سباق مع الزمن لإعادة بناء الترسانة الأمريكية.. البنتاغون يبحث عن صواريخ أرخص وأسرع إنتاجاً
ملخص :
كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن توجهات جديدة داخل وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) لمعالجة أزمة متنامية تتعلق بمخزونات الصواريخ العسكرية، في ظل تزايد وتيرة استخدامها في النزاعات العسكرية بوتيرة تفوق قدرة الصناعات الدفاعية الأمريكية على تعويضها وإعادة إنتاجها.
وبحسب التقرير، تسعى واشنطن إلى تبني مقاربة مختلفة في تطوير وتسليح قواتها المسلحة، تقوم على إنتاج صواريخ أقل تكلفة وأكثر سهولة في التصنيع، بما يسمح بتوفير أعداد كبيرة منها خلال فترات زمنية أقصر، ويحد من الضغوط المتزايدة على سلاسل الإمداد العسكرية.
معضلة الكلفة والإنتاج البطيء
تعتمد القوات الأمريكية منذ عقود على منظومات تسليح متطورة تتميز بالدقة العالية والقدرات التقنية المتقدمة، إلا أن هذه المزايا جاءت مصحوبة بارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج وطول المدة اللازمة لتصنيع الذخائر والصواريخ.
ومع تزايد الطلب على هذه الأسلحة في ساحات العمليات المختلفة، برزت مخاوف متنامية داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية من احتمال تآكل المخزون الاستراتيجي بوتيرة أسرع من قدرة المصانع الدفاعية على إعادة تعبئته، وهو ما قد يؤثر مستقبلاً على قدرة الولايات المتحدة في الحفاظ على الردع العسكري أو إدارة أكثر من أزمة أمنية في وقت واحد.
عقود جديدة لتسريع تطوير الأسلحة
وأوضحت الصحيفة أن الجيش الأمريكي بدأ اللجوء إلى نماذج تعاقدية غير تقليدية مع شركات الصناعات الدفاعية، تتضمن تكليفها بتطوير وتصميم أنظمة تسليح جديدة من الصفر، بهدف اختصار سنوات من عمليات التطوير والإنتاج، وخفض الكلفة الإجمالية للمشروعات الدفاعية بمئات الملايين من الدولارات، ويأتي هذا التوجه ضمن مساعٍ أوسع لإعادة هيكلة آليات التسلح والإنتاج العسكري، بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة المتطلبات المتزايدة للعمليات العسكرية الحديثة.
برنامج لإنتاج آلاف الصواريخ منخفضة التكلفة
وفي هذا السياق، يعمل الجيش الأمريكي على تنفيذ مبادرة تعرف باسم "برنامج الصواريخ المعبأة في حاويات منخفضة التكلفة"، والتي تستهدف إنتاج آلاف الصواريخ القابلة للإطلاق من منصات وحاويات متنقلة مثبتة على المركبات العسكرية، ويشترط البرنامج ألا تتجاوز تكلفة الصاروخ الواحد نصف مليون دولار، في حين طلب مشروع دفاعي آخر من الشركات المصنعة تطوير صواريخ دفاع جوي بكلفة تقل عن 250 ألف دولار للصاروخ الواحد، في محاولة لتوفير بدائل أقل تكلفة وأكثر ملاءمة للإنتاج الكمي.
مقارنة مع الصواريخ الاعتراضية المتطورة
وتبرز الفجوة الكبيرة في التكاليف عند مقارنة هذه المشروعات الجديدة بمنظومات التسليح الحالية، فبعض الصواريخ الاعتراضية الحديثة التابعة لمنظومة "باتريوت"، والتي تنتجها شركة لوكهيد مارتن، تحتاج إلى أكثر من عامين لاستكمال تصنيعها، فيما تصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى نحو أربعة ملايين دولار.
كما يدرس سلاح الجو الأمريكي تنفيذ برنامج مستقل يهدف إلى شراء عشرات الآلاف من الصواريخ منخفضة التكلفة خلال السنوات المقبلة، بما يعزز القدرة على توفير مخزون كبير يمكن استخدامه في حالات الطوارئ والنزاعات الممتدة.
بديل مكمل لا بديل كامل
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عسكريين تأكيدهم أن هذه المشروعات لا تستهدف استبدال الصواريخ المتطورة التي تنتجها شركات الدفاع الكبرى مثل "لوكهيد مارتن" و"آر تي إكس"، والتي شكلت العمود الفقري للتسليح الأمريكي لعقود طويلة، إلا أن الهدف الرئيسي يتمثل في إنشاء خطوط إنتاج إضافية وتوفير خيارات تسليحية متنوعة، تتيح للقوات الأمريكية الاعتماد على ذخائر أقل تكلفة عند الحاجة، بدلاً من استنزاف المخزون من الصواريخ المتقدمة مرتفعة الثمن.
تضخم تكاليف التسليح ودور شركات الدفاع
ويشير التقرير إلى أن تكاليف إنتاج الأسلحة الأمريكية شهدت ارتفاعاً متواصلاً خلال العقود الماضية، سواء في مجال الصواريخ أو الطائرات العسكرية ومنظومات الدعم اللوجستي، نتيجة إضافة مستويات متقدمة من الإلكترونيات وأنظمة التوجيه والاستشعار إلى مختلف أنواع الذخائر، ورغم أن هذه التطويرات عززت الدقة والفاعلية والقدرة على تجاوز أنظمة الدفاع المعادية، فإنها أسهمت في زيادة تكاليف التصنيع وإطالة دورات الإنتاج.
ويعزو خبراء في قطاع الصناعات الدفاعية جانباً من هذه المشكلة إلى عدم انتظام التمويل الذي يقره الكونغرس، إضافة إلى بطء اتخاذ القرارات داخل وزارة الدفاع، وهو ما ينعكس على استقرار خطوط الإنتاج وقدرة الشركات على التخطيط طويل الأمد، في المقابل، تستفيد شركات الصناعات العسكرية الكبرى من هذا النموذج، إذ تحقق إيرادات ضخمة من مبيعات الذخائر والأنظمة المتقدمة، فضلاً عن العقود الإضافية المرتبطة بالتحديثات والتطويرات المستمرة.
مخاوف متصاعدة بشأن الجاهزية العسكرية
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل الكونغرس والقيادة العسكرية الأمريكية بشأن قدرة الولايات المتحدة على إعادة بناء مخزوناتها العسكرية بالسرعة المطلوبة لمواجهة التهديدات المتنامية حول العالم.
وبحسب التقرير، كانت هذه المخاوف قائمة قبل اندلاع الحرب مع إيران، لكنها تصاعدت بصورة أكبر بعد التأثير المباشر للحرب على مخزونات الأسلحة الأمريكية، ما أعاد فتح النقاش حول مدى جاهزية القاعدة الصناعية الدفاعية لتلبية احتياجات الحروب الحديثة.
وفي هذا الإطار، أشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن الولايات المتحدة أطلقت خلال العام الجاري أكثر من ألف صاروخ من طراز "توماهوك" في إطار عملياتها العسكرية ضد إيران، بكلفة إجمالية لا تقل عن 2.5 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الترسانة الأمريكية والحاجة المتزايدة إلى حلول إنتاجية أكثر سرعة وأقل تكلفة للحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في المستقبل.

