كيف تحوّلت الحرب الأمريكية على إيران إلى أحد أبرز الانكسارات الإستراتيجية في التاريخ الأمريكي الحديث؟
ملخص :
في تحليل لافت نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، يخلص الأكاديمي، بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة جورجتاون - فرع قطر، إلى أن الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة على إيران تشكّل هزيمة إستراتيجية أكثر فداحة من حرب فيتنام، رغم أن الأخيرة تظل محفورة في الذاكرة الجماعية الأمريكية بوصفها الجرح الأعمق في تاريخ البلاد العسكري الحديث.
ويرى الكاتب أن خطورة هذه الحرب لا تكمن في حجم الخسائر البشرية أو في مشاهد الاحتجاجات التي قد ترافقها، بل في الضرر المباشر الذي ألحقته بالمصالح الجوهرية لواشنطن، وفي الأثر العميق الذي تركته على مكانتها كقوة عالمية أولى.
حرب اختارها ترامب بمفرده وانتهت إلى كارثة مزدوجة
يؤكد موسغريف أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم يُجبَر على دخول هذه الحرب، بل خاضها بصفتها "حربا اختيارية"، اتخذ قرار إطلاقها بمفرده دون أن تفرضها ظروف قاهرة أو تهديد وجودي مباشر، مضيفا بأن نتيجتها "كارثة سياسية وعسكرية" مزدوجة الأثر، إذ لم تنحصر تداعياتها في الداخل الأمريكي، بل امتدت لتشمل موازين القوى الإقليمية والدولية على نطاق أوسع، بما يجعلها - في تقدير الكاتب - حدثا فاصلا سيُعاد تقييمه لسنوات مقبلة.
غياب الزخم الشعبي لا يعني غياب الهزيمة
على عكس حرب فيتنام التي ارتبطت في الذهنية الأمريكية بمشاهد التعبئة العسكرية الواسعة وموجات الاحتجاج الشعبي التي عصفت بالجامعات والشوارع الأمريكية، لم تشهد الحرب على إيران أي حشد مماثل، كما ظل عدد القتلى الأمريكيين محدودا جدا مقارنة بالخسائر البشرية الهائلة التي تكبدتها الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا، ومع ذلك، يحذر موسغريف من الانخداع بهذا التباين الظاهري، معتبرا أن قلة الخسائر البشرية لا تعني بالضرورة قلة حجم الهزيمة، بل قد تكون غطاء يحجب حقيقة الانكسار الإستراتيجي الذي وقع.
معيار الهزيمة: حجم الضرر الإستراتيجي لا عدد الضحايا
يشدد الكاتب على أن قياس النتائج العسكرية لا ينبغي أن يتم وفق عدد القتلى أو الجرحى فحسب، بل وفق مدى تحقق - أو فشل - الأهداف الإستراتيجية الكبرى التي خرجت من أجلها القوة العسكرية، ووفق هذا المعيار، يرى موسغريف أن الحرب على إيران تمثل نموذجا صارخا على إخفاق إستراتيجي شامل، لأنها لم تُفضِ إلى أي من النتائج التي راهنت عليها واشنطن، بل أدت إلى نتائج معكوسة تماما لما كان متوقعا أو مرجوا.
فيتنام نموذجا: هزيمة مكلفة لم تُغيّر مسار التاريخ
يستعيد الكاتب درس فيتنام بوصفه نقطة مقارنة محورية، مذكرا بأن تلك الحرب، رغم كلفتها البشرية والسياسية الباهظة وما خلّفته من جروح عميقة في الوجدان الأمريكي، لم تنجح في تغيير مسار القوة الأمريكية على الساحة العالمية، فالولايات المتحدة، على الرغم من هزيمتها العسكرية في فيتنام، خرجت في نهاية المطاف منتصرة من الحرب الباردة، بل إن فيتنام نفسها تحوّلت لاحقا إلى شريك اقتصادي وسياسي مقرّب نسبيا من واشنطن، بمعنى آخر، كانت الهزيمة مكلفة لكنها لم تكن قاتلة على المستوى الإستراتيجي البعيد المدى.
إيران: معادلة معكوسة بالكامل
في المقابل، يرى موسغريف أن الحالة الإيرانية جاءت بنتائج معكوسة كليا، فبدلا من أن تخرج الولايات المتحدة من الحرب في موقع أقوى أو حتى محافظة على وضعها السابق، خرجت أضعف بشكل واضح مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة، وهنا يكمن، بحسب الكاتب، جوهر الفارق الجوهري بين الهزيمتين: فحرب فيتنام لم تُضعف الهيمنة الأمريكية العالمية، في حين أن الحرب على إيران فعلت ذلك بشكل مباشر وملموس.
ترسانة عسكرية تكشف عن حدودها أمام خصم أصغر
ويلفت الكاتب إلى أن الأداء العسكري الأمريكي في هذه الحرب، وإن أظهر تفوقا تكنولوجيا لافتا على الورق، كشف في الوقت ذاته عن محدودية الترسانة الأمريكية الفعلية وعدم جاهزيتها الكاملة لخوض نزاعات مطوّلة في مواجهة خصوم يمتلكون قدرا أكبر من العزم أو التنظيم، وهي ملاحظة يعتبرها موسغريف جرس إنذار يتجاوز الحالة الإيرانية، لما تحمله من دلالات بشأن استعداد واشنطن لمواجهات مستقبلية أكثر تعقيدا.
مأساة المدنيين ووصمة لا تُمحى
يشير الكاتب إلى أن صور الدمار وأنباء سقوط ضحايا من المدنيين الإيرانيين، ومن بينهم تلميذات قُتلن في واقعة وصفها بأنها نتجت عن خطأ في قواعد البيانات العسكرية الأمريكية، تحولت إلى رمز إنساني وأخلاقي ملازم لهذه الحرب، يصعب فصله عن أي تقييم سياسي أو عسكري لها، مؤكدا أن هذه الحوادث، إلى جانب كلفتها الإنسانية المباشرة، ألحقت ضررا بالغا بصورة واشنطن وشرعيتها الأخلاقية في الإقليم وخارجه.
اختراق الدفاعات الأمريكية يفتح بابا من التساؤلات المقلقة
من بين أكثر النقاط إثارة للقلق في تحليل موسغريف، نجاح إيران في اختراق بعض منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية، وهو ما يفتح - برأيه - بابا واسعا من التساؤلات بشأن مدى صلابة هذه الأنظمة وقدرتها الحقيقية على الصمود في وجه خصوم أكثر تنظيما وتسليحا، أو في حروب أطول نفسا وأكثر استنزافا، معتبرا أن هذا الاختراق، بصرف النظر عن حجمه الفعلي، يمثل ضربة معنوية ورمزية لهيبة الردع الأمريكي.
هدف سياسي يتبخر: صعود المتشددين بدل نظام موالٍ
ربما يكون أبرز إخفاقات هذه الحرب، بحسب موسغريف، أنها أنتجت نتيجة معاكسة تماما لما كانت تصبو إليه واشنطن سياسيا، فلم تُفضِ المواجهة إلى إسقاط النظام في طهران أو إقامة بديل موالٍ للولايات المتحدة، بل عملت -على العكس من ذلك- على تعزيز موقع التيار المتشدد داخل المعادلة الإيرانية، وجعلت الحرس الثوري الإيراني اللاعب الأقوى والأكثر تأثيرا في معادلة السلطة داخل الدولة، وبهذا، تحوّلت الحرب من أداة لتغيير موازين القوى الداخلية في إيران لصالح واشنطن، إلى عامل عزّز نفوذ القوى الأكثر تشددا تجاهها.
حدود القوة الجوية وصمود نووي لافت
ويُبيّن الكاتب إلى أن الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المشتركة، على الرغم من حدّتها، أظهرت بوضوح حدود ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية التقليدية وحدها، فالبرنامج النووي الإيراني، وفق تقييمه، صمد أمام جولتين متتاليتين من الهجمات المشتركة، وهو ما يجعل، برأي موسغريف، نجاح أي حملة عسكرية ثالثة مستهدفة لهذا البرنامج أمرا بعيد المنال، إن لم يكن مستبعدا بالكامل في المدى المنظور.
مضيق هرمز: ورقة ضغط جديدة تهدد النظام الاقتصادي العالمي
ويحذّر الكاتب من أن تداعيات هذه الحرب لم تبقَ حبيسة الحدود الإيرانية أو الإقليمية، بل امتدت لتطال بنية النظام الدولي بأكمله، فقد أدركت طهران، عمليا وميدانيا، أن قدرتها على تهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز تمنحها ورقة ضغط اقتصادية ذات تأثير عالمي يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع واشنطن أو تل أبيب، واصفا حرية الملاحة بأنها هدف إستراتيجي أمريكي ثابت منذ أكثر من قرنين من الزمن، محذرا من أن تحويل مضيق هرمز إلى أداة ضغط جيوسياسية متكررة قد يترك أضرارا دائمة على حركة التجارة العالمية واستقرار أسواق الطاقة.
لماذا لا يمكن تكرار "سيناريو فيتنام" بالانسحاب من الشرق الأوسط؟
على عكس ما حدث مع فيتنام، حيث تمكنت واشنطن في نهاية المطاف من الانسحاب وطيّ صفحة الحرب نسبيا، يرى الكاتب أن تكرار هذا المسار في الشرق الأوسط يبدو خيارا بالغ الصعوبة، بل شبه مستحيل في المدى القريب، ويعود ذلك إلى أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر تشابكا وترابطا بكثير مما كان عليه في عقد السبعينيات، وإلى أن منطقة الخليج تحوّلت إلى ركن أساسي من سلاسل التوريد العالمية، ليس فقط بفضل النفط والغاز، بل أيضا عبر موارد أخرى لا تقل أهمية مثل الهيليوم والأسمدة والألمنيوم، وهذا الترابط الاقتصادي العميق يجعل أي انسحاب أمريكي شامل من المنطقة محفوفا بمخاطر اقتصادية وجيوسياسية يصعب على واشنطن تحمل كلفتها.
عقد مقبل محفوف بالمخاطر تمتد آثاره إلى أوروبا وآسيا
يضيف الكاتب أن استمرار التحالف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة، إلى جانب التطور المتواصل في القدرات الصاروخية الإيرانية واحتمال تقدم برنامجها النووي من جهة أخرى، ينذران بمخاطر متصاعدة خلال العقد المقبل، لن تقتصر تداعياتها على منطقة الشرق الأوسط، بل قد تمتد آثارها لتلامس أوروبا وجنوب آسيا أيضا، في ظل منظومة أمنية وعالمية شديدة التشابك.
واشنطن تدخل المرحلة المقبلة من موقع أضعف داخليا وخارجيا
ويخلص موسغريف إلى أن الولايات المتحدة ستواجه هذه التداعيات المتوقعة في وضع أكثر هشاشة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي؛ فثقة الحلفاء التقليديين بقدرات واشنطن العسكرية والإستراتيجية ستتراجع تدريجيا، في حين سيزداد تردد الرأي العام الأمريكي الداخلي في دعم أي تدخلات خارجية جديدة بعد هذه التجربة، بينما سيصبح خصوم واشنطن، في الوقت ذاته، أكثر جرأة واستعدادا لتحدي إرادتها وردعها في ساحات أخرى من العالم.
تساؤلات التاريخ التي لن تكفيها الإجابات
يختم الكاتب تحليله بالقول إن المؤرخين سيتساءلون، بعد عقود من الآن، عن الأسباب الحقيقية التي دفعت واشنطن لخوض هذه الحرب، تماما كما فعلوا طويلا مع حرب فيتنام، لكنه يرى أن الإجابات، مهما بلغت دقتها أو تعدد مصادرها، لن تكون كافية لتبرير حرب يصفها بأنها واحدة من أكبر الإخفاقات الإستراتيجية في التاريخ الأمريكي الحديث، حربٌ اختارها رئيس بمفرده، فدفعت بالبلاد إلى موقع أضعف مما كانت عليه قبل أن تبدأ.

