10 سنوات على بريكست.. بين صمود الاتحاد الأوروبي وجدل المكاسب البريطانية
ملخص :
بعد مرور عقد كامل على التصويت البريطاني لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، لا تزال تداعيات "بريكست" محل نقاش واسع في الأوساط السياسية والاقتصادية الأوروبية والبريطانية، وبينما يتفق كثيرون على أن القرار شكّل نقطة تحول كبرى في تاريخ القارة، فإن الخلاف ما زال قائما بشأن حصيلة هذه الخطوة وانعكاساتها على مستقبل بريطانيا والاتحاد الأوروبي على حد سواء.
وفي هذا السياق، قدمت صحيفتا "غارديان" و"تلغراف" قراءتين مختلفتين لمسار الأحداث خلال السنوات العشر الماضية، حيث ركزت الأولى على تأثير الانفصال في الاتحاد الأوروبي، فيما دافعت الثانية عن تجربة بريطانيا خارج التكتل الأوروبي.
الاتحاد الأوروبي.. من مخاوف التفكك إلى تعزيز التماسك
ترى صحيفة "غارديان" أن خروج بريطانيا لم يؤد إلى سلسلة الانهيارات التي توقعها بعض مؤيدي الانفصال في أوروبا، بل ساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز تماسك الاتحاد الأوروبي وترسيخ قناعة لدى العديد من الدول الأعضاء بأهمية البقاء ضمن المنظومة الأوروبية.
وتستعيد الصحيفة الأجواء التي أعقبت استفتاء عام 2016، عندما انتشرت توقعات بأن يؤدي القرار البريطاني إلى موجة انسحابات متتالية تشمل دولا مؤثرة مثل فرنسا وهولندا وإيطاليا، إلا أن تلك السيناريوهات لم تتحقق، وعلى العكس من ذلك، لم تقدم أي دولة عضو على اتخاذ خطوة مماثلة، بينما تحول بريكست في نظر عدد من المسؤولين الأوروبيين السابقين إلى نموذج يبرز التكاليف السياسية والاقتصادية المترتبة على مغادرة الاتحاد.
وبحسب هذه القراءة، أسهمت التجربة البريطانية في تعزيز جاذبية المشروع الأوروبي بدلا من إضعافه، ورسخت لدى العديد من الحكومات والشعوب الأوروبية قناعة مفادها أن البقاء داخل الاتحاد يوفر قدرا أكبر من الاستقرار السياسي والاقتصادي مقارنة بخيار الانفصال.
توسع أوروبي مدفوع بالتحديات الجيوسياسية
وعوضا عن موجة التفكك التي خشيها البعض، شهد الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة زخما جديدا نحو التوسع، مدفوعا بالتحولات الأمنية والجيوسياسية التي فرضتها الحرب الروسية على أوكرانيا وتصاعد التوترات الدولية.
وفي هذا الإطار، أطلق الاتحاد مفاوضات الانضمام مع أوكرانيا ومولدوفا، فيما اكتسبت دول غرب البلقان زخما إضافيا في مسار الاندماج الأوروبي، كما عاد النقاش حول العضوية إلى الواجهة في دول مثل آيسلندا والنرويج، وهو ما يعكس تحولا واضحا في المزاج السياسي الأوروبي باتجاه مزيد من التقارب والتكامل بدلا من الانعزال والانفصال.
بريكست وتأثيره على السياسات الأوروبية
ويشير تقرير "غارديان" إلى أن الاتحاد الأوروبي نجح في تعزيز مستوى التنسيق بين أعضائه، خصوصا في الملفات الأمنية والدفاعية، حيث لعب دورا أكثر فاعلية في دعم أوكرانيا من خلال برامج ومبادرات تمويلية جديدة، من بينها آليات الدعم العسكري المشتركة.
ومع ذلك، لا يخفي بعض المسؤولين الأوروبيين أن مغادرة بريطانيا تركت آثارا ملموسة على التكتل، لاسيما في المجالات الاقتصادية والتنظيمية، فقد كانت لندن تمثل صوتا مؤثرا في قضايا الأسواق والتكنولوجيا والتنافسية، وهو ما أدى إلى تراجع مستوى التنوع في بعض النقاشات والسياسات الأوروبية بعد خروجها.
إعادة صياغة العلاقة بين لندن وبروكسل
على الصعيد السياسي، تكشف التجربة الممتدة لعشر سنوات عن تباين في تقييم بريكست حتى بين القوى الأوروبية التي لطالما أبدت تحفظات تجاه الاتحاد، فبينما يرى بعض السياسيين أن بريطانيا كانت شريكا أساسيا داخل المنظومة الأوروبية رغم الخلافات المتكررة معها، يؤكد آخرون أن دولا كانت أكثر تشككا، مثل إيطاليا، أصبحت اليوم أكثر اندماجا في المشروع الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، تتجه العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي نحو مرحلة أكثر هدوءا وبراغماتية مقارنة بسنوات التوتر الأولى التي أعقبت الانفصال، وتبرز في هذا السياق محاولات متزايدة لتوسيع التعاون في ملفات عملية تشمل التجارة والبيئة والمناخ وبرامج تنقل الشباب.
ورغم هذا الانفتاح النسبي، تشير تقديرات أوروبية إلى أن بريطانيا لم تعد تحتل الموقع المركزي نفسه في أولويات الاتحاد، وإن كان هناك اعتراف مستمر بأن غيابها أضعف بعض المواقف المشتركة داخل التكتل.
مؤيدو بريكست: نبوءات الانهيار لم تتحقق
في المقابل، يقدم الكاتب، دانيال هنان، في صحيفة "تلغراف" تقييما مختلفا لتجربة الخروج، معتبرا أن مرور عشر سنوات أثبت أن التحذيرات الاقتصادية التي أطلقها أنصار البقاء داخل الاتحاد الأوروبي لم تتحقق بالشكل الذي جرى الترويج له قبل الاستفتاء.
ويرى الكاتب أن نتيجة استفتاء عام 2016 ينبغي التعامل معها باعتبارها قرارا ديمقراطيا حاسما، منتقدا استمرار الدعوات التي تشكك في شرعية التصويت أو تطالب بإعادة النظر فيه من خلال استفتاء جديد، مستندا في موقفه إلى أن السيناريوهات التي تحدثت عن ركود اقتصادي فوري وانهيار الأسواق وارتفاع معدلات البطالة عقب الخروج لم تتحقق، معتبرا أن ذلك يضعف الحجج التي استند إليها معسكر البقاء خلال الحملة الانتخابية.
جدل مستمر حول الأداء الاقتصادي
ويذهب الكاتب إلى أن الجدل الدائر بشأن التأثير الاقتصادي لبريكست غالبا ما يتجاوز المعطيات الواقعية، مشيرا إلى أن جزءا من التحديات الاقتصادية التي تواجهها بريطانيا يعود إلى عوامل داخلية تتعلق بالسياسات الضريبية والتشريعات التنظيمية والقيود المرتبطة بالتحول البيئي، أكثر مما يرتبط مباشرة بقرار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.
كما ينتقد الاعتماد المتكرر على تقديرات اقتصادية تتحدث عن خسائر في النمو البريطاني نتيجة الخروج، معتبرا أن بعض هذه الأرقام تحولت إلى أدوات سياسية تستخدم في السجال العام أكثر من كونها مؤشرات اقتصادية حاسمة.
انتقادات لسياسة "إعادة الضبط"
ويوجه هنان انتقادات للحكومة البريطانية الحالية بسبب ما يصفه بسياسة التنازلات التدريجية تجاه بروكسل تحت عنوان "إعادة ضبط العلاقات"، لافتا أن العودة إلى بعض البرامج الأوروبية أو مواءمة التشريعات البيئية والتجارية مع المعايير الأوروبية تتم دون تحقيق مكاسب واضحة ومقابلة للمملكة المتحدة.
وبحسب هذا الطرح، فإن هذه الخطوات تعكس اعتبارات وضغوطا سياسية أكثر من كونها خيارات اقتصادية مدروسة، وتؤدي تدريجيا إلى إعادة ربط بريطانيا بالمجال التنظيمي الأوروبي رغم خروجها الرسمي من الاتحاد.
عقد من بريكست.. نتائج مفتوحة على التأويل
تكشف حصيلة السنوات العشر الماضية أن بريكست لم يحقق السيناريوهات القصوى التي روج لها الطرفان المتقابلان في النقاش، فالخروج البريطاني لم يؤد إلى تفكك الاتحاد الأوروبي أو إضعافه بصورة جوهرية، كما لم يتسبب في الانهيار الاقتصادي الذي حذر منه معارضوه.
وفي المقابل، أسهم القرار في إعادة تشكيل أولويات الاتحاد الأوروبي وتعزيز توجهاته نحو التوسع والتكامل الأمني، بينما دخلت بريطانيا مرحلة جديدة من البحث عن موقعها السياسي والاقتصادي خارج المنظومة الأوروبية، وبين هذين المسارين، لا يزال الجدل قائما حول ما إذا كان بريكست يمثل نجاحا استراتيجيا أم فرصة ضائعة، في ظل استمرار محاولات الطرفين بناء علاقة تقوم على المصالح المشتركة والتعاون البراغماتي بعيدا عن صراعات مرحلة الانفصال.

