أكثر من 37 وعداً خلال 100 يوم.. ترامب و"الاتفاق الوشيك" مع إيران
ملخص :
منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حرص الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على تقديم صورة متفائلة لمسار الأحداث، مؤكداً مراراً أن اتفاقاً شاملاً بات وشيكاً وأن الحرب تقترب من نهايتها، غير أن مرور أكثر من 100 يوم على اندلاع الأزمة كشف عن فجوة متنامية بين الخطاب السياسي الذي يروّج لقرب التوصل إلى تسوية وبين الوقائع الميدانية التي لم تشهد حتى الآن أي اختراق حاسم.
وخلال الشهرين الماضيين وحدهما، كرر ترامب الحديث عن قرب إبرام اتفاق مع إيران أكثر من 37 مرة، مستخدماً عبارات متشابهة تتراوح بين الحديث عن "المراحل النهائية" للمفاوضات، و"الانتصار الكامل" الوشيك، وصولاً إلى تأكيده أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه فور التوصل إلى اتفاق. ومع ذلك، لم تتحول هذه التوقعات إلى نتائج ملموسة على الأرض.
بداية مبكرة لسردية الحسم القريب
بدأت ملامح هذا الخطاب بالظهور مبكراً، ففي 23 مارس/ آذار، وبعد أقل من شهر على انطلاق العمليات العسكرية، أعلن ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان" أن الأطراف المعنية توصلت إلى نقاط اتفاق رئيسية، مؤكداً أن معظم القضايا الجوهرية أصبحت محسومة خلال المفاوضات.
غير أن هذه التصريحات قوبلت بنفي إيراني واضح، إذ أكدت طهران -آنذاك- عدم وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة بالشكل الذي تحدث عنه الرئيس الأميركي، وفي اليوم التالي، أبدى ترامب ثقته بإمكانية إنهاء الأزمة، لكنه ترك هامشاً للتراجع حين أقر بأنه لا يستطيع الجزم بشكل نهائي بمآلات الأمور.
تصعيد في مستوى التفاؤل
وخلال الأيام التالية، أخذت تصريحات ترامب منحى أكثر تفاؤلاً، ففي 25 مارس/ آذار قال إن إيران باتت "شديدة الرغبة" في إبرام اتفاق، قبل أن يرفع سقف توصيفه خلال اجتماع لمجلس الوزراء، معتبراً أن طهران "تتوسل" للوصول إلى تسوية.
وبحلول 29 مارس/ آذار، تحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال أسبوع واحد فقط، في مؤشر على ثقته بأن المفاوضات بلغت مراحل متقدمة.
ومع إعلان وقف إطلاق النار في 7 أبريل/ نيسان، ازدادت نبرة التفاؤل في تصريحات الرئيس الأميركي، الذي لجأ مراراً إلى منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي للتأكيد على أن الأطراف قطعت شوطاً كبيراً نحو التسوية، وأن ما تبقى لا يتجاوز أسابيع قليلة لإنجاز الاتفاق النهائي، واصفاً ذلك بأنه فرصة تاريخية لإنهاء أزمة مزمنة في الشرق الأوسط.
"اتفاق خلال أيام".. وعود تتكرر
في منتصف أبريل/ نيسان، واصل ترامب إطلاق توقعات متفائلة، ففي مقابلة مع قناة "فوكس بيزنس" يوم 15 أبريل، أكد أن الأزمة تقترب من نهايتها وأن الإيرانيين يسعون بقوة إلى اتفاق، وبعدها بيوم واحد فقط، تحدث عن مؤشرات "إيجابية للغاية" تدعم فرص التوصل إلى اتفاق وصفه بالجيد، أما في 17 أبريل/ نيسان، فقد رفع سقف توقعاته إلى مستويات غير مسبوقة، عندما أعلن في ثلاث مناسبات مختلفة أن إيران وافقت على معظم المطالب، وأن الاتفاق قد يُبرم خلال يوم أو يومين فقط، مؤكداً أن الخلافات المتبقية محدودة للغاية.
وتواصلت الرسائل ذاتها في 20 أبريل/ نيسان عبر منصة "تروث سوشال"، حين كتب أن التطورات ستحدث "بسرعة نسبية"، في إشارة إلى قرب الحسم.
من أبريل إلى يونيو.. الاتفاق دائماً على الأبواب
لم تختلف تصريحات ترامب خلال الأسابيع اللاحقة كثيراً عن سابقاتها، ففي نهاية أبريل/ نيسان أكد مجدداً أن إيران لا تزال متحمسة لإبرام اتفاق، بينما ربط في مطلع مايو/ أيار بين انتهاء الحرب وتراجع أسعار النفط، مشيراً إلى أن ذلك لن يستغرق وقتاً طويلاً.
وفي 18 مايو/ أيتر، أعلن تعليق العمليات العسكرية لبضعة أيام، مبرراً الخطوة بقوله إن الحلفاء الإقليميين باتوا قريبين جداً من التوصل إلى تفاهم نهائي، ورغم اعترافه بأن محاولات سابقة بدت قريبة من النجاح ثم انهارت في اللحظات الأخيرة، فإنه شدد على أن الظروف الحالية مختلفة.
وفي اليوم التالي، أبلغ أعضاء في الكونغرس بأن الحرب ستنتهي بسرعة كبيرة، قبل أن يعود في 23 مايو/ أيار ليؤكد أن المفاوضات دخلت مرحلة اللمسات النهائية وأن الإعلان الرسمي قد يصدر قريباً.
واستمرت هذه النبرة حتى أواخر الشهر ذاته، حين وصف الوضع بأنه "قريب جداً من اتفاق جيد للغاية"، ثم جدد في السادس من يونيو/ حزيران حديثه عن اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران، معرباً في الوقت ذاته عن مخاوفه من أن تؤدي التطورات العسكرية إلى عرقلة المسار السياسي.
الحرب الطويلة وتحدي المصداقية
ومع استمرار المواجهات وتبادل الضربات بين إسرائيل وإيران، بدأت تساؤلات متزايدة تطرح حول مدى واقعية تقديرات الرئيس الأميركي، فالحرب التي وصفها في بدايتها بأنها ستكون قصيرة ومحدودة تجاوزت حاجز المائة يوم، دون أن تظهر مؤشرات حاسمة على قرب انتهائها.
ورداً على الانتقادات التي تصف الأزمة بأنها تحولت إلى حرب مفتوحة، أكد ترامب أنه لا يؤيد "الحروب التي لا تنتهي"، لكنه عاد ليكرر قناعته بأن النهاية باتت قريبة جداً، وخلال تجمع انتخابي، تحدث عن إمكانية تحقيق "نصر كامل" خلال أسبوعين، مضيفاً أن الإيرانيين مستعدون لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل التوصل إلى اتفاق شامل.
ضغوط سياسية وانتخابية
ويرى عدد من المحللين أن الإصرار المتكرر على الترويج لقرب الاتفاق لا يمكن فصله عن الاعتبارات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، فمع تراجع معدلات التأييد الشعبي للرئيس الجمهوري وتزايد القلق داخل الحزب بشأن انتخابات التجديد النصفي المقبلة، تبدو الإدارة الأميركية بحاجة إلى تقديم مؤشرات إيجابية للرأي العام بشأن إحدى أكثر الأزمات الخارجية كلفة وتأثيراً.
ويعتقد مراقبون أن الحديث المستمر عن انفراج وشيك يهدف أيضاً إلى احتواء الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات الحرب على الاقتصاد الأميركي، فضلاً عن طمأنة الناخبين بأن الإدارة تقترب من تحقيق اختراق دبلوماسي يضع حداً للصراع.
رسائل موجهة إلى الأسواق العالمية
في المقابل، يربط محللون آخرون بين تصريحات ترامب المتكررة وبين محاولات التأثير على أسواق الطاقة العالمية. فكلما تحدث الرئيس الأميركي عن اقتراب اتفاق مع إيران أو عن احتمال إعادة فتح مضيق هرمز، انعكس ذلك مباشرة على حركة أسعار النفط والأسواق المالية.
وقد ظهر هذا التأثير بوضوح بعد تصريحاته الأخيرة، إذ تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.3% لتصل إلى 93.02 دولاراً للبرميل، في إشارة إلى حساسية الأسواق تجاه أي تطورات محتملة في الأزمة.
بين الوعود والواقع
ورغم سيل التصريحات المتفائلة التي أطلقها الرئيس الأميركي خلال الأشهر الماضية، فإن المشهد لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات، فحتى الآن، لم يتحول الحديث المتكرر عن الاتفاق الوشيك إلى تفاهم رسمي أو تسوية مستدامة، فيما تستمر العمليات العسكرية والتجاذبات السياسية في إلقاء ظلالها على مستقبل الأزمة.
وبينما يواصل ترامب التأكيد أن النهاية باتت قريبة، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت هذه الوعود ستفضي أخيراً إلى اتفاق حقيقي يطوي صفحة الصراع، أم أنها ستنضم إلى سلسلة طويلة من التوقعات التي سبقت الواقع ولم تنجح في تغييره.

