المرسوم 13: هندسة جديدة للمواطنة أم اختبار حقيقي للدولة السورية؟
علا القارصلي
ملخص :
أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 الذي يمثل محطًة مفصليًّة وتأسيسيًّة في مسار الدولة السورية الجديدة، حيث يعمل كأداة قانونيًة لتفكيك إرث الإقصاء الممنهج الذي طال المكون الكردي عبر عقود طويلًة من التدابير التمييزيّة، وتؤكد المواد الثلاث الأولى أن المواطنين الكرد يمثلون جزءً أصيلًا من نسيج الشعب السوري مع التزام الدولة بحماية تنوعهم الثقافي واللغوي وضمان حقهم في إحياء تراثهم، كما تنص المادة الثالثة على اعتبار لغتهم لغًة وطنيًة كشكل من أشكال العدالًة المعرفيّة، مما يضع الدولة أمام ضرورة تحويل هذا الاعتراف القانوني إلى آليًة فعليًة لمعالجة المظالم التاريخية المتراكمة وتأسيس مستقبل يقوم على الشراكة والعدالة.
معالجة انعدام الجنسية
توضح التغطيات الصحفية أن إعادة دمج الفئات المحرومة من الجنسية في النسيج الوطني تمثل ركيزًة استراتيجيّةً لتعزيز السلم المجتمعي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي عبر تمكين آلاف العائلات من ممارسة حقوق المواطنة، حيث قضت المادة الرابعة بإلغاء كافة القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء عام 1962 الجائر في محافظة الحسكة، وتتضمن آليات التنفيذ منح الجنسية السورية لجميع "أجانب الحسكة" و"مكتومي القيد" بمبدأ المساواًة التامّة في الحقوق والواجبات دون أي استثناء، وقد حظي هذا الإجراء بتقدير دولي واسع كونه ينهي حالة قانونيّة شاذًة استمرت لأكثر من ستة عقود ويفتح الباب لاستعادة الحقوق المدنية والسياسية لمن حرموا منها طويلًا.
الترحيب الأممي الواسع
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، إلى أن الاعتراف الدولي بالتشريعات الوطنية الجديدة يمثل صكّ غفران دوليًّ يعزز الشرعية الدستورية للمرحلة الانتقالية، مبرزًة الأهمية الاستراتيجية لهذا الدعم في تثبيت ركائز الاستقرار الحقوقي، حيث رحبت المفوضية بالمرسوم لكونه ينهي حالات انعدام الجنسية المزمنة بجهود وطنيّة جادًة، ويرى خبراء الأمم المتحدة أن هذه الخطوات تساهم جوهريًا في استعادة السلم والحقوق في شمال شرق سوريا وتوفير بيئة آمنة تحترم التعددية، إلا أن هذا الترحيب الدولي يظل مشروطًا بمدى قدرة مؤسسات الدولة على تحويل النصوص القانونية إلى ممارسات تنفيذيّة فعليّة تلمس حياة المتضررين بشكل مباشر ومستدام.
تحديات التنفيذ الفعلي
أما بيان رابطة تآزر وشبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة (NSVH)، فيوضح وجود فجوة مقلقة بين النص القانوني وواقع التطبيق العملي، مما يبرز الحاجة الملحّة لوجود آليات رقابة مستقلة لضمان نزاهة المسار التنفيذي، وتشدد هذه الجهات الحقوقية على أن استعادة الجنسية هي "استعادة حق" أصيل وليست "مكرًمة" أو منحة من الدولة، مطالبة بتبني مسار الاعتراف والاعتذار لضمان جبر الضرر المؤسساتي، كما حذرت المنظمات من تكرار تجربة الفشل التي صاحبت المرسوم 49 لعام 2011 نتيجة التدخلات الأمنيّة والبيروقراطيّة التي مكنت ممارسات الابتزاز، مؤكدة ضرورة إبعاد الأجهزة الأمنيّة عن ملفات الأحوال المدنية لضمان عدالة الإجراءات.
أحداث نوروز 2026
تستخلص دراسة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة (STJ) ، أن حادثًة إنزال العلم السوري في مدينة كوباني/عين العرب كانت المحفز الأمني الذي فجر توترات ميدانيّة قوضت المكتسبات التشريعية، حيث وثقت الدراسة أنماطًا متكررة من الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المحتفلون في عفرين وأعزاز شملت إهانة العلم الكردي والضرب المبرح وحرق الممتلكات، وأثبتت الوقائع عدم حياد "جهاز الأمن العام" الذي فشل في حماية المدنيين بل وظهرت مؤشرات على مشاركة عناصره في التضييق، مما يعد خرقًا صريحًا للمادة الخامسة التي اعتبرت عيد نوروز عطلة رسميّة وطنيّة تهدف لترسيخ قيم التآخي، وهو ما يضع مصداقية الدولة في حماية الحقوق أمام اختبار حقيقي.
مأسسة الحقوق اللغوية
تشير التقارير الإخبارية بشأن الإجراءات المؤسساتية، إلى أن وزارة التربية والتعليم بدأت تنفيذ مقتضيات المرسوم عبر إدراج اللغة الكردية في المنظومة التعليمية كخطوة نحو تحقيق العدالة المعرفيّة، حيث نص القرار رقم 943 على تكليف المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد الكتب وتدريب الكوادر خلال ستة أشهر لضمان الجاهزية التامّة، وستكون المادة اختياريّة بمعدل حصتين أسبوعيًّا في المناطق التي يقطنها الكرد بنسبًة ملحوظًة، ومن الناحية القانونية تضاف درجة المادة للمجموع العام ولكنها لا تؤثر على النجاح أو الرسوب، ويهدف هذا الإجراء لتعزيز الوحدة المجتمعية عبر الاعتراف بالهوية الثقافية كمصدر قوًة للدولة السورية الموحدة وضمان الشراكة التربوية الشاملة.
رؤية استشرافية مستقبلية
تلخص التغطيات الصحفية لمواقف القوى الفاعلة، أن موقف "الإدارة الذاتية" يركز على ضرورة الانتقال من المراسيم المؤقتة إلى فضاء الدستور الدائم لضمان حماية قانونيّة لا تتأثر بالمتغيرات، وتشدد توصيات "رابطة تآزر" ومنظمة "سوريون" على وجوب إجراء تحقيقات شفافة في انتهاكات نوروز وتحميل الدولة المسؤوليّة التقصيريّة عن فشل أجهزتها الأمنيّة، كما يجب ربط هذا المسار بـ "الإعلان الدستوري لعام 2025" لضمان استدامة الحقوق المكتسبة ضمن إطار ديمقراطي تعددي.
ويؤكد التقرير في ختامه أن المرسوم رقم (13) هو مجرد بداية الطريق نحو عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية ويتطلب إرادة سياسيّة صلبة لتحويله إلى ثقافة وطنيّة شاملة.

