"عندما كانت أجهزة الاستخبارات على حق"
ملخص :
في أحد أكثر الأسئلة إثارةً للجدل في تاريخ السياسة والحرب يتساءل المرء: لماذا تقع الكوارث رغم وجود من ينذر بها؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يطرحه المؤرخ والصحفي الفرنسي، مورني بيكار، في مؤلَّفه الجديد الذي استعرضته مجلة "لوبوان" الفرنسية في مقال تحليلي بقلم الصحفي، رومان غوبير، كاشفاً عن مفارقة موجعة تتكرر بصورة لافتة عبر تحولات التاريخ السياسي والعسكري الحديث.
تلك المفارقة في جوهرها هي أن أجهزة الاستخبارات كثيراً ما تنجح في استشراف الأخطار الوشيكة والكوارث المُقبلة بدقة لافتة، غير أن صانعي القرار يُحجمون عن التعامل مع تلك التحذيرات بجدية، أو يُسقطونها من حساباتهم كلياً، فتأتي الأحداث مطابِقةً تماماً لما أنذرت به التقارير الاستخبارية، ويرصد بيكار في كتابه سلسلة من الأزمات والحروب الكبرى التي كان بالإمكان الحدّ من آثارها المأساوية، أو تجنّبها كلياً، لو أن القادة السياسيين والعسكريين أولَوا العناية اللازمة للمعلومات المتاحة بين أيديهم.
ستالين وسورج: حين أدار الزعيم ظهره للحقيقة
ينطلق الكتاب من واحدة من أشهر حالات التقصير الاستراتيجي في القرن العشرين؛ الهجوم الألماني المباغت على الاتحاد السوفياتي في صيف عام 1941، فقبيل انطلاق عملية "بارباروسا" -الاسم الشفري للغزو النازي الكاسح لروسيا- كانت موسكو تتلقى تحذيرات استخبارية متتالية، قادمةً من شبكة واسعة من العملاء السريين المنتشرين في رقعة جغرافية ممتدة من أوروبا حتى آسيا.
كان في مقدمة هؤلاء العميل الأسطوري، ريتشارد سورج، الجاسوس الألماني المزدوج الذي نقل إلى موسكو معطيات دقيقة ومفصّلة عن نوايا ألمانيا النازية وتوقيت ضربتها، بيد أن الزعيم السوفياتي، جوزيف ستالين، آثر رفض تلك التقارير وعدم الاكتراث بها، مستنداً إلى اقتناعه الراسخ بأن زعيم الرايخ الثالث، أدولف هتلر، لن يُقدِم على فتح جبهة جديدة في ذلك التوقيت بالذات، وكانت العاقبة أن اجتاحت الجيوش الألمانية الأراضي السوفياتية في واحدة من أضخم وأعنف العمليات العسكرية في التاريخ الحديث، مخلّفةً دماراً هائلاً كان يمكن التخفيف من حدته.
ويؤكد المؤلف أن جوهر المشكلة لم يكن في شُح المعلومات أو ضعف التغطية الاستخبارية، بل كان في عجز القيادة السياسية عن التعاطي مع الحقائق التي تتناقض مع يقينياتها وتصوراتها الراسخة، وهو في ذلك يشير إلى ظاهرة نفسية تُعرف في علم الإدراك بـ "التحيز التأكيدي"، أي ميل القادة إلى تبنّي المعلومات التي تنسجم مع قناعاتهم المسبقة، وإهمال ما يتعارض معها.
فرنسا 1940: درس مُهدَر وكارثة مُعلَنة
يرسم الكتاب صورة مشابهة للإخفاق الاستراتيجي الفرنسي في الحرب العالمية الثانية، حين حصلت باريس -قبيل الزحف الألماني- على وثائق عسكرية بالغة الأهمية، إذ سقطت طائرة ألمانية في الأراضي البلجيكية وعلى متنها خطط تفصيلية دقيقة تُدرج مسارات الهجوم النازي على أوروبا الغربية.
ومع ذلك، تشبّثت القيادة الفرنسية بالنموذج العسكري المُستقى من دروس الحرب العالمية الأولى، وظلّت مفترِضةً أن الضربة الرئيسية ستأتي عبر الأراضي البلجيكية كما جرى عام 1914، وأعرضت كلياً عن احتمال اختراق الجيوش الألمانية لغابات الأردين الكثيفة، التي كانت تُعدّ في السائد العسكري -آنذاك- منطقةً وعرة لا تصلح ساحةً للحرب الحديثة، وحين نفّذ الألمان هجومهم من ذلك المحور بالضبط، انهار خط الدفاع الفرنسي بسرعة صادمة، وآلت فرنسا إلى هزيمة ساحقة في غضون أسابيع قليلة.
هنا يُجلّي بيكار أن الوثائق المسرَّبة ذاتها كانت كافية لإعادة رسم استراتيجية الدفاع لو أن القيادة العسكرية تحلّت بالمرونة الفكرية الكافية للنظر في سيناريوهات بديلة، وتتكرر العِبرة ذاتها عبر حوادث متعاقبة: من يتمسك بنماذج الأمس مآله الهزيمة أمام من يبتكر نماذج الغد.
ديان بيان فو: المقبرة التي أنهت إمبراطورية
تمثّل معركة ديان بيان فو عام 1954 -كما يتناولها الكتاب- نموذجاً آخر في سلسلة الكوارث المُنذَر بها والمُتجاهَلة، فقد رصدت الاستخبارات الفرنسية بصورة دقيقة التعزيزات العسكرية التي كان الجنرال الفيتنامي، فو نغوين جياب، يُرابط بها حول الموقع الفرنسي المعزول، وحذّرت صراحةً من الحجم الهائل لقوات الفيت مينه وإمكاناتها الميدانية.
بل إن قائد القوات الفرنسية الجنرال، هنري نافار، نفسه أبدى شكوكاً متصاعدة حول جدوى الخطة وإمكانية تحقيقها لأهدافها المرجوّة، لكن المؤسسة العسكرية الفرنسية مضت قُدُماً في مساعيها الأصلية، مستكينةً إلى ثقة مفرطة في تفوقها التكنولوجي، ومتجاهلةً المؤشرات الميدانية التي كانت تتراكم أمامها بوضوح، وانتهت المعركة بهزيمة مدوّية مزّقت آخر خيوط النفوذ الاستعماري الفرنسي في الهند الصينية، وشكّلت منعطفاً تاريخياً في مسار حركات التحرر الوطني في آسيا.
"داعش" وأوباما: حين أُسقط التهديد من الحساب
في قراءته للأحداث المعاصرة، يُفرد بيكار مساحة واسعة لصعود تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق وسوريا، ويذهب إلى أن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأسبق، باراك أوباما، قد أخطأت خطأً استراتيجياً جسيماً في تقدير حجم الخطر الذي يمثله التنظيم في مراحل نشأته الأولى.
ففي حين كانت التحليلات الاستخبارية تُنبّه إلى تمدد التنظيم المتسارع وامتلاكه عناصر القدرة على بناء "دولة أمر واقع"، آثر صانعو القرار توصيفه بأنه مجرد "فريق هاوٍ" على حد وصف أوباما الذائع الصيت، وتأخّر الرد الجاد حتى باتت الكارثة قائمة بما لا يُجحَد، ويرى الكاتب في ذلك دليلاً إضافياً على أن "إدارة الرواية السياسية" كثيراً ما تُقدَّم على الاستجابة للتحذيرات الاستخبارية غير المريحة.
7 أكتوبر 2023: تحذيرات من الميدان ذهبت أدراج الرياح
ويتوقف الكتاب أيضاً عند هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في السابع من أكتوبر 2023، الحدث الأكثر إثارةً للجدل في المشهد الأمني والاستخباراتي الإسرائيلي منذ عقود، ويُجادل المؤلف بأن جوهر الفشل لم يكمن في انعدام المعلومات أو انهيار شبكات الرصد، بل في تجاهل منظومة التحذيرات المتواترة الصادرة عن عناصر ميدانية وتحليلات أمنية داخلية.
وقد خلصت التحقيقات اللاحقة إلى أن مجندات استخباراتيات شابات رصدن مؤشرات التحضير للهجوم وأعددن تقارير تحذيرية رُفعت إلى الجهات المعنية، لكنها اصطدمت بجدار من الرفض المبني على افتراضات سابقة الصنع مفادها أن حماس لا تمتلك القدرة التشغيلية على تنفيذ عملية بهذا الحجم والتعقيد.
العدو الحقيقي هو الغرور السياسي
يخلص بيكار في نهاية رحلته التحليلية إلى أن الخيط الجامع بين هذه الإخفاقات التاريخية المتباعدة جغرافياً وزمنياً لا يتمثّل في هشاشة الأجهزة الاستخبارية أو شُح معطياتها، بل يكمن في منظومة من العوامل النفسية والسياسية التي تُعيق القادة عن الاعتراف بالحقائق حين تتعارض مع تصوراتهم الراسخة وأجنداتهم المحددة.
وتشمل هذه العوامل: التحيزات المعرفية الموروثة التي تُشوّه معالجة المعلومات، والثقة المفرطة بالنفس التي تحجب الرؤية الموضوعية، والصراعات البيروقراطية التي تُضعف تدفق المعلومات الحساسة عبر هرم القيادة، فضلاً عن الرغبة العميقة في الحفاظ على الروايات السياسية السائدة بعيداً عن أي مساس، كل هذه العوامل مجتمعةً تُنشئ بيئة مُعادية لاستقبال التحذيرات غير المريحة.
كما ويُؤكد المؤلف أن الثورة التقنية الهائلة التي شهدتها أجهزة الاستخبارات خلال العقود الأخيرة -من أقمار اصطناعية متطورة إلى منظومات تنصت رقمية وخوارزميات ذكاء اصطناعي- لم تُفلح في استئصال هذه الآفة البنيوية الجذرية، فالتكنولوجيا قادرة على توليد المعلومات وتحليلها، لكنها عاجزة عن إجبار صانع القرار على الإنصات إلى ما لا يُريد سماعه.
يُنهي بيكار كتابه بتحذير يصلح لكل زمان ومكان: قيمة المعلومة الاستخبارية لا تُقاس بدقتها وحدها، بل بمدى استعداد مَن يتلقّاها للعمل بموجبها، وما لم تُعالَج الأعطاب الهيكلية في صناعة القرار السياسي -وفي مقدمتها الغرور والانحياز التأكيدي- ستظل التحذيرات تُدفن في أدراج الملفات السرية، وستظل الكوارث تُفاجئ من لم يشأ أن يُفاجَأ.


