انسحاب إسرائيلي محدود من جنوب لبنان ودور منتظر للجيش اللبناني
ملخص :
يستعد جيش الاحتلال الإسرائيلي للشروع في مرحلة جديدة من ترتيباته الأمنية على الحدود الشمالية، عبر تنفيذ انسحاب جزئي من مناطق محددة في جنوب لبنان، في خطوة تعكس تحولا تدريجيا في إدارة المشهد الميداني بعد أشهر من المواجهات والتوترات الأمنية.
وكشفت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يضع اللمسات الأخيرة على خطة تقضي بإخلاء عدد من المواقع في جنوب لبنان، على أن تتولى وحدات من الجيش اللبناني الانتشار فيها، ووفقا للتقديرات الإسرائيلية، تهدف هذه الخطوة إلى اختبار مدى قدرة المؤسسات العسكرية اللبنانية على فرض سيطرتها الميدانية ومنع حزب الله من إعادة ترسيخ وجوده أو استعادة نفوذه في تلك المناطق.
تقليص الانتشار العسكري تحت ضغوط سياسية وأمنية
وتأتي هذه التحركات في ظل مؤشرات متزايدة على توجه إسرائيل نحو تقليص انتشار قواتها البرية داخل الأراضي اللبنانية بصورة تدريجية، بعدما خلصت تقييمات عسكرية إسرائيلية إلى أن معظم الأهداف الهجومية التي وضعت خلال المرحلة السابقة قد أُنجزت إلى حد كبير.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن هذا التوجه لا يرتبط فقط بالاعتبارات العسكرية، بل يتأثر أيضا بضغوط أمريكية متصاعدة تدفع نحو تثبيت التهدئة وتهيئة الظروف اللازمة لانتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، بما يساهم في خفض احتمالات التصعيد وتجدد المواجهات.
مشروع أمريكي لإعادة ترتيب الوضع الأمني
وفي سياق متصل، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن مشروع تجريبي يجري بحثه بين إسرائيل ولبنان برعاية ودعم من الولايات المتحدة، يقضي بتسليم السيطرة على بعض المناطق الحدودية الجنوبية إلى القوات المسلحة اللبنانية.
وبحسب المسؤولين، فإن الوحدات اللبنانية التي ستشارك في هذه المهمة ستخضع لعمليات تدريب وإجراءات تدقيق بإشراف أمريكي، بهدف التأكد من عدم وجود أي ارتباطات أو صلات بينها وبين حزب الله، وذلك ضمن آلية أمنية تهدف إلى تعزيز الثقة وضمان استقرار الترتيبات الجديدة.
وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أنها ستحتفظ بوجود عسكري في المنطقة العازلة، باعتبارها جزءا من منظومتها الأمنية الرامية إلى منع أي تهديدات محتملة على طول الحدود.
نتنياهو يتمسك بمنطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية
في موازاة ذلك، أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواصل الدفع باتجاه الإبقاء على منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، باعتبارها ضمانة استراتيجية لأمن المستوطنات والبلدات الإسرائيلية الشمالية.
وأشارت تقارير صحفية إلى أن هذا التوجه يحظى بدعم أمريكي، في مؤشر على وجود توافق بين واشنطن وتل أبيب بشأن ضرورة الحفاظ على ترتيبات أمنية خاصة في المناطق الحدودية، حتى مع المضي قدما في إجراءات خفض الوجود العسكري الإسرائيلي المباشر.
تحول في العقيدة العملياتية بعد وقف إطلاق النار
وفي تطور لافت، كشفت تقارير إعلامية أن القيادة العسكرية الإسرائيلية أصدرت تعليمات جديدة تقضي بحصر النشاط العسكري داخل لبنان في إطار العمليات الدفاعية فقط، وهو ما يعكس تحولا في طبيعة المهام الموكلة للقوات المنتشرة على الجبهة الشمالية.
كما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن قرار بسحب ما يعرف بـ "فرق التأهب" من المناطق الشمالية، في خطوة مرتبطة باستمرار العمل بوقف إطلاق النار القائم مع لبنان، وبالتقديرات الأمنية التي تشير إلى تراجع مستوى التهديد المباشر مقارنة بالفترات السابقة.
هشاشة التهدئة واستمرار الخروقات الميدانية
ورغم هذه المؤشرات، لا تزال الأوضاع الميدانية تعكس هشاشة وقف إطلاق النار القائم بين إسرائيل وحزب الله، والذي يرتبط بمسار تفاوضي أوسع تقوده الولايات المتحدة بهدف تثبيت الاستقرار على الحدود.
ضغوط داخلية إسرائيلية لإنهاء العمليات العسكرية
وبالتوازي مع التطورات الميدانية والسياسية، تتصاعد داخل إسرائيل أصوات تطالب بإنهاء العمليات العسكرية في لبنان، وسط تنامي المخاوف بشأن كلفة استمرارها على الجنود وعائلاتهم.
وفي هذا الإطار، وجه عشرات من أولياء أمور الجنود المشاركين في العمليات رسالة عاجلة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس هيئة الأركان، إيال زامير، دعوا فيها إلى وضع حد للقتال وإعادة الجنود إلى منازلهم.
وأكد الموقعون على الرسالة رفضهم لما وصفوه بتعريض أبنائهم للخطر بسبب اعتبارات لا ترتبط مباشرة بالأهداف العسكرية، معربين عن قلقهم من حالة الغموض التي تحيط بمستقبل العمليات في لبنان، منتقدين غياب رؤية واضحة للحرب وأهدافها النهائية، ومعتبرين أن بقاء الجنود في وضعية انتظار واستنزاف دون حسم سياسي أو عسكري يفاقم حالة الإرباك، كما وطالبوا القيادة الإسرائيلية باتخاذ قرار واضح، إما بالمضي نحو تحقيق أهداف عسكرية محددة ومعلنة، أو إنهاء العمليات بصورة كاملة وسحب القوات من مناطق الاشتباك.
مرحلة اختبار جديدة على الحدود الشمالية
وتعكس التطورات الجارية دخول الملف اللبناني الإسرائيلي مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والدبلوماسية، فبينما تسعى إسرائيل إلى تقليص وجودها العسكري المباشر دون التخلي عن متطلباتها الأمنية، تراهن الولايات المتحدة على تعزيز دور الجيش اللبناني كضامن للاستقرار في الجنوب.
ويبقى نجاح هذه الترتيبات مرهونا بقدرة الأطراف المعنية على الحفاظ على وقف إطلاق النار ومنع عودة التوترات، في منطقة لا تزال تشكل إحدى أكثر ساحات الشرق الأوسط حساسية وقابلية للاشتعال.

