إسرائيل قادت حملة تضليل منظمة بشأن نتائج العمليات العسكرية ضد إيران.. فما التفاصيل؟
ملخص :
كشف تحقيق صحفي استقصائي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية عن وجود ما وصفه بـ "حملة تضليل منظمة" يُزعم أنها ارتبطت بالمستوى السياسي في إسرائيل، وبمشاركة جزئية من دوائر داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، بهدف التأثير في الرأي العام بشأن نتائج العمليات العسكرية التي استهدفت منشآت نووية وصاروخية داخل إيران.
وبحسب ما أورده التحقيق، فإن ما جرى لم يكن مجرد اختلاف في التقديرات، بل صراعًا أعمق حول رواية الحرب نفسها، في ظل اتهامات بأن "الحقيقة كانت أولى ضحايا المواجهة"، وأن بيانات رسمية جرى توظيفها لصناعة صورة نصر سياسي لا تعكس الواقع الميداني أو الاستخباراتي.
رواية النصر السياسي وتصادمها مع التقييمات الاستخباراتية
يركز التقرير على تصريحات صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى جانب مواقف للرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، تحدثت عن "تدمير كامل" للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، مع تأكيد أن البرنامج النووي الإيراني "تلقى ضربة حاسمة أنهت التهديد لعقود".
إلا أن التحقيق يشير إلى أن هذه الرواية اصطدمت بتقارير داخلية صادرة عن جهات استخباراتية أمريكية وإسرائيلية، إضافة إلى تقييمات داخل وزارة الدفاع الأمريكية، خلصت إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية النووية الإيرانية كبيرة لكنها غير حاسمة، وأن البرنامج لم يُدمَّر بشكل كامل كما تم الإعلان عنه.
ووفقًا للتحقيق، فقد سعت جهات سياسية إلى دفع مؤسسات استخباراتية لتوقيع وثائق تدعم رواية التدمير الكامل، غير أن قيادات استخباراتية رفيعة رفضت ذلك، معتبرة أن تلك الخطوة تمثل تجاوزًا للمعايير المهنية وتزييفًا للتقدير الاستخباراتي.
ضغوط سياسية وإعادة صياغة الرواية الرسمية
يشير التحقيق إلى أن مكتب رئيس الوزراء، نتنياهو، مارس ضغوطًا على بعض القيادات الأمنية والاستخباراتية بهدف توحيد الخطاب الرسمي حول نتائج العمليات، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق إجماعًا داخليًا.
وفي ظل هذا الرفض، تم اللجوء – بحسب التحقيق – إلى "هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية" التي وقّعت وثيقة تفيد بأن الضربات العسكرية أدت إلى تعطيل منشآت التخصيب وتأخير البرنامج النووي لسنوات، غير أن التحقيق يلفت إلى أن هذه الوثيقة لم تعكس جميع التحفظات العلمية التي قدمها خبراء مختصون.
كما يشير إلى أن جزءًا من التقديرات الداخلية حذر من أن المواد الانشطارية الأساسية لم تُدمَّر بالكامل، بل بقيت محفوظة في مواقع محصنة، ما يعني أن قدرة إيران على إعادة بناء البرنامج لم تتأثر جذريًا، وأن التأخير الفعلي قد لا يتجاوز بضعة أشهر وفق بعض التقديرات.
ملف الصواريخ الباليستية بين الإعلان السياسي والواقع الميداني
لا يتوقف الجدل عند الملف النووي، إذ يتناول التحقيق أيضًا الرواية المتعلقة بالقدرات الصاروخية الإيرانية، ففي الوقت الذي أعلنت فيه القيادة السياسية الإسرائيلية عن تراجع كبير في التهديد الصاروخي، تشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن الغارات لم تحقق تدميرًا شاملًا للبنية الصاروخية، بل أصابت جزءًا محدودًا من منصات الإطلاق ومخازن الصواريخ.
ويضيف التحقيق أن البنية الصناعية الأساسية لإنتاج الصواريخ، بما فيها المعدات الحساسة وخطوط التصنيع، لم تتعرض للتدمير الكامل، وهو ما أبقى القدرة الإيرانية على إعادة التسلح قائمة، وإن بوتيرة متغيرة.
إدارة المعلومات العسكرية وتقييد نتائج التقييمات
يكشف التحقيق عن وجود تعتيم على نتائج تقييم الأضرار القتالية الذي أُجري في نهاية عام 2025، والذي خلص إلى أن الأهداف الاستراتيجية لم تتحقق بالكامل، لا سيما فيما يتعلق بالمنشآت النووية، مشيرا إلى أن المؤسسة العسكرية امتنعت عن الرد على استفسارات صحفية حول تلك النتائج، في وقت تم فيه تقليل حجم الخسائر البشرية في صفوف العلماء الإيرانيين مقارنة بما تم تداوله في الخطاب الرسمي.
ووفقًا للمعطيات الواردة، فإن الحديث عن القضاء على كامل الكوادر العلمية لا يعكس الواقع، إذ تشير التقديرات إلى مقتل عدد محدود من العلماء، بينما بقيت البنية العلمية الأساسية للنظام النووي الإيراني قائمة عبر مئات الخبراء والمهندسين.
بين الأهداف المعلنة والنتائج السياسية غير المحققة
وينتقل التحقيق إلى مرحلة التصعيد الثانية التي شهدتها المواجهة مطلع عام 2026، حيث أُضيف هدف سياسي جديد تمثل في إسقاط النظام الإيراني، إلا أن هذا الهدف واجه تحفظات واضحة من داخل أجهزة الاستخبارات، التي اعتبرته غير واقعي ويصعب تحقيقه عسكريًا، ووصفت بعض التقديرات تلك الفرضية بأنها تقدير منفصل عن الواقع الاستراتيجي.
ورغم ذلك، جرى تعديل الصياغة الرسمية للهدف ليصبح تهيئة الظروف السياسية والأمنية لتغيير النظام، غير أن التحقيق يشير إلى أن هذه الاستراتيجية لم تحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع، بل إلى تعقيد المشهد الإقليمي أكثر.
تضارب الروايات ومحاولات احتواء الجدل
وعرض التحقيق ردودًا رسمية صادرة عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، والمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، وهيئة الطاقة الذرية، والتي نفت جميع الاتهامات الواردة، مؤكدة أن العمليات العسكرية حققت أهدافها الاستراتيجية وأزالت التهديد النووي والصاروخي الإيراني، كما اعتبرت هذه الجهات أن ما نُشر لا يعدو كونه تفسيرًا انتقائيًا يهدف إلى التقليل من الإنجازات الأمنية والعسكرية.
أزمة رواية أم أزمة قرار؟
يخلص التحقيق، وفق ما ورد فيه، إلى أن الإشكال لا يتعلق فقط بنتائج العمليات العسكرية، بل يمتد إلى العلاقة بين القرار السياسي والتقدير المهني داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، محذرا من أن تضارب الروايات وتسييس التقييمات قد يؤدي إلى فقدان الثقة بين المستويات المهنية وصانع القرار، وهو ما قد ينعكس سلبًا على عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي في أوقات الحرب.
كما يشير إلى أن تحويل المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية إلى أدوات في معركة الروايات السياسية قد يشكل، على المدى البعيد، خطرًا بنيويًا على دقة التقدير الأمني وموثوقية القرار السياسي.

