أكثر من 4000 اعتداء.. تصاعد للانتهاكات ضد المسلمين في ألمانيا
ملخص :
كشف تقرير جديد صادر عن الشبكة المعنية بمناهضة العداء للإسلام والمسلمين في ألمانيا (كلايم) عن ارتفاع غير مسبوق في الاعتداءات ضد المسلمين خلال عام 2025، مسجلاً أكثر من 4000 حالة، وسط تحذيرات من أن الأرقام الحقيقية تفوق بكثير الإحصاءات المعلنة بسبب عزوف الضحايا عن الإبلاغ، في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية واتساع مظاهر العنصرية داخل المجتمع الألماني.
وأظهر التقرير ارتفاعاً حاداً في معدلات الاعتداءات ذات الطابع المعادي للمسلمين خلال عام 2025، موثقة 4096 حادثة شملت مختلف أشكال التمييز والإساءات والعنف، من بينها 224 اعتداءً جسدياً.
وأوضحت الشبكة، خلال مؤتمر صحفي عقد في برلين، أن بياناتها تستند إلى بلاغات واردة من مراكز الاستشارة والمبادرات المدنية المنتشرة في 15 ولاية ألمانية، إلى جانب بيانات الجرائم ذات الدوافع السياسية، وتقارير الشرطة، وما تنشره وسائل الإعلام المحلية، مؤكدة أن هذه الإحصاءات لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، إذ تشير التقديرات إلى وجود عدد كبير من الوقائع التي لا يتم الإبلاغ عنها، خاصة داخل المدارس وأثناء التعامل مع الدوائر الحكومية وأجهزة الشرطة، نتيجة وجود معوقات تدفع الضحايا إلى تجنب تقديم الشكاوى.
تحذير من "تطبيع" العنصرية
وحذرت الشبكة من أخطر ما وصفته بظاهرة "التطبيع مع الاعتداءات"، موضحة أن تكرار حوادث التمييز وخطابات الكراهية يدفع كثيراً من الضحايا إلى التعامل معها باعتبارها أمراً اعتيادياً، الأمر الذي يقلل من معدلات الإبلاغ رغم ما تتركه تلك الممارسات من آثار نفسية واجتماعية عميقة، وتقويض لشعور المسلمين بالأمان والانتماء.
ولقي التقرير اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام الألمانية، ولا سيما الصحف والمجلات ذات التوجهين الليبرالي واليساري، التي سلطت الضوء على تنامي ظاهرة "الإسلاموفوبيا" وانعكاساتها على المجتمع.
اعتداءات جسدية وإهانات يومية
وأشارت مجلة "دير شبيغل" إلى أن التقرير يرصد تراجعاً في الإبلاغ عن أشكال العنصرية اليومية، مثل الإهانات اللفظية والتحريض على الكراهية والتمييز، بسبب اعتياد المتضررين على تكرار هذه الممارسات، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى اعتبارها جزءاً من الواقع اليومي.
وضرب التقرير أمثلة على ذلك، بينها تعرض فتاة في مدينة غرايفسفالد لإهانات عنصرية ومحاولة نزع حجابها من قبل مجموعة من الفتيان، إضافة إلى تعرض امرأة مسلمة تبلغ من العمر 52 عاماً لاعتداء عنيف في مدينة دوسلدورف بسبب ارتدائها الحجاب، ما أسفر عن إصابتها بجروح خطيرة.
كما أكد التقرير أن الممارسات العدائية لا تقتصر على الاعتداءات الجسدية، بل تمتد إلى الضغوط النفسية والتمييز داخل المؤسسات التعليمية، حيث نقل شهادة طالب مسلم في ولاية شليسفيغ هولشتاين قال إنه يتعرض باستمرار لأسئلة من معلمته حول الإرهاب والتطرف، ويُطلب منه تبرير مواقف المسلمين أو إعلان براءته من الأعمال الإرهابية، لمجرد انتمائه الديني.
فجوة واسعة بين الواقع والإحصاءات
من جهتها، أكدت المديرة المشاركة للشبكة، ريما حنانو، أن حجم الحالات غير الموثقة يفوق بكثير الأرقام الرسمية، معتبرة أن فقدان الثقة في السلطات والشرطة والحكومة يمثل أحد أبرز أسباب إحجام الضحايا عن تقديم البلاغات، مشيرة إلى أن دراسة بعنوان "أن تكون مسلماً في الاتحاد الأوروبي"، الصادرة عن وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، أظهرت أن 4% فقط من المسلمين الذين تعرضوا للتمييز خلال العام الماضي تقدموا ببلاغات رسمية، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الواقع والإحصاءات المعلنة.
جرائم خطيرة تستهدف النساء بشكل خاص
وبحسب صحيفة "تاتس"، شكلت الاعتداءات اللفظية نحو 61% من إجمالي الحالات الموثقة، إلا أن التقرير سجل أيضاً ارتفاعاً في الجرائم الخطيرة، إذ وثق حالتي قتل و214 اعتداءً جسدياً، بينها أربع محاولات قتل، إضافة إلى 320 واقعة تخريب للممتلكات وخمس عمليات إحراق متعمد.
وكشف التقرير أن النساء كن الأكثر استهدافاً، إذ شكلن 64% من ضحايا الاعتداءات، مقابل 34% من الرجال، ما يعكس تعرض المسلمات، ولا سيما المحجبات، لمستويات أعلى من الاستهداف في الأماكن العامة.
ومن أبرز الوقائع التي وثقها التقرير مقتل شابة بالغة من العمر 26 عاماً، في ولاية سكسونيا السفلى خلال يونيو/حزيران 2025، بعد تعرضها للطعن عدة مرات أمام منزلها على يد جارها البالغ من العمر 31 عاماً، ورغم صدور حكم بالسجن المؤبد بحق الجاني، أشار التقرير إلى أن القضاء لم يعترف بالدافع العنصري للجريمة.
التمييز يمتد إلى المؤسسات الرسمية
ولم يقتصر التقرير على رصد الاعتداءات الفردية، بل أشار إلى استمرار مظاهر التمييز داخل المؤسسات الحكومية، ففي استطلاع للرأي شمل 468 مسلماً، أفاد 44% من المشاركين بأنهم تعرضوا للتمييز داخل مكاتب العمل، فيما أكد 55% أنهم واجهوا معاملة تمييزية في دوائر شؤون الأجانب.
كما اعتبر التقرير أن الخطاب الإعلامي الذي يربط المسلمين بقضايا الجريمة أو الإرهاب، إلى جانب الجدل السياسي المستمر بشأن الهجرة واللجوء والأمن، يسهم في تأجيج المشاعر العنصرية وتعزيز الصور النمطية السلبية تجاه المسلمين.
تحذيرات من تمدد الخطاب المعادي للمسلمين
ونقلت صحيفة "تاتس" عن ريما حنانو قولها إن الهجمات لم تعد تقتصر على أوساط اليمين المتطرف، بل بدأت تظهر أيضاً داخل أوساط تنتمي إلى التيار السياسي الوسطي، وهو ما يعكس اتساع نطاق الخطاب المعادي للمسلمين داخل المجتمع الألماني.
وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة "فرانكفورتر روندشاو" أن استمرار هذه الحوادث يعمق شعور المسلمين بعدم الانتماء إلى المجتمع الألماني، في وقت يتزايد فيه إنكار وجود عنصرية ممنهجة ضدهم، بينما يجري تصويرهم في النقاش العام باعتبارهم مصدر تهديد محتمل، بدلاً من الاعتراف بهم كضحايا للتمييز والعنف.
مطالب بموقف حكومي أكثر حزماً
من جانبه، قال سعيد إدريس هاشمي، أحد المشرفين على إعداد التقرير، إن تصاعد الخطابات المعادية للمسلمين في المجالين السياسي والإعلامي قد يتحول إلى أعمال عنف على أرض الواقع، مؤكداً أن العنصرية ضد المسلمين لم تعد ظاهرة هامشية، بل أصبحت واقعاً يومياً يواجهه كثير من المسلمين في ألمانيا.
وأعرب هاشمي عن قلقه من محدودية اهتمام الحكومة الألمانية بهذه القضية، معتبراً أن الجهود الرسمية لا تزال دون مستوى التحديات، محذراً في الوقت نفسه من أن إعادة هيكلة برامج الدعم الحكومي قد تهدد تمويل المنظمة واستمرار عملها في توثيق الانتهاكات ورصدها.
ويعكس التقرير، في مجمله، تصاعد المخاوف من تنامي ظاهرة "الإسلاموفوبيا" في ألمانيا، في ظل استمرار ارتفاع الاعتداءات، واتساع مظاهر التمييز داخل المجتمع والمؤسسات، وتراجع ثقة الضحايا بفاعلية الآليات الرسمية في توفير الحماية وضمان المساءلة.

