نزاع بلا سقف إحصائي: أزمة تضارب الأرقام وتعذّر حصر حصيلة الضحايا في حرب إيران وأمريكا
علا القارصلي
ملخص :
انزلقت منطقة الشرق الأوسط منذ شهر شباط الماضي إلى أتون نزاع جيوسياسي غير مسبوق في تعقيداته وأبعاده الاستراتيجية، حيث أدت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المباشرة مع إيران إلى تحول جذري في توازنات القوى الإقليمية، مسفرة عن حصيلة بشرية مأساوية تجاوزت 7300 قتيل في كل من إيران ولبنان منذ تاريخ 28 شباط وفق التقارير الرسمية الصادرة، وهو رقم يعكس كثافة العمليات العسكرية وتآكل الردع التقليدي الذي كان يحكم المنطقة لعقود، لا سيما مع سقوط مئات الأطفال وعشرات العاملين في قطاعات الرعاية الصحية والخدمات الإنسانية الذين وجدوا أنفسهم في خطوط المواجهة الأمامية نتيجة اتساع رقعة الاستهداف الميداني، الأمر الذي يستوجب ضرورة قصوى للتوثيق الرصين والدقيق لهذه الوقائع التاريخية رغم كافة التحديات اللوجستية والأمنية التي تكتنف ميادين القتال المشتعلة
وتشير تقارير هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" إلى أن المشهد الإحصائي الحالي يواجه فجوة معلوماتية عميقة تمنع الوصول إلى الحقيقة الكاملة، حيث يرى المحللون الاستراتيجيون أن الأرقام المعلنة ليست سوى تقدير أدنى للواقع الفعلي الذي تشوبه ضبابية كثيفة ناتجة عن القيود السياسية الصارمة المفروضة على تدفق المعلومات، فضلاً عن الانقطاع المتعمد والمستمر لخدمات الإنترنت في المناطق المتضررة، وهو ما أدى بدوره إلى عرقلة جهود الرصد والتوثيق المستقل الذي تقوم به المنظمات الدولية، مما يجعل الأرقام أداة في يد الأطراف المتنازعة لتوظيفها ضمن استراتيجيات الحرب النفسية والإعلامية، في ظل غياب آليات التحقق الميداني الفوري التي دمرتها الغارات المتواصلة والعمليات البرية المكثفة التي طالت مراكز الاتصال والتوثيق الحيوية في كلا البلدين.
وحسب إفادات الدكتور، إيان أوفرتون، المدير التنفيذي لمنظمة "العمل ضد العنف المسلح"، فإنه يمكن أن نستخلص دلالات جوهرية حول صعوبة استقاء بيانات موثوقة في ظل نزاع يتسم بتعدد الجبهات وتداخل الفواعل العسكرية والسياسية، مؤكدا أن الطبيعة العابرة للحدود لهذا الصراع تجعل من عمليات الحصر عملية شاقة ومعقدة، إذ غالباً ما تكون الإحصائيات الصادرة غير مكتملة أو خاضعة لعمليات تأخير ممنهجة لدواعٍ أمنية، مما ينذر بأن تظل الحصيلة النهائية للضحايا موضوعاً للنزاع السياسي لسنوات طويلة قادمة حتى بعد صمت المدافع، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لتجاوز العقبات التقنية والسياسية في سبيل الوصول إلى أرقام تعبر بدقة عن حجم المأساة التي تضرب العمق الإيراني واللبناني بشكل متزامن.
تقييم خسائر إيران
حسب ما أوردته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إيرنا" في بيانها الصادر بتاريخ 26 نيسان، فقد بلغت الحصيلة الرسمية للقتلى الإيرانيين ما لا يقل عن 3468 شخصاً، من بينهم 499 امرأة، وذلك كنتيجة مباشرة لسلسلة من الضربات الجوية والصاروخية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت نقاطاً حيوية ومواقع استراتيجية في العمق الإيراني، حيث توزعت هذه الحصيلة بين 1460 مدنياً و2008 من العسكريين النظاميين، مما يشير إلى أن الاستراتيجية الهجومية لم تكتفِ باستهداف المقدرات الدفاعية فحسب، بل امتدت لتطال النسيج المجتمعي المدني، وهو ما حول الإحصائيات الرسمية إلى مادة للجدل السياسي المحتدم حول قدرة الدولة على الحماية والرد في ظل تصاعد الضغوط العسكرية الدولية.
وتشير بيانات وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان "هرانا"، إلى وجود تباين ملحوظ مع الرواية الرسمية، حيث وثقت الوكالة في تقريرها الصادر في الثامن عشر من أيار مقتل 3636 شخصاً، وهي حصيلة تتضمن 1701 مدنياً، من بينهم 307 أطفال، و1221 عسكرياً، بالإضافة إلى 714 شخصاً لم يتم التحقق من هوياتهم أو صفتهم الرسمية، وتؤكد المنظمة الحقوقية أن هذه الأرقام تمثل "الحد الأدنى المطلق" الذي أمكن رصده عبر قنوات غير رسمية، في ظل الصعوبات الجسيمة التي تواجه الوصول إلى مواقع القصف المباشر والرقابة الصارمة التي تفرضها السلطات على العائلات المتضررة، والضغوط الأمنية الممارسة لمنع الحديث العلني عن ظروف سقوط الضحايا، وهو ما يعزز فرضية "التعتيم الاستراتيجي" التي تمارسها أطراف الصراع.
برزت حوادث استهداف البنية التحتية التعليمية والرياضية كنقاط تحول مأساوية في مسار الحرب، مثل الضربة الصاروخية التي نفذتها القوات الأمريكية في اليوم الأول للنزاع واستهدفت مدرسة في بلدة "ميناب"، مما أدى وفقاً لمصادر إيرانية إلى مقتل 168 شخصاً، بينهم 110 أطفال، بالإضافة إلى مأساة صالة الألعاب الرياضية في بلدة "لامرد" التي راح ضحيتها 20 شخصاً أثناء مباراة للكرة الطائرة للفتيات، وبينما تنفي واشنطن مسؤوليتها عن هجوم لامرد، أكد خبراء التحقق للشبكة البريطانية أن المقذوفات المستخدمة هي صواريخ دقيقة الصنع من طراز "PrSM" أمريكية الصنع.
تقييم خسائر لبنان
حسب وزارة الصحة اللبنانية، فقد تحولت الساحة اللبنانية إلى مركز ثقل جديد للاستنزاف البشري والمادي منذ تجدد الصراع في أوائل آذار في أعقاب اغتيال القائد الأعلى لإيران، حيث أكدت الإحصائيات الرسمية مقتل 3912 شخصاً نتيجة الهجمات الإسرائيلية المكثفة التي شملت غارات جوية وعمليات توغل بري في الجنوب اللبناني، ومن بين هؤلاء الضحايا 366 امرأة و247 طفلاً، وهو ما يسلط الضوء على تآكل الالتزام بقواعد الاشتباك التقليدية وتوسع نطاق الاستهداف ليشمل مراكز سكانية كاملة، في حين يظل الغموض سيد الموقف بخصوص أعداد القتلى من مقاتلي حزب الله، خاصة مع امتناع الحزب والوزارة عن تقديم بيانات منفصلة، وتصاعد ادعاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمقتل ما لا يقل عن 3000 مقاتل، وهي أرقام تظل في إطار البروباغاندا العسكرية ما لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.
وحسب ما ورد في بيانات الأمم المتحدة والتقارير الدولية المعنية بحفظ السلام، فقد شهدت الجبهة اللبنانية حادثة خطيرة تمثلت في مقتل 7 من جنود قوات "اليونيفيل" الدولية، كان آخرهم في الرابع من حزيران، مما أدى إلى تصاعد الضغوط الدبلوماسية الدولية ضد إسرائيل وتوجيه انتقادات حادة لشرعية عملياتها العسكرية التي لم تستثنِ القبعات الزرق، الأمر الذي عمق من الأزمة الإنسانية والسياسية للحكومة اللبنانية، ودفع بالوضع الميداني نحو حافة الهاوية مع استمرار النزوح الجماعي وتدمير الممتلكات، مما فرض ضرورة عاجلة لتقييم الارتدادات المباشرة لهذا الصراع على الجانب الآخر من الحدود، حيث بدأت الحصيلة البشرية والسياسية في الداخل الإسرائيلي تفرض نفسها على طاولة القرار الاستراتيجي.
تقييم خسائر إسرائيل
قالت السلطات الإسرائيلية في بياناتها الرسمية، بلغت حصيلة القتلى في الجانب الإسرائيلي حتى 18 حزيران 60 شخصاً، وهو رقم يعكس حجم التهديد الصاروخي والعملياتي الذي واجهته الجبهة الداخلية، حيث توزعت الإصابات القاتلة بين 29 مدنياً و31 جندياً من جيش الدفاع الإسرائيلي، من بينهم 21 مدنياً قتلوا مباشرة نتيجة الرشقات الصاروخية الإيرانية المتطورة، بينما سقط الجنود في مواجهات برية مباشرة مع مقاتلي حزب الله على الحدود الشمالية أو في العمق اللبناني، بالإضافة إلى تسجيل حالة وفاة واحدة نتيجة "نيران صديقة" في خطأ عملياتي يوضح حجم التوتر والارتباك الميداني تحت وطأة الضربات المتلاحقة.
وتشير تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى اتهامات جنائية دولية موجهة لطهران تتعلق باستخدام الذخائر العنقودية في قصف التجمعات السكانية الإسرائيلية، حيث أوضح الباحث، باتريك طومسون، أن هذه القنابل التي تنثر بويضات متفجرة عشوائياً تمثل انتهاكاً صارخاً لقوانين الحرب، وقد استشهدت المنظمة بحادثة مأساوية وقعت في منطقة "رمات غان" راح ضحيتها زوجان في السبعينيات من عمرهما نتيجة تعرضهما لشظايا قنبلة عنقودية أثناء محاولتهما اليائسة للوصول إلى ملجأ للاحتماء من الغارات، وهو ما اعتبره المحللون دليلاً على تآكل القيمة الإنسانية في هذا الصراع واعتماد سياسة الأرض المحروقة من قبل كافة الأطراف لتوجيه رسائل سياسية وعسكرية دموية.
وحسب ما ورد في التصريحات السياسية المسربة والموثقة خلال قمة السبع في باريس، فقد واجهت القيادة الإسرائيلية ضغوطاً غير مسبوقة من أقرب حلفائها، حيث شن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، هجوماً لفظياً حاداً على إدارة العمليات العسكرية الإسرائيلية، مؤكداً أن حجم القتلى تجاوز كل التوقعات المقبولة استراتيجياً، ومنتقداً تدمير المباني السكنية بالكامل تحت ذريعة البحث عن أهداف عسكرية، بقوله إن "ليس كل من يسكن هذه البنايات يتبع لحزب الله"، وهي التصريحات التي هزت أركان التحالف الاستراتيجي التقليدي وأظهرت تآكل الشرعية الدولية للعمليات العسكرية الإسرائيلية، في وقت كان فيه النزاع يتمدد جغرافياً ليشمل ثماني دول عربية وممرات مائية حيوية، مما حول الأزمة من مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية شاملة ذات تداعيات كونية.
امتداد إقليمي
شرارة النزاع لم تتوقف عند الحدود المباشرة بل امتدت لتشمل ثماني دول عربية هي السعودية والإمارات وقطر والكويت والعراق والأردن والبحرين وعُمان، حيث استهدفت القوات الإيرانية القواعد العسكرية الأمريكية والمنشآت الحيوية في هذه الدول باستخدام أسراب من الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الباليستية متوسطة المدى، مما أدى إلى تساقط حطام الصواريخ المعترضة فوق أحياء سكنية ومطارات دولية وموانئ تجارية، مسبباً خسائر بشرية ومادية فادحة في دول كانت تحاول جاهدة الحفاظ على توازن دبلوماسي هش وتجنب الانخراط في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
وتشير تقارير وزارة الدفاع في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مقتل 13 شخصاً على أراضيها نتيجة هذه الهجمات الغادرة، وهو ما استدعى رداً سياسياً حازماً عبر عنه الدكتور، أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، الذي أكد عبر منصة "إكس" أن استهداف الجيران يعزز السردية الدولية التي ترى في السياسة الإيرانية مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار والتهديد الإقليمي، بينما كان العراق الساحة الأكثر دموية ضمن هذا التمدد، حيث سجلت مصادر "الجزيرة" و"فرانس برس" مقتل أكثر من 100 شخص، كان من بينهم 80 عنصراً من قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران الذين سقطوا في ضربات أمريكية وإسرائيلية مركزة استهدفت مراكز القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة في مناطق متفرقة من البلاد.
وحسب ما ورد في البيانات الرسمية الصادرة عن البنتاغون، فقد دفع الجيش الأمريكي ثمن تواجده الإقليمي بمقتل 13 من عسكرييه، سبعة منهم سقطوا نتيجة الهجمات الإيرانية المباشرة على القواعد، بينما قتل ستة آخرون في حادث تحطم طائرة تزويد بالوقود في العراق أثناء قيامها بمهام دعم عملياتي، بالإضافة إلى مأساة البحارة الدوليين التي وثقتها المنظمة البحرية الدولية بمقتل 14 بحاراً من جنسيات مختلفة في هجمات استهدفت السفن التجارية في مضيق هرمز وممرات الملاحة الدولية، مما يبرز التكلفة العالمية الباهظة لهذا الصراع الذي ضرب عصب التجارة والطاقة العالمي، ووضع منهجيات الرصد والتوثيق أمام اختبار تاريخي للكشف عن الأرقام الفعلية والمخفية تحت ركام المدن المحطمة.
دقة الأرقام
حسب ما أوردته التحليلات الختامية المعمقة لخبراء الأزمات الدولية، فإن الحصيلة البشرية التي تم استعراضها لا تمثل في جوهرها سوى "قشرة" الحقيقة المأساوية، إذ يرى الخبراء الاستراتيجيون أن الأرقام الحقيقية تظل مدفونة تحت أنقاض المباني المدمرة وفي سجلات المستشفيات الميدانية التي فقدت القدرة على التواصل مع العالم الخارجي، حيث حذر الدكتور، إيان أوفرتون، من أن تجارب النزاعات السابقة في سوريا والعراق تثبت أن الحصيلة النهائية ستظل دائماً محل نزاع ومراجعة لعقود طويلة، وأن ما نراه اليوم هو مجرد الحد الأدنى الذي سمحت الظروف الأمنية والسياسية بظهوره إلى السطح، في ظل غياب الرقابة الدولية المستقلة ودمار البنية التحتية المعلوماتية التي تعتبر عصب عملية التوثيق في الحروب الحديثة.
وتشير التقارير الميدانية والتحليلية إلى أن التطور التكنولوجي لم يُسخر فقط للقتل بل تم توظيفه بشكل ممنهج لإخفاء معالم الجريمة البشرية، حيث لعب تعطل خدمات الإنترنت والرقابة السياسية المشددة دوراً حاسماً في تعتيم حجم المعاناة في المناطق النائية والمحاصرة، مما خلق فجوات زمنية ومعلوماتية تجعل من الصعب بمكان بناء قاعدة بيانات موحدة وشاملة للضحايا في الأمد القريب، وهذا الغموض المتعمد يخدم بالدرجة الأولى الأجندات السياسية التي تسعى لتقليل التكلفة الأخلاقية للحرب أمام الرأي العام العالمي، مما يجعل من عملية "الحصر البعدي" تحدياً هائلاً للمنظمات الحقوقية والأممية في مرحلة ما بعد الصراع.

