامات القانونية الدولية، وبينما ترى بروكسل أنه خطوة ضرورية لضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، يحذر منتقدون من أن تطبيقه قد يعيد رسم صورة أوروبا كفضاء أكثر انغلاقاً في مواجهة طالبي الحماية.

