اتفاق ترامب مع إيران.. إنجاز دبلوماسي أم اعتراف بحدود القوة الأمريكية؟
ملخص :
سوّق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الاتفاق المبرم مع إيران بوصفه تحولا تاريخيا من شأنه أن يؤسس لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط، لكن دوائر سياسية وإعلامية أمريكية تبدي تزايدا ملحوظا في التشكيك بجدوى المكاسب التي حققتها واشنطن من وراء الحرب والتسوية اللاحقة، فبينما تسوّق الإدارة الأمريكية الاتفاق باعتباره نجاحا دبلوماسيا واستراتيجيا، ترى تحليلات أمريكية بارزة أن نتائجه الفعلية كشفت حدود القدرة الأمريكية على فرض شروطها، وفتحت الباب أمام تحديات أكثر تعقيدا في المرحلة المقبلة.
وتتفق قراءات وتحليلات نشرتها صحف ومجلات أمريكية مؤثرة على أن الاتفاق لم ينجح في معالجة القضايا الأساسية التي شكلت مبررات الحرب، بل اكتفى بتأجيلها إلى جولات تفاوض لاحقة قد تكون أكثر صعوبة وحساسية.
ملفات مؤجلة ومصير غامض للقضايا الجوهرية
وعلى الرغم من أن الاتفاق أعاد فتح قنوات الحوار بين واشنطن وطهران وأوقف المواجهة العسكرية المباشرة، فإنه ترك ملفات شديدة الحساسية دون حسم نهائي، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومنظومة الصواريخ الباليستية، والعلاقة الإيرانية مع حلفائها الإقليميين، فضلا عن انعكاسات ذلك على أمن إسرائيل ومكانة الولايات المتحدة في المنطقة.
كما أن المفاوضات المرتقبة في سويسرا لا تزال تواجه عقبات سياسية وأمنية معقدة، تتصل بالوضع في لبنان، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، فضلا عن ملفات إقليمية أخرى قد تؤثر في مسار التفاهمات المستقبلية.
وفي هذا السياق، تطرح أوساط أمريكية سؤالا محوريا حول ما إذا كانت الحرب قد حققت أهدافها المعلنة، وتخلص بعض التقديرات إلى أن التغييرات الفعلية على الأرض تبدو محدودة، إذ لم يتم القضاء على البرنامج النووي الإيراني، كما أُرجئ البحث في ملف الصواريخ الباليستية إلى مراحل تفاوضية لاحقة، في حين لا تزال القوى الحليفة لإيران في المنطقة تمثل عنصرا مؤثرا في معادلات الأمن الإقليمي.
حدود القوة العسكرية الأمريكية
وتبرز في النقاشات الأمريكية رؤية تعتبر أن الاتفاق لا يعكس انتصارا عسكريا حاسما بقدر ما يعبر عن حدود القدرة الأمريكية على الاستمرار في التصعيد العسكري وتحمل كلفته السياسية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تشير تقديرات أكاديمية واستراتيجية إلى أن الحرب أظهرت قدرة إيران على المحافظة على أدوات تأثيرها الإقليمية، كما أتاحت لها توظيف بعض عناصر قوتها الجيوسياسية بصورة أكثر فاعلية، وعلى رأسها موقعها المشرف على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.
وقد كشفت التطورات الأخيرة عن أن المضيق بات يمثل ورقة ضغط استراتيجية مؤثرة في حسابات القوى الدولية، بعدما أثبتت طهران قدرتها على التأثير في أسواق الطاقة العالمية عبر التهديد بتعطيل حركة الملاحة فيه.
مكاسب اقتصادية واسعة لطهران
وبموجب بنود الاتفاق، تنتظر إيران حزمة من المكاسب الاقتصادية المهمة، تشمل إنهاء عدد من القيود الاقتصادية المفروضة عليها، والإفراج عن أصول مالية مجمدة، إضافة إلى إنشاء صندوق لإعادة الإعمار تقدر قيمته بنحو 300 مليار دولار.
كما نص الاتفاق على فترة تفاوض تمتد ستين يوما لمعالجة الملفات الأكثر تعقيدا، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية وآليات تنفيذ الالتزامات المتبادلة بين الجانبين.
ويرى مراقبون أن هذه الترتيبات تمنح طهران فرصة لالتقاط الأنفاس اقتصاديا وسياسيا، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديا متزايدا للحفاظ على أدوات الضغط التي كانت تمتلكها قبل اندلاع الحرب.
تراجع أوراق الضغط الأمريكية
وتشير تحليلات سياسية إلى أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب بأدوات تأثير أقل مما كانت تمتلكه قبلها، فقبل اندلاع المواجهة العسكرية، كانت التقديرات السائدة تفترض أن أي تدخل أمريكي واسع قد يهدد استقرار النظام الإيراني، غير أن مجريات الحرب أظهرت قدرة مؤسسات الدولة الإيرانية على الاستمرار والصمود رغم الضغوط العسكرية والسياسية غير المسبوقة.
كما كشفت الأزمة عن قدرة إيران على التأثير في الاقتصاد العالمي من خلال التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، الأمر الذي عزز موقعها التفاوضي وأعاد رسم بعض معادلات الردع في المنطقة.
الاتفاق يفاقم التباين بين واشنطن وتل أبيب
ومن بين أبرز التداعيات السياسية للاتفاق، اتساع الهوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن كيفية التعامل مع الملف الإيراني، فبينما دخلت إسرائيل الحرب على أساس توقعات بأن المواجهة ستؤدي إلى إنهاء التهديد الإيراني لعقود طويلة، وجدت نفسها أمام تسوية سياسية لم تتضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي كانت تراهن عليها.
وتعكس التصريحات الصادرة عن شخصيات أمنية إسرائيلية سابقة حجم الإحباط داخل بعض الأوساط الإسرائيلية، إذ ترى أن نتائج الاتفاق تتناقض مع النهج الذي اعتمدته تل أبيب خلال السنوات الماضية في التعامل مع إيران.
ويزداد هذا التباين مع إدراج ملف وقف إطلاق النار في لبنان ضمن التفاهمات الجديدة، ما يفرض على واشنطن دورا أكثر حساسية في كبح التصعيد العسكري وضبط التوازنات الإقليمية، وهو ما قد يفاقم التوتر مع حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ضغوط داخلية متنامية على ترامب
ولا تتوقف تداعيات الاتفاق عند حدود السياسة الخارجية، بل تمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث يواجه ترامب انتقادات متزايدة من أطراف داخل معسكره السياسي، فبعض المحافظين يرون أن الإدارة الأمريكية قدمت تنازلات كبيرة مقابل إنهاء الحرب، في حين تتزايد المخاوف من انعكاسات اقتصادية مرتبطة بارتفاع معدلات التضخم وأسعار الطاقة، وهي عوامل قد تؤثر في المزاج الانتخابي الأمريكي مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة.
وتعزز نتائج استطلاعات الرأي هذه المخاوف، إذ تشير إلى وجود انقسام واضح داخل الشارع الأمريكي بشأن قرار الحرب وإدارة الملف الإيراني، ما يضيف بعدا داخليا معقدا إلى التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية.
الصين.. المستفيد الأكبر من الأزمة
في المقابل، ترى دوائر تحليلية أن الصين كانت من أبرز المستفيدين من تداعيات الحرب والاتفاق اللاحق، من دون أن تنخرط بصورة مباشرة في الصراع، فبكين نجحت في تعزيز صورتها الدولية باعتبارها قوة تدعو إلى الحوار والتسويات السياسية وتحترم سيادة الدول، في وقت تعرضت فيه الولايات المتحدة لانتقادات بسبب اللجوء إلى الخيار العسكري وما ترتب عليه من كلف سياسية واقتصادية.
كما يرى خبراء أن التباينات التي ظهرت بين واشنطن وعدد من حلفائها التقليديين في أوروبا والمنطقة وفرت للصين فرصة إضافية لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي، وتوسيع نفوذها في بيئة دولية تشهد تحولات متسارعة في موازين القوى.
اختبار مفتوح لمكانة واشنطن
يبدو أن الاتفاق الذي سعت إدارة ترامب إلى تسويقه بوصفه تتويجا لانتصار استراتيجي قد يتحول إلى محطة اختبار صعبة للسياسة الأمريكية، فالقضايا التي أشعلت الحرب لا تزال معلقة بانتظار جولات تفاوض جديدة، فيما تتزايد التساؤلات حول قدرة واشنطن على فرض رؤيتها وحماية مصالحها الإقليمية في ظل تغير موازين القوى وتعاظم نفوذ منافسين دوليين وإقليميين.
وبينما أوقفت التسوية الحالية المواجهة العسكرية المباشرة، فإنها لم تقدم إجابات نهائية عن الملفات الأكثر حساسية، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الاتفاق سيمثل بداية لاستقرار طويل الأمد أم مجرد هدنة مؤقتة تؤجل انفجار الأزمات إلى مرحلة لاحقة.

