بعد 250 عاما على الاستقلال.. وثيقة التأسيس الأمريكية بين رمزية الحرية وتناقضات التاريخ
ملخص :
تقترب الولايات المتحدة من إحياء الذكرى الـ 250 لإعلان استقلالها في الرابع من يوليو/تموز 2026، في حين يعود إعلان الاستقلال إلى واجهة النقاش العام، ليس بوصفه وثيقة تاريخية أرست أسس الدولة الأمريكية الحديثة فحسب، وإنما باعتباره نصا لا يزال يثير جدلا واسعا بشأن ما يحمله من مبادئ وقيم، وما رافق تطبيقها من تناقضات تاريخية امتدت لقرون.
ويشير تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن الإعلان، الذي يعد أحد أبرز الرموز السياسية في التاريخ الأمريكي، تجاوز منذ زمن كونه وثيقة تأسيسية، ليصبح مرآة تعكس الصراع المستمر حول هوية الولايات المتحدة، بين من يراه تجسيدا لمبادئ الحرية والديمقراطية، ومن يعتبره شاهدا على فجوة واسعة بين الشعارات التي رفعها والواقع الذي تأسست عليه الدولة.
وثيقة تاريخية تبهت مع الزمن
يستقبل مبنى الأرشيف الوطني الأمريكي أكثر من مليون زائر سنويا، يتوافدون لمشاهدة النسخة الأصلية من إعلان الاستقلال، غير أن كثيرين يصابون بالدهشة عند رؤية حالتها الراهنة، بعدما تلاشى الحبر بشكل كبير، وأصبحت بعض التوقيعات بالكاد مرئية، فضلا عن ظهور آثار طيات وبقع مياه وبصمة يد مجهولة المصدر لا تزال تحير المؤرخين.
ويرى التقرير أن حالة الوثيقة لم تعد مجرد قضية تتعلق بصيانتها أو حفظها، بل أصبحت جزءا من الرواية التاريخية للولايات المتحدة، إذ تعكس آثار الزمن والتحولات السياسية التي مرت بها البلاد، تماما كما ظلت المبادئ التي نصت عليها عرضة للاختبار وإعادة التفسير طوال القرنين ونصف القرن الماضيين.
مبادئ المساواة في مواجهة واقع العبودية
ويبرز التقرير التناقض الذي يحيط بإعلان الاستقلال منذ لحظة ميلاده، إذ نص على أن "جميع الناس خلقوا متساوين"، بينما كان غالبية الموقعين عليه، الذين قارب عددهم ثلاثة أرباع الموقعين، من مالكي العبيد، في وقت اقتصرت فيه الحقوق السياسية، وعلى رأسها حق التصويت، على الرجال من أصحاب الأملاك.
ورغم هذا التناقض، يرى عدد من المؤرخين أن القيمة الحقيقية للإعلان لم تتمثل في التطبيق الفوري لما ورد فيه من مبادئ، وإنما في تحوله إلى مرجعية استندت إليها الأجيال اللاحقة للمطالبة بتوسيع دائرة الحقوق والحريات.
فقد اعتمدت عليه حركات إلغاء العبودية، واستندت إليه المطالبات بحقوق المرأة، كما استحضره الرئيس، أبراهام لينكولن، خلال الحرب الأهلية لتأكيد أن الصراع لم يكن يهدف فقط إلى الحفاظ على وحدة البلاد، بل إلى ترسيخ مبادئ الحرية والمساواة التي أعلنها الآباء المؤسسون.
قراءة نقدية لتاريخ الولايات المتحدة
في المقابل، يرى منتقدون أن الاحتفاء بإعلان الاستقلال بمعزل عن ظروف كتابته وتناقضات المرحلة التي صدر فيها، يؤدي إلى تقديم صورة انتقائية للتاريخ الأمريكي، خاصة في ظل الجدل السياسي المتواصل حول المناهج الدراسية، وطريقة عرض تاريخ الولايات المتحدة، والكيفية التي ينبغي بها التعامل مع رموزها الوطنية،
وتؤكد "واشنطن بوست" أن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق بالوثيقة ذاتها فحسب، وإنما يمتد إلى طبيعة السردية الوطنية الأمريكية، وما إذا كان ينبغي التركيز على المبادئ التي أعلنتها، أم على الفجوة التي استغرقت عقودا طويلة قبل أن تبدأ بالانحسار.
محاولات الحفظ التي ألحقت بها أضرارا
وتلفت "واشنطن بوست" إلى أن حالة إعلان الاستقلال الحالية لم تكن نتيجة مرور الزمن وحده، بل ساهمت فيها أيضا أساليب الحفظ البدائية التي استخدمت خلال القرنين الماضيين، فقد تعرضت الوثيقة لفترات طويلة لأشعة الشمس المباشرة، وتقلبات درجات الحرارة والرطوبة، كما بقيت سنوات داخل مكتبة وزارة الخارجية حيث تأثرت بدخان السجائر والسيجار، إضافة إلى حرارة المدافئ، وهي عوامل ساهمت تدريجيا في تدهور حالتها.
ومن بين أكثر التفاصيل إثارة للفضول، ظهور بصمة يد على الوثيقة، لا يزال المؤرخون عاجزين عن تحديد صاحبها، رغم محاولات مستمرة لحل هذا اللغز، وتقول مؤرخة الأرشيف الوطني، جيسي كراتز، إن هناك أملا في الاستفادة من قواعد بيانات مكتب التحقيقات الفدرالي لمقارنة البصمة، إلا أنها تستبعد التوصل إلى نتيجة حاسمة بسبب تدهور وضوحها بمرور الزمن.
وثيقة نجت من الحروب والكوارث
ويستعرض التقرير المحطات التي كادت الولايات المتحدة تفقد خلالها إعلان الاستقلال، إذ جرى خلال حرب عام 1812 تهريب الوثيقة مع عدد من السجلات الحكومية إلى منزل مهجور في ولاية فرجينيا، قبل أن تحرق القوات البريطانية مقر وزارة الخارجية في واشنطن.
وتكرر المشهد خلال الحرب العالمية الثانية، عندما نُقلت الوثيقة سرا إلى مستودعات محصنة خشية تعرض العاصمة الأمريكية لهجمات محتملة، قبل أن تعاد لاحقا إلى الأرشيف الوطني، حيث تحفظ اليوم داخل حاوية محكمة الإغلاق تحتوي على غازات خاملة تساعد في الحد من تدهورها.
كما يحيط الأرشيف الوطني تفاصيل حمايتها بإجراءات أمنية مشددة، إذ تُنقل يوميا إلى خزنة سرية بعد انتهاء ساعات الزيارة، فيما يرفض المسؤولون الكشف عن طبيعة المنظومة الأمنية التي تؤمنها.
كيف صيغ إعلان الاستقلال؟
ويعيد التقرير التذكير بالظروف الفكرية والسياسية التي كُتب فيها إعلان الاستقلال، موضحا أن توماس جيفرسون لم يكن يسعى إلى ابتكار فلسفة سياسية جديدة، بقدر ما أراد التعبير عما وصفه بـ "العقل الأمريكي"، مستلهما أفكاره من مصادر متعددة، من بينها "الماغنا كارتا"، والقانون الإنجليزي، وإعلان حقوق فرجينيا، وأفكار الفيلسوف جون لوك.
غير أن الوثيقة شهدت تعديلات مهمة قبل اعتمادها، كان أبرزها استبدال عبارة "حقائق مقدسة لا يمكن إنكارها" بعبارة "حقائق بديهية"، فضلا عن حذف فقرة كانت تدين تجارة الرقيق البريطانية، رغم أن جيفرسون نفسه امتلك خلال حياته أكثر من 600 عبد، وهو ما يعكس حجم التناقضات التي صاحبت عملية صياغة الإعلان.
إرث لا يزال محل انقسام
ويخلص التقرير إلى أن إعلان الاستقلال، بعد مرور 250 عاما على صدوره، لا يزال يحتفظ بمكانته بوصفه الوثيقة المؤسسة للنظام السياسي الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يظل محور خلاف تاريخي وسياسي متجدد.
فبينما ينظر إليه مؤيدوه باعتباره الأساس الذي قامت عليه قيم الحرية والديمقراطية في الولايات المتحدة، يرى منتقدوه أنه يجسد أيضا مفارقات مشروع سياسي رفع شعارات المساواة، في حين احتاج تحقيق كثير منها إلى نضالات طويلة امتدت عبر أجيال متعاقبة، وهو ما يجعل الوثيقة حتى اليوم رمزا مزدوجا يجمع بين المثال الذي تسعى إليه الأمة الأمريكية، والواقع الذي واجهته في طريقها لتحقيقه.

