40 عاما من الأزمات والمفاوضات.. مسار تاريخي شائك بين طهران وواشنطن
ملخص :
لم تعرف العلاقات الإيرانية-الأمريكية استقرارًا راسخًا منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، إذ ظلّت مرهونةً بتقلبات حادة بين مراحل الانفراج الحذر ومراحل الاستقطاب والمواجهة، وعلى امتداد أكثر من 4 عقود، بقيت قنوات الاتصال بين البلدين تعمل في الخفاء حينًا وتنفجر في العلن أحيانًا، بينما كانت الأزمات تُعيد رسم معالم هذه العلاقة المركبة في كل مرة.
واليوم، تنعقد جولة جديدة من المباحثات بين طهران وواشنطن على الأراضي السويسرية، وهي الأولى من نوعها في أعقاب مذكرة التفاهم التي أُبرمت في أثناء المواجهة العسكرية الأخيرة بين البلدين، ويحمل هذا اللقاء التفاوضي ثقلًا تاريخيًا استثنائيًا، إذ يجتمع الطرفان على خلفية إرث متراكم من الخلافات والشكوك المتبادلة، في حين تضغط المهلة الزمنية المحددة بستين يومًا لإنجاز اتفاق نهائي حول المسائل الفنية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وتتجاوز تداعيات هذا الملف حدود الدولتين المتفاوضتين، لتمسّ منظومة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وتنعكس على مسارات الاقتصاد العالمي، في ظل ارتباط وثيق بين مآلات التفاوض وأسواق الطاقة والاستقرار الجيوسياسي.
1979: الثورة تُسدل الستار على دبلوماسية العلاقات الطبيعية
أزمة الرهائن وانهيار جسور التواصل
شكّل اقتحام الطلاب الثوريين إيران للسفارة الأمريكية في طهران في نوفمبر 1979 منعطفًا حاسمًا في تاريخ العلاقات بين البلدين، إذ أفضت إلى احتجاز 52 دبلوماسيًا وموظفًا أمريكيًا لأكثر من 444 يومًا، وقد أسقطت تلك الأزمة آخر ما تبقى من بنية دبلوماسية رسمية، لتُعلن الولايات المتحدة قطع علاقاتها مع طهران رسميًا في أوائل عام 1980.
غير أن الضرورة أملت في نهاية المطاف على الطرفين فتح قناة اتصال غير مباشرة، فجرى التفاوض على صفقة تحرير الرهائن بوساطة جزائرية نشطة، أُفضت إلى التوقيع على اتفاقيات الجزائر في يناير 1981، وبموجب تلك الاتفاقيات، أُطلق سراح الرهائن مقابل الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، غير أن هذه التسوية لم تُمثّل انطلاقة نحو علاقة جديدة، بل كانت مجرد تدبير أزمة أُعيد بعده بناء جدار العداء على أسس أكثر صلابة، حيث استمرت العقوبات والعداء المتبادل في التصاعد طوال السنوات اللاحقة.
الثمانينيات: حين تتحدث المصالح بصوت أعلى من الأيديولوجيا
فضيحة إيران-كونترا: الدبلوماسية السرية تكشف نفسها
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وفي خضم العداء المُعلن بين واشنطن وطهران، كانت صفقة سرية تُنسج بعيدًا عن الأضواء، انكشف سترها عام 1986 لتُحدث زلزالًا سياسيًا هزّ إدارة الرئيس رونالد ريغان، وأظهرت الفضيحة أن مسؤولين أمريكيين أجروا مفاوضات خفية مع الجانب الإيراني، أسفرت عن تسليم شحنات من الأسلحة الأمريكية إلى طهران مقابل تحرير رهائن أمريكيين يحتجزهم حزب الله في لبنان.
وقد كشفت هذه الفضيحة عن حقيقة بالغة الدلالة؛ وهي أن تقاطع المصالح قادر في أحيان كثيرة على تجاوز حدة الخطاب الأيديولوجي وإذابة الحواجز التي تبنيها المواقف الرسمية، وقد رسّخت هذه الحادثة قناعةً راسخة لدى صانعي القرار لدى الطرفين بأن الاتصالات غير المباشرة والسرية قد تكون في بعض الأحيان أكثر فاعلية من الدبلوماسية العلنية الصاخبة.
1997-2003: فجر الانفراج وأوهام التطبيع
خاتمي يفتح نافذة الحوار في زمن الإصلاح
أحدث وصول محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة الإيرانية عام 1997 موجةً من التفاؤل الحذر في العواصم الغربية، وعرض الرئيس الإصلاحي خطابًا دبلوماسيًا منفتحًا، يتحدث عن "حوار الحضارات"، ويدعو إلى تجاوز الخندق السياسي المتوارث، وسرعان ما انعكس هذا المناخ الجديد على طبيعة التفاعل الأمريكي-الإيراني، إذ انطلقت جولات من الحوار غير المباشر حول الملفين الأفغاني والعراقي، في إطار مصالح إقليمية مشتركة تتجاوز حدة الخصومة.
وعلى الرغم من أن تلك المرحلة لم تُفضِ إلى تطبيع دبلوماسي فعلي أو رفع للعقوبات، فإنها أرست نموذجًا عمليًا لإمكانية التعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك، وبرهنت على أن الجانبين يمتلكان هامشًا من المرونة حين تدعو الضرورة الاستراتيجية إلى ذلك.
حقبة التشدد المزدوج: النووي يُعيد رسم خريطة الصراع
بوش وأحمدي نجاد: المتشددون يُهيمنون على المشهد
مع صعود المحافظين المتشددين في كلا البلدين، وتزامن ولايات الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، مع المرحلة الثانية من رئاسة، جورج بوش الابن، دخلت العلاقات الإيرانية-الأمريكية منحنى حادًا نحو التصعيد، وشكّل الملف النووي الإيراني، مع تسارع وتيرة التخصيب وتوسيع منشآت الطرد المركزي، حجر الزاوية للأزمة المتجددة، في حين لوّحت واشنطن بخيارات عسكرية فيما وصفته بـ “خطوط حمراء” لا يمكن تجاوزها.
غير أن الدبلوماسية لم تتوقف كليًا، فقد انخرطت سلطنة كل من عُمان وسويسرا في جهود وساطة متواصلة، فيما جرت مفاوضات سرية موازية للمسارات العلنية، أفرزت في مرحلة لاحقة بنية تفاوضية أتاحت إبرام الاتفاق النووي بعد سنوات.
2013-2018: الاتفاق النووي.. بريق الأمل وسط ظلام الشك
روحاني وأوباما: الانفراج الكبير الذي لم يكتمل
مع حلول عام 2013، وتسلّم الرئيس الإيراني المعتدل، حسن روحاني، مقاليد الحكم في طهران، بدت الرياح الدبلوماسية آخذةً في التحول، وأجرى باراك أوباما اتصالًا هاتفيًا تاريخيًا بروحاني في سبتمبر من العام ذاته، أسقط بذلك عقودًا من الصمت الرسمي بين قائدي البلدين، وتوّج هذا المسار التفاوضي الطويل بإبرام خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في يوليو 2015، بمشاركة مجموعة الدول الست الكبرى، والتي قضت بتقليص أنشطة التخصيب الإيرانية مقابل رفع تدريجي للعقوبات.
بيد أن هذا الإنجاز الدبلوماسي لم يعمّر طويلًا أمام تقلبات السياسة الأمريكية الداخلية، ففي مايو 2018، وبقرار مثير للجدل، انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق في ولايته الرئاسية الأولى، معيدًا فرض العقوبات الاقتصادية المشددة على إيران في إطار ما أسماه سياسة "الضغط الأقصى"، وقد أفضى ذلك إلى انهيار مسار التفاوض، وتصعيد إيراني متدرج طال مستويات التخصيب وتشغيل أجهزة الطرد المركزي المتقدمة.
2021- 2025: تحول المشهد كليًا
بايدن بين نيّة الإحياء وعقبات التفاوض
جاء وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض في يناير 2021 حاملًا وعودًا بالعودة إلى الاتفاق النووي وانتهاج الدبلوماسية بديلًا عن المواجهة، غير أن التفاوض الذي بدأ في فيينا سرعان ما اصطدم بعقبات جوهرية تتعلق بمطالب كل طرف وحجم الضمانات المطلوبة، وزاد الأمر تعقيدًا صعودُ إبراهيم رئيسي، المحافظ المتشدد، إلى رئاسة إيران في منتصف العام ذاته، مما أضفى طابعًا إضافيًا من التعقيد على مسار المفاوضات.
2025-2026: مواجهة عسكرية
عادت رياح التغيير الأمريكي لتُعيد خلط الأوراق مجددًا مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، واتسمت المرحلة الأولى من ولايته الثانية بتشدد سياسي لافت، غير أنه لم يُقفل باب التفاوض كليًا، بل أبقى على خيوط تواصل خفية، ثم جاء التحوّل الأكثر دراماتيكية: تحوّل الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة غيّرت قواعد اللعبة، وقلبت الصورة النمطية للصراع السياسي رأسًا على عقب.
سويسرا 2026: رهانات المفاوضات الأكثر تعقيدًا
في ظل هذا السياق التاريخي المثقل، تنعقد الجولة التفاوضية الراهنة في جنيف بين الوفدين الإيراني والأمريكي، وتختلف هذه الجولة عن سابقاتها في جوانب جوهرية؛ فهي تأتي في أعقاب مواجهة عسكرية فعلية خلّفت ندوبًا عميقة، وهي تنطلق من مذكرة تفاهم مبدئية تُوفر أرضية حد أدنى من التوافق، فضلًا عن أنها تعمل تحت وطأة مهلة زمنية ضيقة لا تتجاوز 60 يومًا لإنجاز اتفاق نهائي.
وتدور المباحثات حول القضايا الفنية الدقيقة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني؛ من مستويات التخصيب ومخزون اليورانيوم المخصّب، إلى آليات التفتيش الدولي وجداول رفع العقوبات. وتُدرك الدول الكبرى والمجتمع الدولي أن فشل هذه الجولة قد يعني انزلاقًا نحو مزيد من التصعيد في منطقة تعاني أصلًا من توترات متراكمة.
رهانات الاتفاق وحسابات الأطراف
تتباين حسابات كل طرف وتتشابك، فطهران تسعى إلى انفراج اقتصادي فعلي يُترجم انتعاشًا ملموسًا لصادراتها النفطية وانفتاحًا مصرفيًا، بينما تشترط واشنطن ضمانات تقنية صارمة تمنع الانتقال إلى القدرة النووية العسكرية، أما دول الجوار الإقليمي، فتتابع المفاوضات بمزيج من الترقب والقلق، إذ يرى بعضها في الاتفاق تقييدًا لنفوذ إيران الإقليمي، في حين يخشى بعضها الآخر من أن يُفضي إلى تعزيز موقعها.
والواضح أن الجانبين يمضيان إلى طاولة التفاوض مُثقلَين بتجارب أربعة عقود من الخيبات والمفاجآت، لكنهما يدركان في الوقت ذاته أن ثمن الفشل اليوم أعلى مما كان عليه في أي مرحلة سابقة، في وقت يحاول فيه الوسيطان، باكستان وقطر، على الأراضي السويسرية، لاختبار ما إذا كان الطرفان يمتلكان الإرادة السياسية الكافية لتحويل التفاهم المبدئي إلى اتفاق متين ومستدام.
دروس التاريخ وآفاق المستقبل
يُعلّمنا تاريخ العلاقات الإيرانية-الأمريكية، أن الطرفين لم يكونا يومًا في حالة انفصال مطلق، بل كانا دومًا يجدان طريقًا للتواصل حين تُلقي المصالح المشتركة بظلالها على حجم الخلافات، ومن أزمة الرهائن التي حرّكت الوساطة الجزائرية، مرورًا بصفقة إيران-كونترا السرية، وصولًا إلى مفاوضات فيينا والاتفاق النووي، تكشف هذه المحطات جميعها عن نمط متكرر: التصعيد لا يلغي التفاوض، والتفاوض لا يضمن الاستقرار.
وعليه، فإن المفاوضات الراهنة ليست حدثًا معزولًا، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الدبلوماسية في حالة الأزمات، ومهما كانت نتائجها، فإنها ستُضاف إلى هذا الإرث الثقيل، وستُشكّل نقطة مرجعية للعلاقة بين البلدين في مرحلة قادمة، تبدو أكثر تقلبًا وأشد تعقيدًا من أي وقت مضى.

