باكستان والهند.. "حرب مياه" تلوح بالأفق بين الجارتين النوويتين
ملخص :
صعّدت باكستان لهجتها تجاه الهند، محذرة من التداعيات الخطيرة لأي محاولة لوقف تدفق المياه إلى أراضيها، ومؤكدة أن مثل هذه الخطوة تمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي والاتفاقيات الثنائية، وقد ترقى إلى مستوى "العمل الحربي" الذي يجيز لها ممارسة حق الدفاع عن النفس.
وجاء الموقف الباكستاني رداً على تصريحات أدلى بها وزير الموارد المائية الهندي، تحدث فيها عن توجه بلاده لمنع وصول المياه إلى باكستان تنفيذاً لتوجيهات الحكومة الهندية، في خطوة أثارت مخاوف من اتساع رقعة التوتر بين البلدين اللذين يمتلكان تاريخاً طويلاً من النزاعات السياسية والعسكرية.
إسلام آباد: المياه ليست أداة للابتزاز السياسي
وخلال مؤتمر صحفي، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، أن بلاده تابعت التصريحات الصادرة عن المسؤولين الهنود بشأن وقف تدفق المياه، معتبراً أن أي إجراء من هذا النوع يمثل سلوكاً غير مسؤول ويتعارض مع الالتزامات الدولية الناظمة للأنهار العابرة للحدود، موضحا أن المياه تشكل مورداً حيوياً يرتبط بشكل مباشر بحياة ملايين المواطنين وبالأمن الغذائي والقطاع الزراعي واستدامة سبل العيش، مشدداً على أن حرمان دولة من حصتها المائية لا يمكن التعامل معه كأداة ضغط سياسي أو وسيلة للإكراه.
وأضاف أن استخدام الموارد المائية لتحقيق مكاسب سياسية من شأنه أن يفاقم حالة عدم الاستقرار في جنوب آسيا، محملاً الهند المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات قد تنجم عن تنفيذ مثل هذه السياسات.
تلويح بحق الدفاع عن النفس
وشدد المتحدث الباكستاني على أن بلاده لن تتخلى عن حقوقها المشروعة أو مصالحها الوطنية، وستواصل الدفاع عنها عبر مختلف المسارات القانونية والسياسية والاقتصادية التي يتيحها القانون الدولي، مؤكدا أن القيادة الباكستانية أوضحت موقفها بجلاء على أعلى المستويات، معتبرة أن أي محاولة متعمدة لعرقلة تدفق المياه إلى الأراضي الباكستانية تمثل خطوة بالغة الخطورة، وقد يتم التعامل معها، استناداً إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، باعتبارها عملاً حربياً يمنح الدولة المتضررة حق الدفاع عن نفسها.
وأضاف أن إسلام آباد تحتفظ بحق اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة لحماية مصالحها الحيوية وضمان حقوق مواطنيها، داعياً نيودلهي إلى التحلي بالمسؤولية والالتزام بتعهداتها الدولية وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد الإقليمي.
مراقبة التطورات في كشمير
وفي سياق متصل، أكد أندرابي أن بلاده تتابع عن كثب التطورات الميدانية في إقليم جامو وكشمير والمناطق التي تنبع منها الموارد المائية المشتركة، مشيراً إلى أن باكستان في حالة جاهزية كاملة للدفاع عن مصالحها الوطنية وحماية حقوقها المرتبطة بالموارد المائية.
الهند تؤكد سعيها لمنع تدفق المياه
وكان وزير المياه الهندي، سي. آر. باتيل، قد أعلن، في تصريحات نقلتها وكالة أنباء آسيا الدولية الهندية، أن بلاده تعمل على ضمان عدم وصول المياه إلى باكستان خلال السنوات المقبلة، مؤكداً أن الحكومة تنفذ هذا التوجه استناداً إلى توجيهات مباشرة من رئيس الوزراء ناريندرا مودي.
وقال الوزير الهندي إن نيودلهي تبذل جهوداً مكثفة لتحقيق هذا الهدف، مضيفاً أن "ولا قطرة واحدة من المياه" ينبغي أن تصل إلى باكستان مستقبلاً، في إشارة إلى تحول لافت في السياسة الهندية تجاه ملف المياه المشترك بين البلدين.
معاهدة نهر السند.. ركيزة مهددة
ويأتي هذا السجال في ظل استمرار تداعيات تعليق الهند مشاركتها في معاهدة مياه نهر السند، التي تعد إحدى أبرز الاتفاقيات الثنائية بين البلدين منذ عقود.
وتنظم المعاهدة آلية تقاسم وإدارة المياه المتدفقة عبر ستة أنهار رئيسية تنبع من الأراضي الهندية قبل أن تصب في باكستان ضمن حوض نهر السند، الذي يعتمد عليه مئات الملايين من السكان في الزراعة والشرب وتوليد الطاقة.
وشكلت الاتفاقية، على مدار سنوات طويلة، إحدى القنوات النادرة للتواصل والتعاون بين الجانبين رغم الخلافات السياسية والأمنية المستمرة، إلا أن هذا المسار تعرض لانتكاسة كبيرة بعد قرار الهند تعليق العمل بها في مايو/أيار 2025.
كشمير.. بؤرة النزاع الدائم
وترتبط قضية المياه ارتباطاً وثيقاً بالنزاع التاريخي حول إقليم كشمير، الذي ظل محوراً للخلاف بين الهند وباكستان منذ تقسيم شبه القارة الهندية عقب انتهاء الحكم البريطاني عام 1947، ويكتسب نهر السند وروافده أهمية استراتيجية مضاعفة نظراً لمروره في مناطق شديدة الحساسية على خطوط التماس بين البلدين، ما يجعل ملف المياه جزءاً لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي للطرفين.
وجاء قرار الهند تعليق مشاركتها في معاهدة المياه عقب هجوم دموي استهدف سياحاً في الشطر الخاضع للإدارة الهندية من كشمير، وهو التطور الذي أدى حينها إلى تصعيد عسكري خطير بين الجارتين النوويتين.
إرث من المواجهات والتوترات
وأعقب ذلك اندلاع مواجهات استمرت أربعة أيام، استخدم خلالها الطرفان الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدفعية، وأسفرت عن سقوط نحو 70 قتيلاً على الأقل من الجانبين، وفق تقديرات متداولة آنذاك.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت قضية المياه إلى إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية بين نيودلهي وإسلام آباد، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي توظيف هذا الملف في الصراع السياسي إلى تعقيد المشهد الإقليمي وفتح باب مواجهة جديدة بين البلدين.

