مجموعة السبع توحد موقفها.. ضغوط متصاعدة وعقوبات أشد لدفع روسيا نحو السلام
ملخص :
اختتم قادة دول مجموعة السبع أعمال قمتهم، التي استمرت ثلاثة أيام في منتجع إيفيان الفرنسي، بإظهار درجة غير مسبوقة من التوافق بشأن تشديد الضغوط السياسية والاقتصادية على روسيا، في خطوة تهدف إلى دفع موسكو نحو الانخراط الجدي في مسار يفضي إلى إنهاء الحرب المستمرة في أوكرانيا.
وجاءت مخرجات القمة في وقت تتزايد فيه المؤشرات على حدوث تحول في مقاربة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تجاه الأزمة الأوكرانية، بعد أشهر من المواقف التي اتسمت بالحذر، ما عزز آمال الحلفاء الأوروبيين في بناء جبهة غربية أكثر تماسكا في مواجهة روسيا.
وشارك في القمة قادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان، حيث تركزت المباحثات على ملفين رئيسيين هما التطورات المرتبطة بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية، والجهود الرامية إلى تكثيف الضغوط على موسكو عبر حزمة جديدة من الإجراءات والعقوبات الاقتصادية.
بيان موحد يمنح دفعة للموقف الأوروبي
وعلى خلاف محطات سابقة شهدت تباينات واضحة بين ضفتي الأطلسي، نجح قادة المجموعة في التوصل إلى بيان ختامي مشترك تناول أبرز القضايا الجيوسياسية والأمنية، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع روسيا.
ويُنظر إلى هذا التوافق بوصفه مكسبا سياسيا مهما للدول الأوروبية الساعية إلى توحيد الموقف الغربي تجاه موسكو، خاصة في ظل الحاجة إلى تنسيق أكبر بشأن العقوبات والدعم العسكري والجهود الدبلوماسية المرتبطة بالحرب.
ألمانيا: نجاح حقيقي ورسالة وحدة عبر الأطلسي
المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، وصف البيان المشترك بأنه إنجاز سياسي بارز يعكس تحولا في مستوى التنسيق بين الحلفاء الغربيين، مشيرا إلى أنه يمثل لغة مشتركة تجاه أبرز الملفات الأمنية والدبلوماسية المطروحة على الساحة الدولية، مؤكدا أن القمة سجلت للمرة الأولى منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض توافقا جماعيا حول قضايا السياسة الخارجية والأمن، معتبرا أن ذلك يعكس درجة متقدمة من الوحدة والتنسيق بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.
عقوبات أوسع واستهداف مباشر لاقتصاد الحرب الروسي
وتضمن البيان الختامي التزاما بتوسيع نطاق العقوبات المفروضة على روسيا، مع التركيز بصورة خاصة على مصادر تمويل المجهود الحربي الروسي، وفي مقدمتها عائدات قطاع الوقود الأحفوري، كما شدد القادة على أهمية مواصلة دعم أوكرانيا عسكريا، لا سيما في مجال الدفاعات الجوية، بهدف تعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات الروسية وحماية البنية التحتية الحيوية والمدن الرئيسية.
ويرى مراقبون أن التركيز على الجوانب الاقتصادية للحرب يعكس قناعة متزايدة لدى الدول الغربية بأن الضغط المالي المستدام قد يكون أحد أكثر الأدوات فاعلية في دفع موسكو نحو إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية.
ماكرون: واشنطن باتت أقرب إلى الرؤية الأوروبية
من جانبه، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن القمة كشفت عن تحول ملموس في المقاربة الأمريكية تجاه الحرب، مؤكدا أن الإدارة الأمريكية باتت أقرب إلى تقييم الأوروبيين لطبيعة الموقف الروسي، مشيرا إلى أن ترامب توصل إلى قناعة بأن القيادة الروسية لا تبدي حتى الآن استعدادا حقيقيا للدخول في مفاوضات سلام جادة، وهو ما يستدعي الحفاظ على الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية لزيادة كلفة استمرار الحرب.
ميلوني: تقارب واسع وغياب للخلافات
أما رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، فأكدت أن النقاشات المتعلقة بالملف الأوكراني أظهرت مستوى مرتفعا من الانسجام بين قادة المجموعة، مشيرة إلى أن المواقف بدت متقاربة إلى حد كبير، دون بروز خلافات جوهرية بشأن آليات التعامل مع الأزمة.
ترامب يتبنى لهجة أكثر تشددا تجاه موسكو
وشهدت القمة مشاركة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي أجرى سلسلة لقاءات مع القادة الغربيين، في وقت برز فيه تشدد أكبر في خطاب الرئيس الأمريكي تجاه روسيا.
وأكد ترامب أن على موسكو العمل من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، معربا عن استيائه من استمرار سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى على جانبي الصراع.
كما أشاد بالمباحثات التي أجراها مع زيلينسكي خلال القمة، إضافة إلى الاتصال الهاتفي الذي جمعه مؤخرا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في إشارة إلى استمرار القنوات الدبلوماسية المفتوحة رغم تصاعد الضغوط الغربية.
دعم القدرات الدفاعية الأوكرانية
وفي إطار الدعم العسكري لكييف، كشفت مصادر دبلوماسية أن قادة مجموعة السبع اتفقوا على منح تراخيص للشركات العاملة داخل أوكرانيا لإنتاج صواريخ بعيدة المدى ومنظومات دفاع جوي، بما يساهم في تعزيز القدرات التصنيعية المحلية وتقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية.
ويمثل هذا التوجه خطوة استراتيجية تهدف إلى ضمان استدامة الدعم العسكري لأوكرانيا على المدى الطويل، في ظل استمرار الحرب واستنزاف المخزونات الغربية من بعض أنواع الأسلحة والذخائر.
تحركات أوروبية موازية لإحياء المسار الدبلوماسي
وبالتوازي مع سياسة الضغوط والعقوبات، تواصل الدول الأوروبية البحث عن قنوات اتصال تسمح بإحياء المسار السياسي للحرب، انطلاقا من قناعة متزايدة بأن أي تسوية مستدامة ستتطلب في نهاية المطاف حوارا مباشرا مع موسكو.
وفي هذا السياق، أجرى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا اتصالات مع مسؤولين مقربين من الكرملين بهدف استكشاف فرص فتح مسار تفاوضي أكثر جدية خلال المرحلة المقبلة، ووفقا لمصادر مطلعة، تضمنت هذه التحركات اتصالات هاتفية أجراها كبار مستشاري كوستا مع مسؤول روسي رفيع المستوى، في محاولة لتهيئة الأرضية أمام محادثات أوسع تتناول مستقبل الحرب وترتيبات الأمن الأوروبي.
مقترحات أوروبية للوساطة وسط تباين في الآراء
كما شهدت الأوساط الأوروبية نقاشات بشأن إمكانية تعيين مبعوث خاص يتولى التواصل مع موسكو والمساهمة في جهود الوساطة السياسية، إلا أن هذا المقترح لا يزال يثير جدلا داخل الاتحاد الأوروبي، نظرا لحساسية اختيار شخصية تحظى بقبول الطرفين، وقد أعاد هذا النقاش إلى الواجهة اسم المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر، الذي تربطه علاقات طويلة الأمد بمؤسسات اقتصادية روسية، الأمر الذي يثير تحفظات واسعة داخل العديد من العواصم الأوروبية.
وفي الوقت ذاته، تعمل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بشكل منفصل على بلورة رؤية مشتركة لكيفية إشراك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أي مفاوضات سلام مستقبلية، بالتنسيق مع القيادة الأوكرانية.
حسابات الميدان والاقتصاد تفتح نافذة للتفاوض
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الظروف الحالية قد توفر فرصة لإعادة تنشيط الجهود الدبلوماسية، في ظل التحديات التي تواجهها القوات الروسية على جبهات القتال، وتصاعد الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي، إلى جانب الأعباء الاقتصادية المتزايدة التي تفرضها الحرب على موسكو.
وبينما لا تزال فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة غير واضحة، تعتقد عواصم غربية أن الجمع بين الضغوط الاقتصادية والدعم العسكري والانفتاح الدبلوماسي قد يشكل المسار الأكثر واقعية لدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات وإنهاء واحدة من أكثر الحروب تعقيدا وتأثيرا في أوروبا منذ عقود.

