أنقرة تستضيف "الناتو" للمرة الثانية.. ضغوط ترامب وملفات إيران وأوكرانيا تتصدر القمة
ملخص :
يعقد قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) قمتهم السنوية في العاصمة التركية أنقرة، يومي الثلاثاء والأربعاء، في ظل مناخ سياسي مشحون تفرضه ضغوط متواصلة من الرئيس، الأمريكي دونالد ترامب، على الحلفاء الأوروبيين لرفع سقف إنفاقهم العسكري، عقب أشهر من التوتر بشأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتحمل هذه الدورة من القمة أبعادا مضاعفة، إذ تتزامن مع لقاء يترقبه المتابعون عن كثب بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ونظيره الأمريكي، في وقت تتقاطع فيه ملفات الدفاع الجماعي مع حسابات ثنائية دقيقة بين أنقرة وواشنطن.
إرث لاهاي وأجندة الإنفاذ
حقق ترامب مطلبه الأبرز من الحلف في القمة السابقة التي استضافتها لاهاي في يونيو/حزيران من العام الماضي، حين استجاب الأعضاء إلى حد بعيد لضغوطه الرامية إلى زيادة موازناتهم الدفاعية، وبينما كانت لاهاي محطة "الاتفاق على المبدأ"، تسعى أنقرة هذا العام إلى أن تكون محطة "التنفيذ الفعلي" لذلك التعهد.
وتكشف سرعة استجابة معظم الدول الأعضاء لدعوة الرئيس الأمريكي بتخصيص 5% من ناتجها المحلي الإجمالي سنويا للإنفاق الدفاعي بحلول العقد المقبل، عن مدى قدرة واشنطن على إعادة تشكيل بنية الحلف وفق أولوياتها الخاصة، حتى وسط خلافات مستمرة مع شركائها الأوروبيين حول الحرب الإيرانية، ومساعي ترامب المتكررة لضم غرينلاند، وسلسلة من الاحتكاكات الشخصية مع عدد من قادة القارة.
أجواء من الترقب وعدم اليقين
تنعقد قمة أنقرة وسط حالة قلق داخلي يُغذيها الانتقاد المتكرر الذي يوجهه الرئيس الأمريكي للحلف، إلى جانب إعلانه سحب جزء من القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا، وفتحه مراجعة تمتد ستة أشهر لحجم الوجود العسكري الأمريكي في القارة، ويضع هذا المناخ الحلفاء الأوروبيين أمام اختبار جديد لقدرتهم على الحفاظ على تماسك التحالف، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى التزام واشنطن طويل الأمد بالدفاع الجماعي عن القارة العجوز.
حضور دولي واسع وتشكيلة دبلوماسية لافتة
يشارك في فعاليات القمة عدد من الشخصيات الدولية البارزة، إذ ينضم الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، ورئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى مأدبة العشاء التي يقيمها قادة الناتو مساء الثلاثاء، كما يلتقي وزراء خارجية الحلف بنظرائهم من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، ويشاركون في مأدبة عشاء تحضرها وزيرة خارجية أوكرانيا إلى جانب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، ويعقد وزراء دفاع الحلف بدورهم محادثات موازية مع نظرائهم من أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، في إشارة إلى اتساع دائرة الشراكات التي يسعى الناتو لبنائها خارج الإطار الأطلسي التقليدي.
الإنفاق الدفاعي.. الملف الأكثر إلحاحا
يتصدر ملف الإنفاق العسكري الأوروبي جدول أعمال القمة، في ظل ضغط متواصل من إدارة ترامب على دول القارة لزيادة استثماراتها الدفاعية وتحمل العبء الأكبر في الدفاع عن نفسها، ويتوقع مسؤولون أن ينصب تركيز القادة على تقييم التقدم المحرز نحو بلوغ الأهداف المتفق عليها، وتعزيز القدرة الصناعية الدفاعية للتحالف، إضافة إلى بحث آليات "نقل الأعباء" تدريجيا من الولايات المتحدة إلى الشركاء الأوروبيين.
وكانت الدول الأعضاء الـ 32 قد اتفقت في قمة العام الماضي على تخصيص 5% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، موزعة بين 3.5% للموازنات العسكرية المباشرة، و1.5% لتطوير البنية التحتية كالطرق والجسور والموانئ، بما يتيح تحرك القوات والمعدات بسرعة أكبر في أوقات الأزمات، غير أن عددا محدودا فقط من الأعضاء أبدى حتى الآن التزاما فعليا وملموسا بهذه النسب، وهو ما يضع سقف طموحات القمة الحالية أمام اختبار الجدية.
ويشير نص اطلعت عليه وكالة رويترز إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا سيعلنون عن استعدادهم لتحمل أعباء أوسع داخل الحلف بالتنسيق مع واشنطن، عقب زيادات في الاستثمارات الدفاعية قُدرت بأكثر من 139 مليار دولار خلال عام 2025، كما قال سفير الولايات المتحدة لدى الناتو، ماثيو ويتاكر، قبيل انعقاد القمة، إن بلاده تملك إجراءات ستلجأ إليها في مواجهة الدول التي لا تفي بالتزاماتها، دون أن يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة تلك الإجراءات.
وإلى جانب الاتفاق على أرقام الإنفاق، يريد المسؤولون أن ينتقل تركيز القمة هذا العام نحو رفع وتيرة إنتاج الأسلحة وتحفيز الابتكار في الصناعات الدفاعية، بعدما كانت قمة لاهاي معنية أساسا بإقرار تعهد الإنفاق الجديد، وفي هذا الإطار، يستضيف الحلف منتدى للصناعات الدفاعية في أنقرة يوم الثلاثاء، ومن المرتقب أن يشهد الإعلان عن صفقات تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
وعلى الرغم من زيادة التعهدات المالية والإنفاق الفعلي، يرى خبراء أن مساحات واسعة من القارة الأوروبية لا تزال تعتمد بشكل جوهري على الولايات المتحدة في حال تعرضها لهجوم مسلح، استنادا إلى المبدأ التأسيسي للحلف القائم على اعتبار أي اعتداء على أحد الأعضاء اعتداء على الجميع.
وبموازاة ذلك، أطلق الناتو في وقت سابق من العام الجاري مناورة عسكرية كبرى تحت اسم "حارس القطب الشمالي"، تهدف إلى مواجهة الأنشطة الروسية والصينية المتصاعدة في المنطقة القطبية، وتأتي أيضا في سياق التعامل مع تهديدات ترامب المتكررة بشأن غرينلاند، حيث لا يزال الرئيس الأمريكي يصر على ضرورة ضم هذا الإقليم الدانماركي شبه المستقل لدواعٍ أمنية إستراتيجية.
الملف الإيراني ومضيق هرمز يفرضان نفسيهما
ويحتل ملف مضيق هرمز والتطورات الإيرانية موقعا بارزا في مباحثات القمة، خاصة بعد أن تأثرت إمدادات الطاقة إلى أوروبا جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما أعقبها من إغلاق للمضيق، وسط توترات مع واشنطن بسبب رفض عدد من الحلفاء الأوروبيين المشاركة في تلك الحرب.
ووفق مسؤول أمريكي فإن بعض دول الناتو أبدت استعدادها للمساهمة في تأمين حركة الملاحة، إلا أنها تفتقر إلى الجاهزية الكافية سواء من ناحية السفن أو الترتيبات اللوجستية اللازمة، كما أن الرئيس ترامب سيطالب خلال القمة بتعزيز الإنفاق الدفاعي للحلف بشكل عام.
ومن المرتقب أن يتضمن البيان الختامي للقمة تأكيدا صريحا على "ضرورة عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا"، مع دعوة طهران إلى "الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز"، ويترافق ذلك مع قلق أوروبي متصاعد من أن تلقي الحرب على إيران، إلى جانب استياء ترامب من ردود فعل بعض الحكومات الأوروبية تجاهها، بظلالها على أجواء القمة ونتائجها.
أوكرانيا.. استمرار الدعم رغم غياب التمويل الأمريكي
وتحتل الحرب الروسية الأوكرانية، التي دخلت عامها الخامس، موقعا محوريا في مداولات القمة، حيث يُتوقع أن يجدد قادة الحلف التزامهم بتقديم مزيد من الدعم لكييف، بعد أن سبق أن تعهدوا بتقديم 70 مليار يورو من المعدات العسكرية والمساعدات والتدريب خلال عام 2026، ومن المرجح أن يحافظ الناتو على مستويات مماثلة من الدعم والتمويل في عام 2027.
وسيأتي جزء من هذا التمويل من التزامات ثنائية قائمة سلفا، إضافة إلى تسهيلات قرض يوفرها الاتحاد الأوروبي بقيمة 60 مليار يورو، مخصصة لاستثمارات ومشتريات الدفاع الأوكرانية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2027، في حين لا يُتوقع أن تساهم الولايات المتحدة في هذا التمويل، وفي هذا السياق، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أن أوكرانيا في حاجة ماسة إلى تعزيز منظومات دفاعها الجوي، مشيرة إلى أن هذا الملف سيكون حاضرا في نقاشات القمة، إلى جانب السعي لإنجاز اتفاق حول حزمة العقوبات الحادية والعشرين المرتقبة ضد روسيا خلال الأيام المقبلة.
كما تحدث ترامب عشية انعقاد القمة قائلا إنه سيبحث مسألة إنهاء الحرب مع الحلفاء، معربا عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى تسوية تنهي النزاع، من جهته، كشف وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، عن استعداد بلاده لاستضافة جولة جديدة من مفاوضات إنهاء الحرب، موضحا في الوقت ذاته أنه لا يتوقع انعقادها في المدى القريب، وأن كلا من موسكو وكييف مستعدتان للدخول في مفاوضات، لكن العملية لا تزال بحاجة إلى تأثير أمريكي فاعل يدفعها إلى الأمام.
أنقرة تستعيد مكانتها التاريخية
تستضيف تركيا قمة الناتو للمرة الثانية في تاريخها، بعد مرور 22 عاما على استضافتها قمة إسطنبول عام 2004، وتسعى أنقرة من خلال هذه الاستضافة إلى إبراز قدراتها المتنامية في مجال الصناعات الدفاعية، وتجديد دعوتها القائمة منذ سنوات لأعضاء الحلف برفع كافة القيود المفروضة على التجارة الدفاعية بين دوله.
وفي خطوة رمزية، أصدرت تركيا عملة تذكارية من فئة 5 ليرات احتفاء بالقمة الـ 36 للحلف التي تستضيفها أنقرة، إلا أن أهمية القمة تتجاوز البعد الاحتفالي إلى تعزيز سبل التعاون بين الأعضاء في ذروة التوترات الدولية، وهو ما يمنح اللقاء المرتقب بين أردوغان وترامب أهمية بالغة تتجاوز البروتوكول إلى جوهر الملفات العالقة.
وتعكس العلاقة الممتدة بين البلدين، التي تعود جذورها الدبلوماسية إلى القرن التاسع عشر، مكانتهما الراهنة بوصفهما أكبر مؤسستين عسكريتين داخل حلف شمال الأطلسي، واثنتين من أكثر الدول تقدما وكفاءة في مجال الصناعات الدفاعية عالميا، وبينما تحظى الولايات المتحدة بنفوذ عالمي أوسع، تتميز تركيا بموقع جغرافي إستراتيجي فريد وشبكة من التحالفات الثنائية، ما يجعل كلا الطرفين ركيزة أساسية في بنية قوة الحلف، رغم التباين في وجهات النظر واستمرار عدد من الملفات الخلافية بينهما.
الود الشخصي بين أردوغان وترامب يعيد رسم موقع أنقرة
طبعت العلاقة الشخصية بين الرئيسين التركي والأمريكي أجواء التقارب بين البلدين خلال ولاية ترامب الحالية، إذ دأب الرئيس الأمريكي على الإشادة بنظيره التركي في أكثر من مناسبة، واصفا إياه بـ "الصديق" و"القائد الاستثنائي"، وهو ما ساهم في تعزيز موقع تركيا داخل الحلف عقب فترة من التوتر مع عدد من العواصم الغربية.
وأعلن ترامب أنه قرر المشاركة في قمة أنقرة خصيصا من أجل أردوغان، مشيرا إلى أنه لولا استضافة تركيا للقمة لما حضرها أصلا، وهو تصريح اعتبره مراقبون مكسبا دبلوماسيا مهما لأنقرة، ورسالة تعزز حضورها ونفوذها داخل التحالف، ويشير تقرير صادر عن مركز "المجلس الأطلنطي" الأمريكي للأبحاث إلى أن خصائص كل من الولايات المتحدة وتركيا تسهم في تحديد قوة الناتو ورسم حدود فاعليته، موضحا أنه "حين تتوافق القيادتان في البلدين، تتسع آفاق التنسيق العسكري والدبلوماسي والإستراتيجي، وحين يغيب هذا التوافق، يسود الجمود والتوتر"، ورغم النبرة الإيجابية التي حافظ عليها الرئيسان، يظل الكثير من ملامح مستقبل العلاقة الثنائية، وانعكاساتها على مسار الحلف عموما، غامضا وغير محسوم.
ملفات خلافية تنتظر الحل على طاولة القمة
يسعى الرئيسان من خلال لقائهما على هامش القمة إلى تجاوز عدد من نقاط الخلاف التاريخية، أبرزها استبعاد واشنطن لأنقرة من برنامج المقاتلات "إف-35"، وفرض عقوبات عليها منذ عام 2020 عقب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400"، التي تعدها الولايات المتحدة تهديدا أمنيا مباشرا لسلامة البرنامج.
كما تبرز العقوبات المفروضة على "بنك خلق" المملوك للدولة التركية، والمتهم بالمساعدة في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران، إذ تقدر لائحة الاتهام الصادرة عن المدعي الفدرالي الأمريكي حجم التحويلات المالية موضع الشبهة بنحو 20 مليار دولار.
ويضاف إلى ذلك الخلاف السابق حول الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تصنفها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني وتعدها تنظيما إرهابيا، وإن كان هذا الدعم قد تراجع لاحقا عقب توقيع "قسد" اتفاق الاندماج في المؤسسات السورية في فبراير/شباط 2026.
ويأتي اللقاء بعد أشهر من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في يونيو/حزيران الماضي، نصت على وقف القتال ورفع الحصار البحري الأمريكي عن طهران وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ومع ذلك، لا تزال شكاوى ترامب العلنية مستمرة بشأن تقاعس بعض الحلفاء عن أداء دور فاعل في جهود إبقاء المضيق مفتوحا، أو في المجهود العسكري الذي خاضته واشنطن ضد طهران، ومن المرجح أن يكون هذا الملف حاضرا في مباحثاته مع أردوغان.
وحافظت أنقرة طوال الأزمة على موقف متوازن حيال الحرب على إيران، بما يعزز دورها الدبلوماسي في احتواء توسع الصراع إقليميا وحماية مصالحها في المنطقة، وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية التركي، هاكان، فيدان إنه "من ناحية الإرادة السياسية، فإن كلا الطرفين جاد للغاية بشأن الأهداف النهائية"، مستدركا بأن مذكرة التفاهم الموقعة تركت قضايا خلافية عديدة معلقة لمفاوضات مقبلة، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات المفروضة على طهران، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
ويرى مركز "المجلس الأطلنطي" أن استقرار العلاقات الأمريكية التركية من شأنه أن يخدم مصالح واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط وأوروبا على حد سواء، معتبرا أن قمة الناتو لعام 2026 ينبغي أن تشكل منصة مناسبة لعرض هذه العلاقة وتعزيزها.
تركيا وسيطا محتملا في الملف الأوكراني
اعتمدت الإدارة الأمريكية على أنقرة للعب دور الوساطة في مساعي إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، نظرا لما تحظى به تركيا من نهج دبلوماسي متوازن اتبعته منذ اندلاع الأزمة، من خلال وقوفها على مسافة واحدة من طرفي النزاع، ويرى أردوغان أن بلاده "الجهة الوحيدة القادرة على التحدث مباشرة مع كل من الرئيسين الروسي والأوكراني"، وهو ما يمنحها موقعا تفاوضيا فريدا بين الحلفاء الغربيين.
ومن المتوقع أن يكون هذا الملف حاضرا بقوة في محادثات أردوغان وترامب، بعد أن أعلن وزير الخارجية التركي عشية القمة استعداد بلاده لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات بين موسكو وكييف، مستدركا بأنه لا يتوقع انعقادها في وقت قريب، وكشف الوزير التركي أن الطرفين الروسي والأوكراني مستعدان لخوض هذه المفاوضات، إلا أن العملية بمجملها لا تزال بحاجة إلى تأثير أمريكي حاسم يدفعها قدما.
توزيع الأعباء العسكرية.. مطلب تركي بالمقابل
تدعم تركيا من حيث المبدأ التوجه العام نحو زيادة الإنفاق العسكري داخل الحلف، غير أنها تطالب في المقابل بتوزيع عادل للأعباء بين الأعضاء، وبإشراكها الكامل في المبادرات وخطط الدفاع الأوروبية المشتركة، ويمكن لأنقرة، عبر اللقاء المرتقب بين أردوغان وترامب، أن تعول على دعم واشنطن للضغط على الحلفاء الأوروبيين في هذا الاتجاه.
وفي المحادثات الثنائية، يُتوقع أن يسلط أردوغان الضوء على التحسن الملحوظ في العلاقات بين أنقرة وواشنطن، مع الدفع باتجاه رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على بلاده، واستئناف مشاركتها في برنامج المقاتلات "إف-35"، كما يُنتظر أن يشهد منتدى الصناعات الدفاعية المصاحب للقمة في أنقرة إعلانا عن صفقات تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
القدرات الصناعية التركية.. رهان متنام داخل الحلف
وعلى الرغم من كون الجيش التركي ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي من حيث العدد، فإنه لا يمتلك حتى الآن منظومة دفاع صاروخي متكاملة خاصة به، ويعتمد إلى حد بعيد على أنظمة الحلف ومقاتلاته، وتعمل أنقرة حاليا على تجاوز مفاوضاتها المتعثرة مع باريس وروما للحصول على منظومة "سامب/تي" الفرنسية الإيطالية، في إطار مشروعها الطموح لبناء شبكة دفاع جوي وصاروخي متكاملة تحمل اسم "القبة الفولاذية".
وتتميز هذه المنظومة بقدرتها على تعقب عشرات الأهداف في آن واحد، واعتراض تهديدات متعددة في الوقت نفسه، ما يجعلها النظام الأوروبي الوحيد الذي يُقال إنه قادر على اعتراض الصواريخ الباليستية، ويرى رئيس اللجنة العسكرية في حلف الناتو، الجنرال جوزيبي كافو دراغوني، أن امتلاك تركيا نحو 4000 شركة عاملة في قطاع الصناعات الدفاعية، ووجودها ضمن قائمة أكبر عشر دول مصدّرة للسلاح عالميا، إضافة إلى توفرها على أكثر من مئة ألف مهندس وكادر فني متخصص، يجعل منها شريكا إستراتيجيا يحظى بتقدير ومتابعة لصيقة من جانب حلفائها في الناتو.
تتقاطع في قمة أنقرة ملفات الإنفاق الدفاعي، والحرب الإيرانية، والحرب الأوكرانية، مع استحقاقات ثنائية دقيقة بين تركيا والولايات المتحدة، في مشهد يعكس إعادة تشكل موازين القوى داخل الحلف الأطلسي تحت ضغط سياسة ترامب، وفيما يسعى الطرفان التركي والأمريكي إلى ترجمة الدفء الشخصي بين رئيسيهما إلى تفاهمات عملية حول الملفات العالقة، تبقى نتائج القمة، وما سيتمخض عنها من التزامات فعلية، اختبارا حقيقيا لمدى تماسك الحلف في مواجهة تحديات متزايدة التعقيد.

