فانس بين الإيمان والطموح السياسي: قراءة في كتاب نائب الرئيس الأمريكي
ملخص :
في عالم تتشابك فيه السياسة مع الدين وتلتقي فيه السيرة الذاتية بالطموح، صدر كتاب نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، الجديد الموسوم بـ "المناولة" أو "الاتحاد الروحي"، ليشعل جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية الأمريكية، وكان متوقعاً أن يقدّم الكتاب صورة مكتملة عن رجل يقف اليوم على بُعد خطوة واحدة من أعلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، غير أن القراءات النقدية التي أجرتها صحيفتا "نيويورك تايمز" و"آي بيبر" خلصت إلى أن هذا الكتاب يكشف عن صاحبه أكثر مما يُخفيه، ويفضح تناقضاته بقدر ما يجاهد لتقديم صورة متماسكة عن مسيرته الروحية والفكرية.
"نيويورك تايمز": ثلاثة أقلام ترسم صورة رجل متشقق
خصّصت صحيفة "نيويورك تايمز" مساحة واسعة للكتاب، إذ استعانت بثلاثة من كتّابها البارزين في قسم الرأي، وهم إي. جيه. ديون جونيور، وكارلوس لوزادا، وميشيل كوتل، لتشريح مضامينه وتقييم دلالاته، وقد جمع الثلاثة مقاربة مشتركة مفادها أن "المناولة" ليس سوى امتداد لكتاب فانس السابق "مرثية هيلبيلي"، لكنه يرتدي هذه المرة عباءة دينية أكثر كثافة، إذ يتتبع رحلة صاحبه الوعرة من المسيحية الإنجيلية التي نشأ في أحضانها، مروراً بمحطة الإلحاد التي ألقى فيها بنفسه بحثاً عن مخرج من أسئلة لا إجابات لها، وصولاً إلى اعتناقه الكاثوليكية بما تنطوي عليه من نظام صارم ومرجعية راسخة.
غير أن القراءة النقدية للصحيفة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تذهب إلى أن فانس في كتابه هذا لا يقدّم نفسه بوصفه مؤمناً باحثاً عن الله، بقدر ما يقدّمها بوصفه مشروعاً سياسياً محكماً يجري تغليفه بلغة الروح والإيمان، ويرى الكتّاب الثلاثة أن الكاثوليكية في سياق فانس لا تمثّل تجربة روحية حيّة بقدر ما هي إطار فكري ونفسي يمنحه شعوراً بالثبات في مواجهة عالم شهد فيه منذ طفولته انهيارات متتالية، من فقر مدقع وبيئة أسرية متصدّعة، إلى تقلبات لا تهدأ في المسار الشخصي والمهني.
طفولة الأزمة وعقدة الاستقرار: مفتاح شخصية فانس
يُجمع المراقبون على أن فهم جيه دي فانس يستدعي العودة إلى ينابيع تكوينه الأولى، فقد نشأ في بيئة بالغة الهشاشة، يخيم فيها شبح الفقر وتتهاوى فيها أعمدة الأسرة واحداً تلو الآخر، وهو ما ترك في أعماقه رهاباً دفيناً من "انهيار الأشياء"، حسبما يشير النقاد، وفي هذا السياق، تصبح الكاثوليكية التي انتهى إليها فانس أقرب إلى حصن يحتمي فيه من شبح الفوضى منها إلى بحث صادق عن الحقيقة المتعالية.
ويرسم النقاد صورة لرجل لا يكفّ عن إعادة اختراع نفسه: ابن الطبقة العاملة الذي صعد إلى مصافّ خريجي جامعة ييل المرموقة، ثم انخرط في سوق رأس المال المغامر بوادي السيليكون، قبل أن يخوض غمار السياسة ليبلغ مقعد نائب الرئيس، وهذه التحولات المتسارعة تجعل شخصيته -وفق وصف الناقدين- أقرب إلى ورشة مفتوحة لإعادة التشكيل المستمر منها إلى هوية راسخة ومستقرة، سواء على الصعيد الديني أو السياسي أو الأخلاقي.
الكتاب بوصفه وثيقة انتخابية مقنّعة
لعل أبرز ما يطرحه النقاد في تقييمهم للكتاب هو قراءته بمنطق الاستراتيجية السياسية لا بمنطق التأمل الروحي، فمن يتمعّن في بنية الكتاب وخطابه يدرك أنه يؤدي وظيفتين متوازيتين في آنٍ واحد: الأولى هي تقديم صورة إنسانية معقدة وذات عمق لنائب الرئيس أمام قاعدة جماهيرية واسعة، والثانية هي إعداد منصة فكرية وأيديولوجية قد تُشكّل أساساً لمشروع رئاسي مستقبلي.
ويلاحظ كتّاب "نيويورك تايمز" أن فانس يسعى في هذا الكتاب إلى تحقيق معادلة دقيقة ومحفوفة بالمخاطر: الحفاظ على ولائه لقاعدة "ماغا" الراسخة في تعلّقها بالرئيس دونالد ترامب، مع بناء هوية مستقلة تُتيح له أن يُقدّم نفسه قائداً بحدّ ذاته لا مجرد ظلّ لزعيم آخر، وهو لا يحقق هذه المعادلة بالمواجهة المباشرة بل بالمراوغة الذكية، إذ يُبقي إشاراته إلى ترامب في حدود تُمكّنه من الموازنة بين الانتماء والتميّز دون أن يُفرز نفسه علناً في خانة الاستقلالية.
ويبرز في هذا الإطار اهتمام فانس بما يُصطلح عليه "أزمة الحضارة الغربية المسيحية"، واعتقاده الراسخ بأن تراجع الالتزام الديني في المجتمعات الغربية يُفضي حتماً إلى تراجع معدلات الإنجاب وتآكل أواصر التماسك الاجتماعي، وهو بذلك يُلقم أيديولوجيا محافظة بالغة التأثير في شرائح واسعة من الناخبين الجمهوريين.
تناقضات لا تُخفى: المثقف الذي ينتقد ما استفاد منه
لا يكتفي النقاد بوصف الكتاب بل يمضون إلى تفكيكه وكشف ما يعتريه من تناقضات صارخة، ففانس ينتقد النخب الأكاديمية وإن كانت جامعة ييل قد فتحت له أبواب القوة والنفوذ، وينتقد ثقافة المال والاستهلاك وإن كان قد عمل في أروقة الاستثمار بوادي السيليكون، ويتبنى خطاباً محافظاً حاداً في قضايا الأسرة والإنجاب والدين، بينما يسعى في الوقت ذاته إلى تلطيف صياغة بعض تصريحاته التي استفزّت الرأي العام، كتلك التي سخر فيها من "النساء غير المنجبات اللواتي يُربّين القطط"، والتي باتت علامةً فارقة في سجل تصريحاته المثيرة للجدل، ويرى النقاد أن هذا الأسلوب من التراجع المُلطَّف لا يُعبّر عن مراجعة حقيقية في القناعات، بل هو أداة لإدارة الصورة العامة في مرحلة صعود لا تحتمل الأخطاء المُكلفة.
"آي بيبر": مرآة تكشف ما يُخفيه الإيمان
على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، تناولت الكاتبة سارة باكستر في موقع "آي بيبر" البريطاني الكتابَ بعين أكثر حدةً وأقل مجاملة، وترى باكستر أن مذكرات فانس لا تنبغي قراءتها بوصفها سيرة روحية بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل بوصفها مرآة كاشفة لطموح سياسي مكبوت، ولحدود الصدق الذي يُبديه فانس تجاه نفسه قبل أن يُبديه تجاه قرّائه.
وتنطلق باكستر من رصد التحول الجذري الذي أجراه فانس على صورته العامة: من الناقد الصريح الذي كان في "مرثية هيلبيلي" يُحمّل ظاهرة ترامب جزءاً من مسؤولية تدهور الطبقة العاملة في الأرياف الأمريكية، إلى المناصر الحماسي الذي يلتحق بقافلة ترامب ويغدو أحد وجوهها البارزة، وترى الكاتبة أن هذا الانقلاب المُدوّي لا يمكن تفسيره بأنه نتاج تطور فكري أو نضج أيديولوجي، بل هو على الأرجح صورة من صور البراغماتية السياسية الباردة التي تضع الصعود في سلّم الأولويات فوق كل اعتبار آخر.
الطموح الرئاسي في مواجهة الهشاشة الداخلية
تذهب باكستر إلى أبعد من ذلك حين تربط بين الجذور النفسية لفانس وبين سلوكه السياسي الراهن، فالطفل الذي نشأ في فوضى أسرية واجتماعية تحوّل إلى رجل يمتلك قدرة لافتة على الصمود في وجه الإهانة والتهميش، ويتكيّف مع ضغوط يعجز عنها سواه، وكل ذلك في سبيل بلوغ هدف يراه أسمى من أي ثمن مؤقت يدفعه في الطريق إليه.
وتلفت الكاتبة الانتباه إلى الموقع الملتبس الذي يشغله فانس في المعادلة الأمريكية الراهنة، فهو في ملف السياسة الخارجية -ولا سيما الملف الإيراني- يُصوَّر بوصفه واسطة عقد في مفاوضات يصفها المراقبون بالبالغة التعقيد، ويجد نفسه في موقع المُلام حين تتعثر السياسات، دون أن ينال من الفضل نصيباً كافياً حين تُحقق نجاحاً، وهو وضع سياسي هش يكشف عن محدودية الصلاحيات الفعلية التي يتمتع بها نائب الرئيس رغم ضخامة لقبه.
ترامب وفانس: تحالف بلا ثقة وخلافة بلا ضمان
لعل أكثر ما يستأثر باهتمام القراء في مقال باكستر هو تناولها لطبيعة العلاقة الملغّزة بين ترامب ونائبه، فالرئيس الأمريكي -بحسب قراءة الكاتبة- لا يبدو متحمساً لمنح فانس مساحة سياسية حقيقية أو دعماً صريحاً يُكرّسه وريثاً واضحاً لزعامته، وتذهب الكاتبة إلى أن ترامب يتعامل مع نائبه بحذر مقصود وربما بريبة مُضمَرة، إذ يحرص على إبقاء مسألة الخلافة مفتوحة وغير محسومة، بما يُبقي فانس في منافسة صامتة ومضنية مع وزير الخارجية ماركو روبيو على ورثة الزعامة الجمهورية في مرحلة ما بعد ترامب.
وفي هذا السياق، يبدو فانس لاعباً في مباراة يعرف قواعدها لكنه لا يملك أوراق الفوز فيها، فهو ملزَم بالدفاع عن سياسات الرئيس أمام المشككين، ومطالَب بحمل لواء خطاب السلام الذي يرفعه ترامب في مواجهة الضغوط المتشددة داخل الحزب الجمهوري، كل ذلك دون ضمانة حقيقية بأن هذا الجهد سيُترجَم يوماً إلى تأييد صريح لمشروعه الرئاسي.
السؤال الوجودي: بين ضمير الإنسان وحسابات السياسي
تنهي باكستر قراءتها بسؤال يتخطى في دلالاته حدود الكتاب وما فيه، ليلامس جوهر الإشكالية التي يطرحها وجود فانس نفسه على الساحة السياسية: هل يستطيع هذا الرجل أن يوازن بين طموحه الجامح في بلوغ القمة وبين ما تبقّى في أعماقه من ضمير أخلاقي؟ أم أن الثمن الذي يدفعه للسير في ركب ترامب سيُكلفه في نهاية المطاف شيئاً أعمق من خسارة انتخابية أو هزيمة سياسية، إذ قد يدفع ثمناً روحياً صامتاً لن يعوّضه عنه أي منصب مهما علا؟
كتاب لا يجيب عن أسئلته
بين ما كتبه نقاد "نيويورك تايمز" وما أبدته سارة باكستر في "آي بيبر"، تتشكّل صورة تقريبية لكتاب جيه دي فانس: وثيقة تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع التأمل الفكري ومع الرسائل ذات الطابع الانتخابي في آنٍ واحد، وما يُميّز هذا الكتاب أنه يطرح أسئلة أعمق مما يقدّم من إجابات، وربما هذا ما يجعله فضولياً ومثيراً للقلق في الوقت عينه.
فالرجل الذي يمسك بيده أحد أثقل المناصب السياسية في العالم لا يزال يبدو -حتى فيما يكتبه عن نفسه- في مرحلة من البحث والسؤال والإعادة والتشكيل، وهل يعكس ذلك عمقاً إنسانياً نادراً في عالم السياسة؟ أم هو دليل آخر على أن شخصيات من هذا الطراز، تلك التي لا تكفّ عن إعادة اختراع نفسها، هي الأشد تأثيراً والأصعب قراءة في آنٍ واحد؟
هذا ما سيكشفه المسار السياسي لفانس في السنوات القليلة المقبلة، حين ستُثبت الوقائع ما إذا كانت الكاثوليكية التي اعتنقها ملاذاً روحياً راسخاً أم أداةً أخرى في ترسانة رجل لا يتوقف عن المناورة.

