بعد 3 سنوات من الحرب.. 14 مليون سوداني شردتهم المعارك والأزمة أبعد من نهايتها
ملخص :
في حوار مع صحيفة "لوموند الفرنسية"، حذرت ممثلة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في السودان، ماري هيلين فيرني، من أن السودان لا يزال غارقا في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية عالميا، رغم مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مضيفة أن تراجع حدة المعارك التقليدية في بعض الجبهات لا يعني انتهاء الحرب أو اقترابها من نهايتها، مشيرة إلى أن الصراع دخل مرحلة جديدة تتسم بتغير أنماط القتال واتساع نطاق الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تستهدف مواقع عسكرية ومدنية على حد سواء، ما يبقي المخاطر الأمنية قائمة ويزيد من معاناة السكان.
أكبر موجة نزوح يشهدها العالم
وأكدت المسؤولة الأممية أن السودان بات يمثل أكبر أزمة نزوح في العالم في الوقت الراهن، بعدما أجبرت الحرب أكثر من 14 مليون شخص على مغادرة منازلهم، فيما لجأ نحو 5 ملايين سوداني إلى دول الجوار، وفي مقدمتها مصر وتشاد وجنوب السودان.
ورغم تسجيل عودة أكثر من 4 ملايين شخص إلى مناطقهم خلال الفترة الماضية، فإن هذه العودة لا تعكس بالضرورة تحسنا حقيقيا في الأوضاع الأمنية أو الإنسانية، بل ترتبط في كثير من الحالات بتدهور الظروف المعيشية داخل مخيمات اللجوء ومراكز الإيواء في الدول المجاورة، نتيجة نقص التمويل وتراجع الخدمات الأساسية وغياب فرص العمل.
الخرطوم بين الرمزية السياسية وواقع الدمار
وأوضحت فيرني أن العاصمة الخرطوم، التي استعاد الجيش السوداني السيطرة عليها خلال عام 2025، ما تزال تعاني آثارا واسعة للحرب التي خلفت دمارا كبيرا في البنية التحتية والمرافق الحيوية، فضلا عن انهيار اقتصادي انعكس على مختلف مناحي الحياة، مشيرة إلى أن الخدمات الأساسية لم تستعد عافيتها بعد، فيما يواجه السكان صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والسلع الضرورية بسبب اضطراب الأسواق ونقص الإمدادات.
ورغم تشجيع السلطات السودانية المواطنين على العودة إلى العاصمة بالنظر إلى الأهمية السياسية والرمزية لاستعادتها، فإن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ترى أن الظروف الحالية لا تزال بعيدة عن توفير مقومات العودة الآمنة والمستدامة، خصوصا مع استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة وتواصل تسجيل موجات نزوح جديدة بشكل شبه يومي.
عقبات قانونية واجتماعية تعرقل الاستقرار
ولفتت المسؤولة الأممية إلى أن تحديات ما بعد النزوح لا تقتصر على إعادة إعمار المدن أو إصلاح البنية التحتية، بل تمتد إلى معالجة التداعيات الاجتماعية والقانونية التي أفرزتها سنوات الحرب، فالكثير من العائدين يواجهون نزاعات تتعلق بملكية الأراضي والمنازل نتيجة طول أمد النزوح والتغيرات التي طرأت على المجتمعات المحلية خلال سنوات الصراع، الأمر الذي يهدد بخلق بؤر توتر جديدة إذا لم تتم معالجته ضمن أطر قانونية واضحة.
كما كشفت أن أعدادا كبيرة من السودانيين فقدوا وثائقهم الرسمية، بما في ذلك بطاقات الهوية وجوازات السفر وسندات الملكية، مشيرة إلى أن نحو 90% من العائدين يفتقرون إلى هذه الوثائق، ما يحرمهم من الوصول إلى العديد من الخدمات الأساسية ويعقد إجراءات استعادة حقوقهم القانونية.
انقسامات مجتمعية تهدد فرص السلام
وتحدثت فيرني عن تصاعد التوترات الاجتماعية بين مكونات المجتمع السوداني، موضحة أن بعض النازحين القادمين من إقليم دارفور إلى الخرطوم يتعرضون للاشتباه أو الاحتجاز بسبب خلفياتهم الجغرافية أو الانطباعات السائدة بشأن مواقف مناطقهم من أطراف النزاع، مضيفة أن حالات الاعتقال التعسفي طالت في بعض الأحيان موظفين يعملون مع الأمم المتحدة، معتبرة أن هذه الوقائع تعكس حجم الانقسامات وفقدان الثقة الذي خلفته الحرب داخل المجتمع.
وشددت على أن إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتعزيز المصالحة بين المكونات المختلفة تمثلان شرطا أساسيا لتحقيق سلام مستدام، مؤكدة أن أي جهود لإعادة الإعمار ستظل محدودة الأثر ما لم تترافق مع خطوات جادة لمعالجة آثار الاستقطاب والانقسام المجتمعي.
أزمة تمويل تضغط على العمل الإنساني
وعلى الصعيد الإنساني، حذرت ممثلة المفوضية من تفاقم أزمة التمويل التي تواجهها المنظمات الدولية العاملة في السودان، في ظل تراجع المساهمات المالية القادمة من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، قائلة إن هذا التراجع أجبر المنظمات الإنسانية على اتخاذ إجراءات صعبة شملت إغلاق بعض المراكز الصحية وتقليص برامج إغاثية وخدمية حيوية، ما انعكس مباشرة على الفئات الأكثر هشاشة واحتياجا.
وأوضحت أن التحدي لا يكمن فقط في حجم التمويل المتاح، بل أيضا في طبيعة تخصيصه، إذ إن جزءا كبيرا من الأموال يوجه إلى برامج محددة وفقا لأولويات الجهات المانحة، بينما تحتاج المنظمات الإنسانية إلى موارد أكثر مرونة تمكنها من الاستجابة السريعة للاحتياجات الملحة والمتغيرة على الأرض.
تصاعد المواجهات وتغير طبيعة القتال
وفي الشق العسكري، أكدت المسؤولة الأممية أن العمليات القتالية لم تتوقف، بل شهدت تصعيدا ملحوظا في مناطق كردفان خلال الأشهر الأخيرة، في وقت أصبحت فيه الطائرات المسيّرة أحد أبرز أدوات الحرب، الأمر الذي زاد من مخاطر استهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.
وأشارت إلى تعرض قوافل تابعة للأمم المتحدة لهجمات في دارفور، دون التمكن من تحديد الجهة المسؤولة عنها بشكل قاطع، نظرا لاعتماد أطراف النزاع أساليب قتالية متشابهة، موضحة أن موسم الأمطار، الذي كان في السابق يفرض تهدئة غير معلنة بفعل صعوبة التحركات العسكرية، لم يعد يؤدي الدور نفسه، ما يعكس تحولا في طبيعة العمليات العسكرية واستمرار المواجهات بوتيرة مرتفعة على مدار العام.
وقف إطلاق النار.. المدخل الوحيد للخروج من الأزمة
وخلصت فيرني إلى أن عودة أعداد كبيرة من النازحين لا ينبغي تفسيرها باعتبارها مؤشرا على انتهاء الحرب أو تجاوز تداعياتها، بل إنها تعكس في كثير من الأحيان انعدام الخيارات المتاحة أمام ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم بين أوضاع قاسية في مناطق اللجوء وظروف معيشية وأمنية صعبة داخل بلادهم.
وأكدت أن إعادة بناء السودان تتطلب أكثر من إعادة إعمار المدن والبنى التحتية وإنعاش الاقتصاد، إذ تستدعي أيضا معالجة الانقسامات الاجتماعية العميقة وإعادة بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.
وبحسب رؤية الأمم المتحدة، فإن التوصل إلى وقف شامل ومستدام لإطلاق النار يبقى الخطوة الأساسية والضرورية لوقف التدهور الإنساني وتهيئة الظروف أمام مسار حقيقي للاستقرار والتعافي، وإنقاذ السودان من استمرار واحدة من أشد الأزمات الإنسانية إيلاما في العالم المعاصر.

