مع بدء مفاوضات سويسرا.. الاتفاق الأمريكي-الإيراني بين أمل الاستقرار ومخاوف الانهيار
ملخص :
على الرغم من موجة الترحيب الدولي التي استقبلت الاتفاق الإطاري الذي توصّل إليه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع الجانب الإيراني، فإن قراءة متأنية لردود فعل عواصم العالم تكشف أن هذا الترحيب لا يخلو من تحفظات جوهرية ومخاوف مشروعة، فرئيس التحرير الدبلوماسي، جيم تانكرسلي، في تحليل نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، رصد بدقة ما يجري خلف الكواليس، مشيراً إلى أن معظم القادة والحكومات يتعاملون مع هذا الاتفاق بوصفه خطوة أولى على طريق شائك طويل، وليس تسوية شاملة للأزمة المتجذرة في الشرق الأوسط.
تتشابك في المشهد الدولي الراهن خيوط الأمل والقلق بصورة لافتة؛ فالأمل يتجلى في أن الاتفاق أسدل الستار على مرحلة حادة من التصعيد العسكري المباشر، وأعاد فتح نافذة الحوار بين واشنطن وطهران بعد سنوات من الجفاء والمواجهة، أما القلق، فمصدره أن جوهر الخلاف لم يُعالَج بعد، إذ أُرجئت معظم القضايا الحساسة إلى مفاوضات مرتقبة، تبقى نتائجها رهينة بتحولات الميدان وتقلبات السياسة.
وتزداد المخاوف الاقتصادية حدةً حين يُدرك المراقبون أن مضيق هرمز، الشريان النفطي الذي تعبر عبره قرابة ربع صادرات الطاقة العالمية، لم تُستعَد حركته الكاملة إلا مؤقتاً، في غياب ضمانات دائمة تحفظ سلامة الملاحة فيه، وهذا الوضع الهش يُنذر باحتمال إعادة فرض قيود على الملاحة عند أي اضطراب في مسار المفاوضات، مما سيُفضي حتماً إلى موجة من الارتفاع الحاد في أسعار النفط وتكاليف الشحن والطاقة، وستتحمل عبأها أولاً الاقتصادات الآسيوية والأوروبية والأسواق الناشئة.
العدوان الإسرائيلي على لبنان يتصدر قائمة المفاوضات
وعلى وقع المفاوضات، وصل نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، إلى الأراضي السويسرية لقيادة جولة جديدة من المباحثات المباشرة مع الجانب الإيراني، وقبيل مغادرته واشنطن، أكد فانس أن إحراز تقدم ملموس نحو تهدئة الوضع في لبنان ووقف إطلاق النار يُشكّل أولوية قصوى على رأس جدول الأعمال، وذلك في أعقاب تجدد الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، في المقابل، كشف مسؤول إيراني لشبكة CNN أن إنهاء النزاع اللبناني يحتل المرتبة الأولى في سلّم أولويات الوفد الإيراني المفاوض.
وأشارت مصادر دبلوماسية مطلعة نقلتها شبكة CNN إلى إدراج جلسة طارئة مخصصة للملف اللبناني في مقدمة جدول أعمال المحادثات، لتكون أولى القضايا التي يتناولها الوفدان الأمريكي والإيراني، وقد جاء هذا القرار في سياق مثير، إذ شهدت زيارة فانس في البداية تأخيراً بسبب تصاعد التوترات الأمنية في لبنان، وإرجاء الجانب الإيراني مشاركته مؤقتاً، قبل أن يؤكد في مرحلة لاحقة حضوره وانخراطه الكامل في المفاوضات.
الملف النووي.. قنبلة موقوتة
يظل الملف النووي الإيراني النقطة الأكثر إثارة للقلق في جسد هذا الاتفاق الهش، فالوثيقة الإطارية التي وُقِّعت لا تُلزم طهران بنقل مخزونها من المواد النووية المخصّبة إلى خارج حدودها، ولا تضع قيوداً صريحة وملزمة على مواصلة برامج التخصيب مستقبلاً، وهذا الغموض المقصود أو المتعمد في صياغة البنود يثير قلقاً بالغاً لدى الدول الأوروبية والإدارة الأمريكية على حدٍّ سواء، إذ تخشى هذه العواصم أن تعود الأزمة النووية إلى الواجهة بمجرد انتهاء مرحلة التهدئة الراهنة.
أسلحة إيران والوكلاء الإقليميون: الملفات المنسية في أدراج المفاوضين
لا يقتصر القلق الإقليمي على البُعد النووي وحده، بل يمتد ليشمل المنظومة العسكرية التقليدية الإيرانية بأسرها، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ الباليستية وأسراب الطائرات المسيّرة التي أثبتت فاعلية تدميرية في سياق المواجهات الأخيرة، غير أن هذه المنظومة بمجملها ظلت خارج نطاق أي اتفاق أو نقاش، مما يعني أن إيران تحتفظ بترسانة عسكرية كاملة في غياب أي قيود تفاوضية.
والأمر الأكثر إثارة للتساؤل هو أن نص الاتفاق الإطاري أغفل كلياً الإشارة إلى شبكة التحالفات الإقليمية الإيرانية، لا سيما علاقاتها العضوية مع حزب الله في لبنان وجماعة الحوثيين في اليمن، وقد رأى طيف واسع من المحللين الاستراتيجيين أن هذا الإغفال المتعمد يمنح طهران هامشاً واسعاً للحفاظ على أدوات نفوذها وأذرعها العسكرية والسياسية في المنطقة، في ظل غياب أي التزامات واضحة تقيّد حرية حركتها أو تضع حدوداً لتدخلاتها.
ويُضاف إلى ذلك مخاوف متصاعدة من أن يُفضي أي تخفيف للضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران إلى توفر سيولة مالية إضافية تُوظّفها طهران في إعادة بناء قدراتها العسكرية وتعزيز حضورها الإقليمي عبر وكلائها. ولهذا، تنظر كثير من العواصم العربية إلى هذا الاتفاق على أنه معالجة منقوصة لأزمة معقدة، لا تمسّ جذورها الحقيقية، ولا تعالج المخاوف الأمنية المتراكمة على مدار سنوات.
إسرائيل: العامل المجهول الذي قد يُفجّر الاتفاق من الداخل
يُشكّل الموقف الإسرائيلي أحد أخطر عوامل عدم الاستقرار التي تُهدد مسيرة الاتفاق، ولا يمكن تجاهله في أي قراءة تحليلية موضوعية، فقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية صراحة وبشكل لافت أنها لا تعتبر نفسها طرفاً ملزماً بأي من بنود هذا الاتفاق، بل واصلت تنفيذ عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية على الرغم من الضغوط الدولية الداعية إلى التهدئة واحترام وقف إطلاق النار.
وقد بعثت الولايات المتحدة ومعها عدد من الحلفاء الأوروبيين برسائل ضغط مكثفة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، تحثّه على كبح العمليات العسكرية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن نجاح المسار التفاوضي يستلزم حتماً تهدئةً شاملة على كافة الجبهات المتقدة، بيد أن الموقف الإسرائيلي المتصلب يُولّد مخاوف حقيقية من أن أي تصعيد عسكري جديد بين إسرائيل وحزب الله، أو بينها وإيران مباشرة، قد يُطيح بالتفاهمات الهشة الراهنة ويُعيد المنطقة إلى دوامة المواجهة.
باكستان تنضم للمشهد: دور الوسيط في أروقة جنيف
على هامش هذه المباحثات الدقيقة، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية عن مشاركة وفد رفيع في محادثات جنيف، مُهمته البحث في آليات تطبيق مذكرة التفاهم المُبرمة بين الأطراف المعنية، ونوّهت الخارجية الباكستانية إلى أن هذه الجلسات تُمثّل المشاركة الرسمية الأولى والتواصل الدبلوماسي الأول بين الأطراف منذ الإبرام الرسمي لمذكرة التفاهم، مشيرةً إلى أن الوفد سيعقد سلسلة من اللقاءات الثنائية على هامش المحادثات الرئيسية، بهدف تجسيد التزام إسلام آباد بنهج الحوار المتوازن وتعزيز المساعي الرامية إلى إتمام الإجراءات التمهيدية لتوقيع المذكرة بصورة نهائية.
وتُلقي المشاركة الباكستانية بظلالها المثيرة للاهتمام على المشهد الدبلوماسي، في ضوء ما تتمتع به إسلام آباد من علاقات تاريخية راسخة مع طهران من جهة، وشراكة استراتيجية وثيقة مع واشنطن من جهة أخرى، مما يُهيّئها لأداء دور الوسيط الفاعل أو حلقة الوصل الضرورية في المرحلة الدقيقة المقبلة.
ستون يوماً تُحدد مصير المنطقة: بين السلام الدائم والهدنة العابرة
يُشكّل الاتفاق الإطاري الذي وُقِّع الأسبوع الماضي بين واشنطن وطهران نقطة انطلاق لمسار شاق، يمتد على مدى ستين يوماً تسعى فيها الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق نهائي يُعالج بالتفصيل التقني والقانوني الدقيق كافة القضايا العالقة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وهي مهلة زمنية تبدو ضيّقة قياساً بعمق الخلافات وتشعّب ملفاتها، خاصة وأن الظرف الإقليمي ينطوي على قدر هائل من الاضطراب والسيولة.
ويتطلع المجتمع الدولي إلى هذا الاتفاق بوصفه فرصة ثمينة ونادرة لتفادي انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة تطوي صفحة الاستقرار الهش، غير أن الثغرات الجوهرية في بنية الاتفاق، وتعدد مراكز التوتر التي لم تجد لها حلاً، تُبقي المشهد مُشحوناً بعدم اليقين، والأسابيع المقبلة ستكون الامتحان الحقيقي: هل تتحوّل هذه الهدنة إلى بوابة نحو سلام دائم ومستدام؟ أم أنها لن تعدو كونها راحة مؤقتة قبيل دورة جديدة من التنافس والصراع في منطقة اعتادت على أن تكون مسرحاً لأكثر التوازنات هشاشةً في العالم؟

