أوروبا تعيد رسم عقيدتها الأمنية.. هل يقترب عصر الاستقلال عن المظلة الأمريكية؟
تحولات جيوسياسية تعيد تشكيل أولويات القارة
ملخص :
بحسب تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، فإن أوروبا تشهد تحولا إستراتيجيا يعد من أبرز التحولات التي عرفتها القارة منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل تراجع الثقة بالدور الأمريكي كضامن رئيسي للأمن الأوروبي، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من التهديدات الروسية وتغير موازين القوى الدولية، ويرى مراقبون أن هذه المتغيرات تدفع الدول الأوروبية نحو إعادة صياغة منظومتها الدفاعية والسياسية، بما يؤسس لمرحلة جديدة تقوم على قدر أكبر من الاستقلال في إدارة الملفات الأمنية والخارجية.
ولم تعد القارة الأوروبية تنظر إلى التطورات الدولية بوصفها تحديات ظرفية، بل باعتبارها مؤشرات على تحول هيكلي طويل الأمد يفرض مراجعة شاملة للعلاقة مع الولايات المتحدة، ولطبيعة الدور الأوروبي في النظام الدولي.
عودة ترامب تعمّق الفجوة عبر الأطلسي
يرى التحليل أن عودة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض عام 2025 مثلت نقطة فاصلة في العلاقات بين ضفتي الأطلسي، بعدما تعرض الحلفاء الأوروبيون، بحسب وصف المجلة، لحالة من "التهميش والاستخفاف"، وأصبحوا في صدارة الانتقادات الأمريكية، الأمر الذي أوجد حالة غير مسبوقة من الشكوك بشأن مستقبل الشراكة التقليدية بين الجانبين.
وتشير المجلة إلى أن الإدارة الأمريكية أخطأت في تقدير حجم التغيرات التي بدأت تتبلور داخل أوروبا، إذ تعاملت مع القارة باعتبارها ستواصل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، في حين أن العواصم الأوروبية شرعت بالفعل في مراجعة هذا النهج، مدفوعة بتغير البيئة الأمنية وتراجع الثقة بالضمانات الأمريكية.
نهاية نموذج الاعتماد الأمني التقليدي
وتؤكد "فورين أفيرز" أن الأوروبيين توصلوا إلى قناعة بأن النموذج الذي حكم سياساتهم لعقود لم يعد قابلا للاستمرار، وهو النموذج الذي جمع بين الازدهار الاقتصادي دون امتلاك قوة عسكرية كافية، وممارسة النفوذ السياسي دون تحمل أعباء أمنية كبيرة، والاعتماد على الحماية الأمريكية دون تقديم التزامات دفاعية متناسبة.
وتوضح المجلة أن هذا الإدراك دفع الحكومات الأوروبية إلى تبني رؤية جديدة تقوم على تحمل مسؤولية أمن القارة بصورة أكبر، عبر تعزيز القدرات الذاتية وتطوير الصناعات العسكرية وتوسيع الاستثمارات الدفاعية، بما يقلل تدريجيا من الاعتماد على الولايات المتحدة.
الرأي العام الأوروبي يتبنى مقاربة جديدة
ويكشف التحليل عن تغير واضح في المزاج الشعبي داخل أوروبا، مدعوما بنتائج استطلاعات رأي أظهرت أن 77% من الأوروبيين يعتبرون الحرب الروسية على أوكرانيا تهديدا مباشرا لمستقبل القارة وأمنها، في حين لم يعد سوى 11% ينظرون إلى الولايات المتحدة بوصفها حليفا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل، وهو تراجع يعكس اهتزاز الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية.
كما يعتقد معظم الأوروبيين أن واشنطن قد لا تتدخل عسكريا للدفاع عنهم في حال تعرضهم لهجوم، وهو ما عزز الدعوات إلى بناء منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالا وقدرة على مواجهة الأزمات.
دعم متزايد لتعزيز الإنفاق الدفاعي
ويشير التقرير إلى أن التحولات السياسية انعكست بصورة مباشرة على توجهات الرأي العام، إذ باتت أغلبية المواطنين في عدد من الدول الأوروبية تؤيد زيادة الإنفاق العسكري، فيما يؤيد نحو 47% إصدار ديون أوروبية مشتركة لتمويل مشاريع الدفاع، وهي خطوة كانت حتى وقت قريب تعد من القضايا الحساسة سياسيا داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، تتنامى المطالب بإعطاء الأولوية للصناعات الدفاعية الأوروبية وتقليص الاعتماد على شراء الأسلحة الأمريكية، بما يعزز الاكتفاء الذاتي ويدعم القاعدة الصناعية العسكرية داخل القارة.
ألمانيا تقود مشروع إعادة التسلح الأوروبي
وتبرز ألمانيا باعتبارها المحرك الرئيسي لعملية إعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية، إذ أصبحت تستحوذ على نحو ربع إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي، وسط توقعات بارتفاع ميزانيتها العسكرية إلى قرابة 172 مليار دولار بحلول عام 2029.
ولا يقتصر الدور الألماني على زيادة المخصصات المالية، بل يمتد إلى توسيع الاستثمارات في الصناعات العسكرية، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والطائرات المسيّرة، بالتعاون مع شركات أوروبية كبرى، في إطار خطة تهدف إلى تعزيز القدرات الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.
عودة التجنيد لمواجهة التهديدات المتصاعدة
ويؤكد التحليل أن الاستعدادات الأوروبية لم تعد تقتصر على تحديث المعدات العسكرية، بل تشمل أيضا إعادة النظر في سياسات التجنيد، حيث بدأت عدة دول، من بينها ألمانيا والسويد وكرواتيا ودول البلطيق، باتخاذ خطوات لإعادة الخدمة العسكرية الإلزامية أو توسيع برامج التجنيد الطوعي، استجابة للمخاوف المتزايدة من التهديد الروسي ومتطلبات رفع الجاهزية العسكرية.
من منطق التجارة إلى منطق القوة
وترى المجلة أن الحرب في أوكرانيا أنهت مرحلة طويلة من الاعتقاد الأوروبي بأن الترابط الاقتصادي والتجارة الدولية كفيلان بمنع اندلاع الصراعات، لتحل محلها مقاربة جديدة تعتبر أن موازين القوة العسكرية أصبحت عاملا حاسما في صياغة العلاقات الدولية.
وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم "الواقعية المبدئية" الذي يتبناه المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والقائم على أن النظام الدولي بات تحكمه اعتبارات القوة والردع أكثر من القواعد القانونية والمؤسسات الدولية، وهو ما يدفع أوروبا إلى إعادة بناء أدواتها الإستراتيجية بما يتلاءم مع البيئة الأمنية الجديدة.
شراكة مختلفة مع واشنطن
ورغم التحولات المتسارعة، لا تتوقع "فورين أفيرز" حدوث قطيعة بين أوروبا والولايات المتحدة، بل ترجح أن تدخل العلاقة بين الجانبين مرحلة جديدة تقوم على البراغماتية وتوازن المصالح، بدلا من الاعتماد السياسي والأمني التقليدي الذي ساد طوال العقود الماضية.
وفي هذا السياق، ستسعى الدول الأوروبية إلى تطوير قدراتها الدفاعية سواء داخل إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو من خلال ترتيبات أوروبية مستقلة، بما يمنحها هامشا أوسع من الاستقلالية في اتخاذ القرار الأمني.
تحديات داخلية لا تمنع المسار الجديد
ورغم وجود تباينات بين الدول الأوروبية، وصعود أحزاب تشكك في المشروع الأوروبي، ترى المجلة أن هذه الخلافات لن توقف مسار التعاون الدفاعي، وإنما قد تدفع نحو ظهور تحالفات ومبادرات عسكرية أكثر مرونة خارج الأطر التقليدية للاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى مبادرات مثل قوة التدخل المشتركة بقيادة بريطانيا، إلى جانب المساعي الفرنسية الرامية إلى تعزيز منظومة الردع النووي الأوروبية، باعتبارها نماذج قد تشكل نواة لترتيبات دفاعية جديدة خلال السنوات المقبلة.
أوروبا أمام مرحلة جديدة
وتخلص مجلة "فورين أفيرز" إلى أن الرهان الأوروبي على انتظار انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم يعد خيارا عمليا، في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا واحتمال أن تعيد رسم توازنات القوة في القارة قبل حدوث أي تغيير في الإدارة الأمريكية.
كما تشير إلى أن الإدارات الأمريكية المقبلة، بغض النظر عن توجهاتها السياسية، ستواصل منح أولوية متزايدة لمنافسة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يقلل من احتمالات عودة الولايات المتحدة إلى أداء الدور التقليدي ذاته في الأمن الأوروبي.
وبناء على ذلك، ترى المجلة أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة جديدة تقوم على السعي لامتلاك رؤية أمنية مستقلة، وتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، بما يجعل الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية جزءا من الماضي، حتى وإن استمر حلف شمال الأطلسي في أداء دور محوري ضمن صيغة مختلفة وأكثر توازنا في العلاقات بين ضفتي الأطلسي.

