زيارة رئيس "أرض الصومال" لإسرائيل تثير مخاوف من تموضع عسكري جديد في إفريقيا
علا القارصلي
ملخص :
بناءً على ما أوردته تقارير صحفية فإن الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس إقليم "أرض الصومال" الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله، برفقة عقيلته إلى الكيان الصهيوني، ولقاءه بالرئيس الإسرائيلي، إسحق هرتسوغ، تمثل خرقًا استراتيجيًا عميقًا للتوازنات الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي.
ويسعى الإقليم، من خلال هذا التقارب المفاجئ، إلى كسر طوق العزلة الدولية المفروض عليه منذ عقود، مستغلًا التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر لانتزاع اعتراف دبلوماسي يمنحه شرعية واقعية في مواجهة الحكومة الفيدرالية، ويضع هذا التحرك المنطقة بأسرها أمام تحدٍ جيوسياسي خطير وتصعيد غير مسبوق في ملف السيادة الوطنية الصومالية، لا سيما أنه يأتي في توقيت إقليمي حساس تشهد فيه طرق الملاحة الدولية اضطرابات كبرى أفرزتها موازين القوى الجديدة في مضيق باب المندب، ما يجعل من هذا التقارب محاولة صهيونية للبحث عن وكلاء إقليميين جدد يشاركون في هندسة المجال الحيوي للمنطقة بما يخدم المصالح التوسعية للكيان المحتل.
الإعلان عن فتح سفارة للإقليم الانفصالي في مدينة القدس المحتلة يعد سابقة دبلوماسية تخرق الإجماع الدولي والعربي، وتمثل تعديًا صارخًا على القوانين والمواثيق الدولية التي لا تعترف بالإقليم دولةً مستقلة، وتهدف هذه الخطوة إلى خلق واقع سياسي جديد يربط مصير الإقليم بالمشروع الصهيوني في المنطقة، ما يثير قلقًا بالغًا لدى الأطراف الإقليمية الفاعلة التي ترى فيها محاولة لفرض شرعية عبر بوابة الكيان المحتل، الذي يواجه بدوره عزلة دولية متزايدة بسبب جرائمه في غزة.
كما يعكس هذا التوجه رغبة الإقليم في مقايضة التنازلات السياسية والمكانية بمكاسب أمنية واستخباراتية تعزز من موقفه في مواجهة مقديشو، وتحول الاعتراف الدبلوماسي من مجرد أمل سياسي إلى واقع جيوسياسي ملموس يهدد وحدة الدولة الصومالية وسلامة أراضيها، الأمر الذي يتطلب تقييمًا دقيقًا لكيفية تحويل هذا التقارب إلى منصة لكسر العزلة الدولية للطرفين عبر تحالفات هجينة تستهدف الأمن القومي العربي والإفريقي على حد سواء.
تفاصيل القاعدة العسكرية وتحولات مفهوم الردع البحري
بحسب ما ورد في تقارير صحيفة "هآرتس العبرية"، فإن الكيان الصهيوني يدرس بعناية إمكانية التمركز العسكري في "صوماليالاند" كقاعدة عمليات متقدمة، بهدف مواجهة التهديدات المتصاعدة في البحر الأحمر وخليج عدن، ويرى المخططون العسكريون في الكيان أن الوجود في هذه المنطقة الحيوية يمنحهم قدرة أكبر على مراقبة واستهداف التحركات البحرية، عبر إيجاد موطئ قدم عسكري قريب من مضيق باب المندب، بما يسمح بتنفيذ عمليات استخباراتية دقيقة واستخدام قواعد للطائرات المسيّرة لتعقب التهديدات التي عطلت سلاسل التوريد العالمية وأجبرت السفن المرتبطة بالكيان على سلوك طرق بديلة مكلفة، مثل رأس الرجاء الصالح.
ووفقًا للتحليل المستخلص من هآرتس، فإن الأهداف الكامنة وراء دراسة هذا التمركز العسكري تتجاوز مجرد الحماية الأمنية، لتشمل محاولة تعزيز القدرات البحرية والاستخباراتية في البحر الأحمر. ويطمح الكيان إلى إقامة محطات مراقبة استخباراتية وقواعد انطلاق للطائرات المسيّرة المتطورة لتعقب أي تهديدات بحرية قبل وصولها إلى عمق البحر الأحمر، ويهدف هذا التحول الاستراتيجي إلى تقليل الاعتماد على القطع البحرية الكبيرة، في ظل تنامي تأثير تكتيكات الحرب غير المتكافئة، حيث باتت الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة تشكل تحديًا متزايدًا للوسائل التقليدية، ومن هذا المنطلق، تُطرح القاعدة العسكرية في "أرض الصومال" كخيار عملياتي لإعادة صياغة مفهوم الردع البحري وتعزيز القدرة على حماية المصالح البحرية في المنطقة.
ردود الفعل المصرية وحماية الثوابت القومية في البحر الأحمر
حسب بيان وزارة الخارجية المصرية الصادر عقب هذه التطورات، فإن القاهرة ترفض بشكل قاطع وباتّ أي إجراءات أحادية الجانب تمس سيادة الصومال ووحدة أراضيه، معتبرة أن أي انخراط للكيان الصهيوني مع الإقليم الانفصالي يمثل سابقة خطيرة وتهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين.
وتنطلق السياسة المصرية من ثوابت استراتيجية ترفض تقسيم الدول الوطنية، وتعتبر أي وجود صهيوني غير شرعي في منطقة البحر الأحمر تهديدًا وجوديًا لمصالحها الحيوية المرتبطة بقناة السويس، كما شددت القاهرة على أن الحفاظ على وحدة الدولة الصومالية يُعد صمام أمان لاستقرار الملاحة الدولية، ومنع تحول القرن الإفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية التي تنعكس سلبًا على حركة التجارة العالمية عبر الشرايين المصرية.
ووفق المصادر الدبلوماسية المصرية، فإن القلق في دوائر صنع القرار في القاهرة يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليصل إلى رفض المخططات الصهيونية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا إلى مناطق بديلة مثل "أرض الصومال"، وترى الدولة المصرية في هذه الطروحات انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب أمن واستقرار دول المنطقة، وتعمل الدبلوماسية المصرية حاليًا بتنسيق رفيع مع دول إقليمية مثل تركيا وجيبوتي لتشكيل جبهة موحدة ترفض التحركات الأحادية في الإقليم، وتؤكد ضرورة الالتزام بالشرعية الدولية التي تمثلها الحكومة الفيدرالية في مقديشو باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بتمثيل الصومال، وهو ما يعكس إدراك مصر لخطورة تغلغل الكيان الصهيوني في العمق الإفريقي وتأثير ذلك على ميزان القوى الاستراتيجي في البحر الأحمر.
وبناءً على التوجهات المصرية المعلنة، تمتلك القاهرة القدرة على تحشيد الأطراف الدولية في الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي لعرقلة هذا المسار الانفصالي، مؤكدة أن استقرار منطقة القرن الإفريقي لا يمكن أن يتحقق عبر تحالفات مع كيانات غير معترف بها، بل من خلال دعم مؤسسات الدولة الوطنية واحترام السيادة الإقليمية.
كما تعيد الدبلوماسية المصرية تقييم خياراتها للتعامل مع هذا التهديد، مع احتمالية اللجوء إلى إجراءات أكثر حزمًا إذا استمر الكيان في فرض واقع عسكري جديد يهدد أمن الملاحة وقناة السويس. ويقود هذا الموقف المصري إلى طرح ضرورة قراءة أعمق للجذور التاريخية والقانونية التي تجعل من الاعتراف بهذا الإقليم خرقًا للنظام الدولي، ومصدرًا محتملًا لصراعات حدودية طويلة الأمد.
مخاطر تقسيم الصومال وتداعيات سياسات "البلقنة" في القارة
حسب بيان وزارة الخارجية الصومالية، تؤكد الحكومة الفيدرالية في مقديشو انعدام أي صفة قانونية أو سياسية لأي تعامل خارجي مع الإقليم الانفصالي، معتبرة أن إقدام "أرض الصومال" على فتح سفارة في القدس يمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة البلاد ونظامها الدستوري، وتحذر مقديشو من أن أي انخراط دبلوماسي خارج إطار الحكومة المركزية يتعارض مع القانون الدولي ولا يترتب عليه أي أثر قانوني، ما يعكس مخاطر حقيقية لتقسيم الصومال وتحويل القارة الإفريقية إلى ساحة صراعات حدودية دامية ناتجة عن سياسات "البلقنة" التي تستهدف تفتيت الدول الوطنية لصالح مشاريع استعمارية تسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي للدول العربية والإسلامية.
ووفق تحذيرات حركتي "حماس" و"المجاهدين" الفلسطينيتين، فإن الاعتراف المتبادل بين الإدارة الانفصالية والكيان الصهيوني خطوة غير أخلاقية تهدف إلى منح شرعية زائفة لكيان يمارس حرب إبادة بحق الشعب الفلسطيني، وتحذر حركات المقاومة من أن سياسات التفتيت والتقسيم في المنطقة هي جزء من استراتيجية صهيونية كبرى لإضعاف الدول المركزية وتسهيل السيطرة على مقدراتها، معتبرة أن لجوء حكومة نتنياهو إلى كيانات انفصالية يعكس عمق العزلة الدولية التي يعيشها الكيان، ومحاولته كسر هذا الطوق عبر تحالفات جانبية هشة تُقوّض وحدة الصف العربي والإفريقي وتخلق كيانات موازية تُضعف الدولة الوطنية، ما يجعل من "أرض الصومال" أداة ضمن المشروع الصهيوني الاستعماري.
أطماع الكيان الصهيوني ومخطط "الشرق الأوسط الكبير" في القرن الإفريقي
حسب تصريحات نائب وزير الخارجية في صنعاء عبد الواحد أبو رأس، فإن ما يجري في الصومال ليس حدثًا عابرًا أو معزولًا، بل جزء من المخطط الصهيوني المعروف بـ"الشرق الأوسط الكبير"، والذي يهدف إلى تفتيت الدول العربية إلى كيانات صغيرة وضعيفة تدور في فلك الكيان الصهيوني وتفتقر إلى سيادتها الوطنية، ويرى أبو رأس أن الاكتفاء ببيانات إدانة مقتضبة من بعض الأنظمة العربية يمثل تنصلًا من المسؤولية التاريخية وتواطؤًا صامتًا يسهل تمرير المشاريع التوسعية في منطقة القرن الإفريقي.
ويؤكد أن الثغرات التي ينفذ منها الكيان تعود إلى سياسات التبعية المطلقة لبعض الأنظمة تجاه الإدارة الأمريكية، ما يجعل المنطقة العربية مرشحة لمزيد من التدخلات العسكرية ومشاريع التجزئة التي تهدد الهوية والسيادة، كما لم تعد فكرة "إسرائيل الكبرى" مجرد شعارات أيديولوجية، بل تحولت إلى مسعى استراتيجي للسيطرة على الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، عبر استخدام وكلاء إقليميين وكيانات انفصالية تمنح الكيان ميزة جغرافية وعسكرية خارج حدوده المباشرة، بما يتيح له استهداف القوى المقاومة.
ويظهر ذلك بوضوح في السعي للسيطرة على خليج عدن والمحيط الهندي لضمان أمن الملاحة وكسر الحصار البحري اليمني، ما يحول القرن الإفريقي إلى قاعدة متقدمة للنفوذ الصهيوني في المنطقة، ويعتمد هذا التمدد على إضعاف الجبهات الداخلية للدول الوطنية، ونشر الفوضى المنظمة، وضرب الهوية الثقافية والدينية للشعوب لقطع ارتباطها التاريخي بمقدساتها.
وبناءً على رؤية قوى المقاومة، فإن نجاح هذه المخططات أو فشلها يعتمد على مستوى الوعي الشعبي والرفض الرسمي لأي شكل من أشكال التطبيع أو التعامل مع الكيان، خاصة في ظل تصاعد الاستقطاب في القرن الإفريقي الذي يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لاحترام القانون الدولي، وسط مؤشرات على دخول المنطقة مرحلة تصعيد قد تعيد تشكيل خريطة الصراع في المستقبل القريب.

