واشنطن تكشف عن خارطة طريق لتوحيد ليبيا.. فما التفاصيل؟
ملخص :
في تصريحات حملت طابع الإعلان السياسي، كشف مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، عن ملامح خطة أميركية تستهدف رأب الصدع بين المؤسسات الليبية المتنازعة، وجمعها تحت سقف سلطة واحدة، في وقت تتزامن فيه هذه المساعي مع تشجيع واشنطن لكبرى شركاتها النفطية على تعميق حضورها الاستثماري في هذه البلاد الغنية بالموارد النفطية.
ونقلت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، في عددها الصادر، اليوم الأربعاء، عن بولس قوله إن جوهر المقترح الأميركي يقوم على تشكيل حكومة وطنية موحدة، ودمج كافة الأجهزة والمؤسسات المتوازية التي تتقاسم السلطة منذ سنوات الانقسام، واصفا هذا التصور بأنه لا يأتي بديلاً عن المسار الأممي، بل رافداً مكملاً للجهود التي تقودها الأمم المتحدة من أجل الوصول إلى انتخابات تشريعية ورئاسية جامعة، ومعتبراً أن الترتيب المطروح قد يشكّل صيغة انتقالية مؤقتة تسبق صناديق الاقتراع وتمهّد الطريق أمامها.
مسار مكمّل لا بديل عن صندوق الانتخابات
شدّد بولس، وفق ما أورده الصحيفة، على أن الهدف من المبادرة الأميركية ليس تجاوز الاستحقاق الانتخابي أو الالتفاف عليه، بل تذليل العقبات البنيوية التي حالت طوال السنوات الماضية دون إجراء الانتخابات، عبر توحيد مرجعية الحكم أولاً، ويكشف هذا التوجه عن قراءة أميركية مفادها أن استمرار ازدواجية السلطة التنفيذية، بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وحكومة موازية في الشرق، يُعَدّ العقبة الجوهرية أمام أي تسوية سياسية شاملة، وليس فقط الخلافات حول القاعدة الدستورية أو القوانين الانتخابية كما رجّحت قراءات سابقة لمسار الأزمة.
النفط الأميركي يتقدّم: استثمارات ضخمة وتوقعات بمضاعفة الإنتاج
لم يفصل بولس بين الشق السياسي والشق الاقتصادي للمبادرة، بل قدّمهما كمسارين متلازمين يخدم أحدهما الآخر. فقد أوضح أن الإدارة الأميركية تدفع شركات النفط الكبرى نحو توسيع استثماراتها على الأراضي الليبية، لافتاً إلى أن شركتي "كونوكو فيليبس"، و"شيفرون" الأميركيتين سبق أن وقّعتا اتفاقيات مع السلطات الليبية خلال العام الجاري 2026.
ومضى المستشار الأميركي في تقديراته متوقعاً أن يتضاعف إنتاج النفط الليبي خلال السنوات المقبلة، ليصل إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد الحالي، وهو رقم إن تحقق سيضع ليبيا في مصاف كبار منتجي النفط على مستوى العالم، ويعيد رسم موقعها على خارطة أسواق الطاقة الدولية، بعد سنوات من التراجع الذي خلّفته الحرب والانقسام السياسي والإغلاقات المتكررة لحقول الإنتاج وموانئ التصدير.
ويعكس هذا الربط بين الاستقرار السياسي والانفتاح النفطي فلسفة عمل واضحة لإدارة ترامب، التي تتعامل مع الملفات الإقليمية بمنطق الصفقات الذي يجمع بين الترتيبات الأمنية والسياسية من جهة، والمكاسب الاقتصادية المباشرة من جهة أخرى، في مقاربة تكرّس حضور الاستثمار كأداة لصياغة الاستقرار، لا نتيجة له فقط.
خطوات "تقدمية" تؤسس لخريطة الطريق
واستند بولس في تبرير واقعية المقترح إلى سلسلة من الخطوات التي وصفها بـ "التقدمية"، معتبراً أنها مهّدت الأرضية لما هو مطروح حالياً، ومن أبرز هذه الخطوات، اتفاق أُبرم في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي يتعلق بتمويل مشاريع تنموية تشمل شرق البلاد وغربها على قدم المساواة، إلى جانب توقيع موازنة وطنية موحدة في إبريل/نيسان الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ ما يزيد على عقد كامل من الانقسام المالي والإداري بين سلطتي طرابلس وبنغازي.
وأضاف بولس أن الطرفين الليبيين شاركا أيضاً في مناورات "فلينتلوك" العسكرية المشتركة، التي تقودها القيادة الأميركية لأفريقيا "أفريكوم"، في مؤشر إلى تقارب ميداني لا يقتصر على الشق السياسي وحده، كاشفا أن مسؤولين عسكريين في "أفريكوم" يعملون حالياً، بالتنسيق مع الجانبين الليبيين، على وضع خطة لتوحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، في خطوة تُعَدّ من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً ضمن أي مسار تسوية شامل، باعتبار أن السلاح كان وما يزال جوهر الصراع على السلطة في ليبيا.
هندسة جديدة للسلطة: حفتر الابن في الواجهة والدبيبة في موقعه
تكشف تفاصيل المقترح، بحسب ما أوردته "فاينانشال تايمز"، عن إعادة هيكلة دقيقة لتوزيع مواقع السلطة العليا في البلاد، فالخطة تنص على تصدّر صدام حفتر، نجل قائد قوات شرق ليبيا المشير خليفة حفتر، رئاسة مجلس رئاسي تنفيذي جديد، في حين يحتفظ عبد الحميد الدبيبة بموقعه على رأس حكومة الوحدة الوطنية، مع تكليف شخصية مقرّبة منه بحقيبة الملف الأمني على المستوى الوطني.
ترحيب مشروط وشكوك متصاعدة: هل يحتمل المشهد تسوية حقيقية؟
على الرغم من الطابع التفصيلي الذي حمله الإعلان الأميركي، فإن المقترح لم يحظ بإجماع في تقييمه، بل أثار موجة من التساؤلات والتحفظات بين دبلوماسيين ومحللين ليبيين ودوليين متابعين للملف عن قرب.
ففي قراءته للمشهد، رأى الباحث الليبي عماد الدين بادي أن المقاربة الأميركية تتسق تماماً مع النهج الذي تتبناه إدارة ترامب في تعاملها مع ملفات المنطقة، القائم على منطق الصفقات المرتبطة بالاستثمار المباشر، مضيفاً أن واشنطن تسعى عبر هذا الطرح إلى تثبيت بيئة سياسية مستقرة نسبياً، تتيح المجال لعقد مزيد من الاتفاقات الاقتصادية مستقبلاً، وفي مقدمتها عقود النفط والغاز.
في المقابل، ذهب الباحث في معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، تيم إيتون، إلى تقييم أكثر تشككاً، معتبراً أن معسكر حفتر لم يقدّم في أي محطة سابقة ما يفيد باستعداد حقيقي وجاد لتقاسم السلطة مع الطرف الآخر، وهو ما يضع علامات استفهام جوهرية حول مدى التزام هذا المعسكر بالشق التنفيذي من الاتفاق المقترح في حال المضي به، وتذهب أطراف مقرّبة من حكومة الدبيبة إلى مخاوف أعمق، مفادها أن أي ترتيب من هذا النوع قد يمنح صدام حفتر موطئ قدم رسمياً يتيح له، على المدى المتوسط، توسيع نفوذه تدريجياً للسيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها.
ولم تكن كلوديا غاتسيني، كبيرة المحللين في "مجموعة الأزمات الدولية"، أقل تحفظاً، حيث اعتبرت أن الحديث عن مصالحة فعلية بين المعسكرين المتنافسين شرقاً وغرباً لا يزال بعيداً كل البعد عن أرض الواقع، لافتة إلى أن الخطاب السياسي السائد حالياً في شرق ليبيا لا يعبّر عن أي توجه جاد نحو التوافق مع الطرف الآخر، بل يقوم في جوهره على ترسيخ استمرار الانقسام القائم بدلاً من تجاوزه، محذرة من أن تثبيت سلطة القوى المهيمنة حالياً على الأرض، دون إصلاح جوهري لقواعد الحكم، قد يضيّق هامش التغيير السياسي الممكن، ويؤجل فرص إجراء انتخابات حقيقية وتنافسية في الأفق القريب.
بين الطموح الأميركي وتعقيدات الواقع الليبي
تطرح هذه التباينات في وجهات النظر سؤالاً جوهرياً حول مآلات المقترح الأميركي: هل تنجح واشنطن في تحويل حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية إلى رافعة سياسية قادرة على تجاوز سنوات من الانسداد والتجاذب الليبي، أم أن المبادرة ستضاف إلى سجل طويل من المساعي الدولية التي تعثرت أمام تشابك المصالح المحلية وتمسّك كل طرف بمكاسبه القائمة؟
فبينما تراهن الإدارة الأميركية على مزيج من الحوافز الاقتصادية والترتيبات الأمنية المشتركة، عبر مسارات متوازية تشمل التمويل التنموي والموازنة الموحدة والتدريبات العسكرية المشتركة وملف توحيد المؤسسة العسكرية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بمدى استعداد الفاعلين المحليين أنفسهم للتنازل عن أوراق القوة التي يحوزونها، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية، لصالح صيغة حكم موحدة تخدم، نظرياً على الأقل، مصلحة الدولة الليبية ككل.
وفي ظل غياب أي مؤشرات واضحة حتى الآن على تجاوب فعلي من الأطراف الليبية مع التفاصيل الدقيقة لهذا المقترح، يبدو أن المسار المقبل سيظل مرهوناً بمعادلة دقيقة، بين الضغط الأميركي المتصاعد المدعوم بمصالح اقتصادية مباشرة، وبين قدرة الفرقاء الليبيين، وعلى رأسهم معسكر حفتر في الشرق وحكومة الدبيبة في الغرب، على تجاوز إرث الانقسام والشروع في مسار تسوية يحظى بقبول داخلي وشرعية شعبية حقيقية، بعيداً عن مجرد إعادة تدوير موازين القوى القائمة تحت غطاء سياسي جديد.

