أردوغان يُعيد رسم الشرق الأوسط: مخطط تركي استراتيجي يُقلق تل أبيب
ملخص :
أطلقت صحيفة "معاريف" العبرية تحذيراً استراتيجياً بالغ الأهمية من توجهات تركية تتشكّل في الخفاء، وقد تُغيّر وجه المنطقة خلال السنوات العشر المقبلة، واستندت الصحيفة في تحليلها إلى دراسة معمّقة أعدّها الصحفي والمستشار السياسي التركي، ليفانت كمال، الذي رصد بدقة ملامح مشروع تركي طموح يتجاوز في أبعاده الإطار الاقتصادي ليبلغ مستوى إعادة هيكلة النفوذ الجيوسياسي في الشرق الأوسط برمّته.
ويكشف التحليل أن أنقرة باتت تُعدّ العدّة لمرحلة جديدة من التمدد الإقليمي، ليس عبر القوة العسكرية أو التدخل المباشر كما كان في مراحل سابقة، بل من خلال ثلاثة محاور رئيسية: ملف الطاقة، وشبكة البنية التحتية، والشراكات الاقتصادية المتشعّبة عبر حدود دول عدة، وتُفيد المصادر بأن أنقرة تنتظر انعقاد قمة حلف "الناتو" المرتقبة لتنطلق في تنفيذ هذا المخطط بصورة أكثر جرأة وصراحة.
سوريا أولاً: مصالحة مفاجئة مع الخصم الكردي
لعلّ أكثر ما يستوقف المراقبين في هذا التقرير هو ما وصفته "معاريف" بالخطوة "الصادمة" التي تنوي أنقرة الإقدام عليها في الملف السوري؛ إذ يُشير ليفانت كمال إلى أن تركيا تتجه نحو تعزيز عملية الاندماج بين الحكومة السورية في دمشق ووحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، تلك القوة التي طالما وصفتها أنقرة بالتنظيم الإرهابي الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني.
هذا التحوّل المثير يُلقي بظلاله على المشهد السياسي السوري المعقّد، ويطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الحسابات التركية الجديدة في التعامل مع الملف الكردي على الصعيد الإقليمي، ويرى المحلل التركي أن أنقرة تسعى إلى نسج شبكة علاقات اقتصادية وتجارية مع دمشق من خلال ما أسماه "إطار عمل للطاقة"، يُتيح للحكومة السورية الوصول إلى شريان اقتصادي حيوي يُمكّنها من التحرر التدريجي من وطأة العقوبات الدولية المفروضة عليها، وتقليص اعتمادها على محاور الدعم التقليدية.
وهذا ما يُفسر استعداد أنقرة لقبول واقع كردي في سوريا كان يبدو حتى وقت قريب خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، فالحسابات الاقتصادية والجيوسياسية تُملي على تركيا أولويات جديدة، تتقدم فيها المصلحة الاستراتيجية بعيدة المدى على حساب الموقف الأيديولوجي السابق.
العراق: من ممر لوجستي إلى شريان إقليمي عملاق
في الملف العراقي، يرسم التقرير صورة أكثر تفصيلاً وأعمق أثراً؛ إذ تعتزم أنقرة تحويل مشروع "طريق التنمية" العراقي من مجرد ممر بري للنقل والخدمات اللوجستية، إلى شبكة إقليمية متكاملة تضمّ خطوط الطاقة، وشبكات الاتصالات، وتدفقات التجارة الدولية، وبهذا التحوّل، يُصبح المشروع العراقي ركيزةً مركزية في المنظومة التركية الأشمل الرامية إلى إعادة رسم خارطة تدفقات الثروة والنفوذ في المنطقة.
وقد جاءت "أزمة مضيق هرمز" لتمنح أنقرة الذريعة الاستراتيجية والمبرر الموضوعي الكافي لإعادة التفكير في منظومة ممرات الطاقة الإقليمية، فقد كشفت هذه الأزمة عن هشاشة الاعتماد على الممرات البحرية الضيقة وسهولة تعطّلها في ظل توترات جيوسياسية، مما دفع أنقرة إلى الإسراع في إحياء مشاريع البنية التحتية البرية التي ظلت طيّ الإهمال لسنوات.
وتبرز في هذا السياق ثلاثة مشاريع محورية تتصدر قائمة الأولويات التركية-العراقية:
يأتي في المقدمة خط الأنابيب الاستراتيجي على محور البصرة-حديثة-كركوك، الذي سيربط الجنوب العراقي النفطي بالشمال مروراً بالمناطق الوسطى، بما يُتيح تدفق النفط العراقي براً نحو الأسواق الأوروبية عبر الأراضي التركية، ويليه مشروع خط أنابيب الغاز المزمع إنشاؤه من حقل "العكاز" في محافظة الأنبار وصولاً إلى العاصمة بغداد، في خطوة من شأنها تعزيز الأمن الطاقوي للمدن العراقية الكبرى وتقليص فاتورة استيراد الغاز، أما المشروع الثالث فيتمثّل في دمج منشآت الطاقة في مدينتي بيجي ودورا ضمن هذه المنظومة المتكاملة، بما يُجدّد الطاقة الإنتاجية لهذه المنشآت ويرفع كفاءتها التشغيلية، ويُقلّص الفجوة بين الطاقة الكامنة والطاقة المستثمرة فعلياً.
شبكة شراكات عابرة للحدود: من الخليج إلى البوسفور
لا تقتصر الطموحات التركية على الإطار الثنائي مع سوريا والعراق، بل تمتد لتشمل بناء منظومة شراكات إقليمية متعددة الأطراف، وتنقل "معاريف" عن مصادر تركية مطّلعة أن ثمة مساراً موازياً يجري التداول حوله على مستوى الشركات الخاصة، يرسم خطاً يبدأ من المملكة العربية السعودية، ويمرّ بالأردن، ثم سوريا، فالعراق، وصولاً إلى تركيا.
هذا المسار، إن تحوّل إلى واقع ملموس، سيُشكّل شبكة ربط اقتصادي غير مسبوقة في تاريخ المنطقة الحديث، تُحوّل تركيا إلى قلب نابض يضخّ التجارة والطاقة في شرايين الاقتصاد الإقليمي، وتُعيد توزيع مراكز الثقل الاقتصادي على نحو جذري، ولا يخفى أن هذه الشبكة ستمنح أنقرة نفوذاً هائلاً في القرارات الاقتصادية لدول المنطقة، وقدرةً على التأثير في مسارات السياسة الإقليمية بأدوات ناعمة وأقل تكلفة سياسياً من التدخل العسكري التقليدي.
الملف الكردي: مفتاح الإقليم وورقة الضغط
يُلفت تقرير "معاريف" الانتباه إلى أن مسار محادثات السلام التي تجريها أنقرة مع حزب العمال الكردستاني لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق الاستراتيجي الأشمل، إذ يتجاوز كونه شأناً داخلياً تركياً بحتاً، ليصبح حلقةً وثيقة الصلة بمسار الاستقرار الإقليمي في العراق وسوريا معاً.
وتنقل الصحيفة عن كمال تحليله لهذه المعادلة بدقة: فنجاح مفاوضات السلام الداخلية سيمنح أنقرة انفتاحاً أوسع وسيناريوهات أكثر مرونة لتنفيذ مشاريعها في العراق، حيث يُشكّل الحضور الكردي متغيراً حاسماً في أي حسابات تتعلق بالأمن والاستقرار، ومع ذلك، يرى المحلل التركي أن تعثّر هذه المحادثات لن يُشلّ الطموح التركي بالكامل، إذ يُتيح التعاون الثلاثي بين أنقرة وبغداد وأربيل إمكانية احتواء التداعيات وتجاوز أي عراقيل ناجمة عن التعثّر في مسار السلام، وإن بوتيرة أبطأ وتكاليف أعلى.
وهذا التوظيف الذكي للملف الكردي يكشف عن عمق البراغماتية التركية في إدارة ملفاتها المتشابكة، إذ تحوّل ما كان يُعدّ تاريخياً مصدراً للتهديد إلى ورقة ضغط وأداة تفاوض في خدمة المصالح الاستراتيجية البعيدة المدى.
إسرائيل في مواجهة المشروع التركي: العقبة والخصم
لم تُخفِ صحيفة "معاريف" قلقها العميق من المآلات المحتملة لهذا المشروع التركي على الموقع الإسرائيلي في المنطقة، وينقل التقرير عن المحلل ليفانت كمال وصفه الصريح للسياسة الإسرائيلية بأنها "عدوانية وتوسعية"، معتبراً إياها عاملاً مُفاقماً لحالة عدم الاستقرار الإقليمي، ومُعرقِلاً لمسار الخطط التركية في التمدد والاستثمار.
وتمتد تداعيات هذا التوتر المتصاعد لتطال الساحة اللبنانية التي كانت تحتل موقعاً بارزاً في جدول الأعمال التركي؛ إذ كانت أنقرة تُخطط لتوسيع ما يُعرف بـ "محور الشمال والجنوب" ليشمل الموانئ اللبنانية الحيوية في بيروت وطرابلس، مما كان سيُتيح لها الوصول المباشر إلى البحر المتوسط عبر بوابة لبنانية، غير أن التحركات الإسرائيلية المتصاعدة على الحدود اللبنانية-السورية دفعت أنقرة إلى إرجاء هذا المسار وتجميد جدولها الزمني المرتبط به.
وتُجسّد هذه الحادثة نمطاً يتكرر في الحسابات التركية: تل أبيب تبدو في نظر أنقرة العقبة الأبرز أمام تحقيق أهدافها الإقليمية، ويُشير المحللون إلى أن هذا التوصيف يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة التنافس التركي-الإسرائيلي، الذي انتقل من مستوى الخلافات السياسية المحدودة إلى مستوى التنافس الاستراتيجي المفتوح على مستقبل المنطقة بأسرها.
الوجه الخفي للمشروع: تنمية في القشرة.. استراتيجية في الجوهر
ربما يكون أعمق ما توصّل إليه تقرير "معاريف" هو كشفه عن الطبيعة المزدوجة للمشروع التركي، فعلى السطح، يبدو هذا المخطط مجرد حزمة تنموية تشمل الموانئ وشبكات السكك الحديدية وخطوط الطاقة؛ وهي مكوّنات تبدو للوهلة الأولى خالية من أي أبعاد تهديدية، لكن في جوهره، يُمثّل هذا المشروع استراتيجية سياسية متكاملة لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
وحسب "معاريف"، تتضح اللعبة الخطابية التي تمارسها أنقرة: ففي الوقت الذي توجّه فيه الاتهامات إلى إسرائيل بالتوسعية العسكرية والأمنية، تُقدّم تركيا نفسها للعالم بوصفها "الشريك المسؤول للتنمية والاستقرار" في المنطقة، مُحوّلةً الصورة السلبية عن مشاريعها التوسعية إلى صورة إيجابية عن دور القيادة الإقليمية البنّاءة. وهذه المعادلة الخطابية الذكية تُعطي أنقرة أفضلية تسويقية على المستوى الدولي، خاصة في ظل بيئة دولية تُقدّر التنمية والاستقرار على الخطاب الأمني التقليدي.
شرق أوسط مختلف في العقد المقبل
يختتم تقرير "معاريف" بتحذير صريح يبلغ حد الإنذار الاستراتيجي: إذا أُتيح لهذه "المغامرة التركية" أن تبلغ مداها وتؤتي ثمارها، فإن أنقرة ستُحكم تثبيت مكانتها كوسيط إقليمي لا يمكن الاستغناء عنه، وكمركز عالمي لتدفقات الطاقة والتجارة، مما سيُفضي إلى تحوّلات جيوسياسية بالغة الأثر في رسم ملامح الشرق الأوسط خلال العقد القادم.
وفي المحصلة، يرى المحلل كمال أن المخطط التركي يستهدف بصورة مباشرة تقليص القدرة الإسرائيلية على فرض حالة الأمر الواقع الإقليمي التي اعتادت عليها تل أبيب طويلاً، وهو ما يعني، بصياغة أكثر مباشرة، أن الشرق الأوسط الذي تسعى أنقرة إلى تشكيله هو شرق أوسط تتراجع فيه الهيمنة الإسرائيلية لصالح نفوذ تركي صاعد يُعيد تعريف الأدوار والمواقع على خارطة المنطقة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقرير يستند في مجمله إلى تحليل ليفانت كمال كما نقلته "معاريف"، وهو يُمثّل قراءة تركية-إسرائيلية للمشهد، لا يخلو بعضها من الطابع التحريضي أو الاستشرافي، مما يستوجب قراءته في سياق حالة التنافس الإعلامي والسياسي التي يعيشها الشرق الأوسط اليوم.

