بعد جولة المفاوضات الأولى.. تعرف على شروط إيران للانتقال إلى مناقشة الملف النووي
ملخص :
أسفرت جولة المفاوضات الأولى التي استضافتها سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة وسطاء إقليميين ودوليين، عن تفاهمات جديدة أعادت الزخم إلى المسار الدبلوماسي بين البلدين، ونجحت في تجنب انهيار مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها مؤخرا بين الجانبين، غير أن هذه التفاهمات لا تزال تواجه تحديات معقدة، في ظل استمرار الخلافات حول ملفات جوهرية، إلى جانب محاولات أطراف متعددة التأثير على مسار التفاوض أو تعطيله.
وفي هذا السياق، وضع مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، علي بحريني، مجموعة من الشروط التي ترى طهران أنها تمثل اختبارا حقيقيا لجدية الولايات المتحدة، مطالبا بتنفيذها بشكل فوري خلال المرحلة الأولى الممتدة لـ 60 يوما، قبل الانتقال إلى معالجة القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويرى مراقبون أن إصرار إيران على هذه الخطوات يهدف إلى الحصول على مكاسب ملموسة وضمانات عملية تسبق أي التزامات إضافية قد تقدمها في الملف النووي، بما يعزز موقعها التفاوضي في المراحل اللاحقة.
الأصول المجمدة.. معركة السيادة الاقتصادية
يتصدر ملف الأصول الإيرانية المجمدة قائمة المطالب الإيرانية العاجلة، إذ ينص الاتفاق المبدئي على الإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج نتيجة العقوبات الغربية الممتدة منذ سنوات، لكن هذا الملف سرعان ما تحول إلى نقطة خلاف بين الطرفين، بعدما طرح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فكرة وضع الأموال المفرج عنها في حسابات ضمان مخصصة لتمويل مشتريات محددة من الولايات المتحدة، تشمل المواد الغذائية والإمدادات الطبية والمحاصيل الزراعية الأمريكية.
في المقابل، رفضت طهران هذا الطرح بشكل قاطع، مؤكدة أن التصرف بالأصول المحررة حق سيادي خالص للدولة الإيرانية، وشدد بحريني على أن إيران وحدها صاحبة القرار في كيفية إدارة هذه الأموال، نافيا وجود أي تفاهم يمنح أطرافا أخرى حق التأثير في أوجه استخدامها.
ويكتسب هذا الملف أهمية استثنائية بالنسبة لإيران، إذ من المتوقع أن يسهم الإفراج عن هذه الأموال في تخفيف الضغوط الاقتصادية المتراكمة الناتجة عن العقوبات والحرب والقيود المفروضة على القطاعين المالي والنفطي، ما يمنح الاقتصاد الإيراني دفعة يحتاجها بشدة في المرحلة الراهنة.
العقوبات النفطية.. أول اختبار عملي للنوايا الأمريكية
يرتبط الملف الاقتصادي أيضا ببند رفع القيود المفروضة على صادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانية والخدمات المرتبطة بها، وهو ما تنص عليه بنود أساسية في مذكرة التفاهم، وفي خطوة اعتبرت مؤشرا أوليا على تنفيذ الالتزامات، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية منح إعفاء مؤقت من العقوبات يسمح لإيران بمواصلة بيع النفط والمنتجات المرتبطة به وتلقي عائداتها حتى 21 أغسطس/آب المقبل.
وتنظر طهران إلى هذه الخطوة باعتبارها اختبارا أوليا يمكن البناء عليه مستقبلا، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن هدفها النهائي يتمثل في رفع شامل للعقوبات الاقتصادية، وليس الاكتفاء بإجراءات مؤقتة أو استثناءات محدودة.
ومن المتوقع أن تبدأ خلال الأيام المقبلة مجموعتا عمل مشتركتان بمناقشة ملف العقوبات والأنشطة النووية الإيرانية، في محاولة لصياغة تفاهمات أكثر استدامة بين الطرفين.
لبنان.. وقف إطلاق النار بوابة العبور إلى المرحلة التالية
يعد الوضع في لبنان أحد أكثر الملفات حساسية في المفاوضات الجارية، إذ تطالب إيران بتنفيذ وقف إطلاق نار مستدام وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان باعتبار ذلك جزءا أساسيا من التفاهمات الأولية مع واشنطن.
ورغم صمود اتفاق وقف إطلاق النار نسبيا خلال الأيام الماضية، فإن الحوادث الأمنية المتفرقة والاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق ما تزال تثير الشكوك بشأن إمكانية تثبيت الهدوء بشكل دائم.
وبحسب مسؤولين إيرانيين، فإن إحراز تقدم في المسار التفاوضي أصبح ممكنا فقط بعد التوصل إلى تهدئة ميدانية في لبنان، بينما أدى التصعيد العسكري الإسرائيلي في مراحل سابقة إلى تعطيل واستنزاف الجهود الدبلوماسية وتأخير استئناف المباحثات.
وفي المقابل، تؤكد إسرائيل تمسكها بالإبقاء على ترتيبات أمنية خاصة في الجنوب اللبناني، مع استمرار عملياتها التي تقول إنها تستهدف إزالة التهديدات المحتملة لأمنها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة اتفاق وقف إطلاق النار على الصمود في المدى المتوسط.
مضيق هرمز.. الأمن البحري مقابل تخفيف الضغوط
يشكل مضيق هرمز بدوره أحد الملفات المحورية في المفاوضات الحالية، حيث تطالب إيران برفع تدريجي للقيود البحرية المفروضة على موانئها مقابل ضمان استمرار حرية الملاحة الدولية وتأمين حركة السفن عبر الممر الاستراتيجي الأهم لتجارة الطاقة العالمية.
وبدأت ملامح تنفيذ هذا التفاهم بالظهور بعد إعلان واشنطن عدم نيتها فرض حصار بحري إضافي في المرحلة الحالية، بالتوازي مع جهود دولية لإعادة تنظيم حركة الملاحة في المنطقة.
وفي هذا الإطار، شرعت المنظمة البحرية الدولية في تنفيذ ترتيبات خاصة لعبور مئات السفن العالقة في الخليج بعد الحصول على ضمانات أمنية من الأطراف المعنية، بما يسمح بإعادة تدفق حركة النقل البحري بصورة أكثر انتظاما.
لكن حالة الحذر ما تزال قائمة، إذ لم تستبعد الولايات المتحدة العودة إلى خيارات الضغط البحري إذا تعثرت التفاهمات السياسية، في حين تتمسك إيران بحقها السيادي في إدارة المضيق بالتنسيق مع سلطنة عُمان، كما أثارت التصريحات الإيرانية والعُمانية بشأن مستقبل إدارة المضيق والخدمات المرتبطة بالملاحة فيه نقاشات واسعة، خصوصا مع تأكيد الجانبين ضرورة احترام حقوقهما السيادية عند صياغة أي ترتيبات مستقبلية.
الملف النووي.. العقدة التي تحدد مصير الاتفاق
على الرغم من التقدم النسبي الذي تحقق في بعض الملفات الاقتصادية والأمنية، فإن القضية النووية لا تزال تمثل محور الخلاف الرئيسي بين واشنطن وطهران، فالولايات المتحدة تسعى إلى استثمار التسهيلات الاقتصادية والتخفيف الجزئي للعقوبات للحصول على تنازلات إيرانية فيما يتعلق بالأنشطة النووية ومستوى التخصيب وعودة الرقابة الدولية.
أما إيران، فتتمسك بموقف يقوم على ضرورة تنفيذ الالتزامات الاقتصادية والسياسية المتفق عليها أولا، قبل الدخول في مفاوضات تفصيلية بشأن برنامجها النووي.
ويجعل هذا التباين في ترتيب الأولويات العملية التفاوضية شديدة الحساسية، ويضع مستقبل الاتفاق برمته أمام اختبارات معقدة قد تحدد مصيره خلال الأسابيع المقبلة.
60يوما لحسم المسار
ورغم حالة الغموض التي تحيط بالعديد من القضايا العالقة، فإن الوسطاء المشاركين في المحادثات، وعلى رأسهم الجانب القطري والباكستاني، أكدوا توصل الطرفين إلى خريطة طريق تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي خلال ستين يوما.
وتسعى هذه الخطة إلى البناء على التفاهم المؤقت الذي أعقب حربا استمرت أكثر من ثلاثة أشهر وأعادت تشكيل موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط، وسط آمال بأن تنجح الدبلوماسية في تحويل التهدئة المؤقتة إلى تسوية سياسية أكثر استقرارا.
ويبقى نجاح هذه المساعي مرهونا بقدرة الجانبين على تجاوز فجوة الثقة المتراكمة، وتحويل التعهدات المعلنة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، في وقت ما تزال فيه المنطقة بأكملها تترقب مآلات واحدة من أكثر المفاوضات حساسية وتأثيرا في مستقبل الشرق الأوسط.

