أزمة هوية غير مسبوقة.. يهود الولايات المتحدة بين العلاقة مع إسرائيل والاندماج في المجتمع الأمريكي
ملخص :
أعادت التطورات التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعه من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تشكيل النقاش داخل المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، لتكشف عن أزمة هوية جماعية يصفها مراقبون بأنها الأعمق منذ عقود، فقد وجدت قطاعات واسعة من اليهود الأمريكيين نفسها أمام تحديات غير مسبوقة تمس علاقتها بإسرائيل، وموقعها داخل المجتمع الأمريكي، والتوازن بين الانتماء الديني والقيم الليبرالية التي تبنتها لأجيال.
وفي هذا السياق، تناول الكاتب الأمريكي، نيكولاس ليمان، العميد السابق لكلية الصحافة في جامعة كولومبيا، هذه الأزمة في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، مستعرضاً التحولات الفكرية والسياسية التي طرأت على الهوية اليهودية الأمريكية، ومعتبراً أن اللحظة الراهنة أعادت إحياء نقاشات تاريخية حول معنى الانتماء اليهودي وإمكانية الجمع بين الخصوصية الدينية والاندماج الكامل في المجتمعات الغربية الحديثة.
رسالة من الماضي تكشف جذور الانقسام
استهل ليمان مقاله باستعادة رسالة كتبها والده قبل نحو 60 عاماً إلى حاخام معبد "تمبل سيناي" في مدينة نيو أورليانز، في حادثة تعكس طبيعة الجدل الذي كان سائداً داخل الأوساط اليهودية الأمريكية آنذاك.
وكان والد الكاتب قد اعترض على مجلة موجهة للأطفال، معتبراً أنها تروج لما وصفه بـ "الدعاية الصهيونية" وتتبنى مواقف سياسية تنتقد السياسة الأمريكية خلال حرب فيتنام، وهو ما رآه خروجاً عن الدور الديني للمؤسسات اليهودية.
ويشير ليمان إلى أن موقف والده لم يكن استثنائياً، بل جاء امتداداً للفكر الذي تبنته "وثيقة بيتسبرغ" الصادرة عام 1885، والتي شكلت المرجعية المؤسسة لليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، إذ أكدت أن اليهود يمثلون جماعة دينية لا قومية، ولا ينبغي أن يكون هدفهم إقامة دولة سياسية أو العودة إلى فلسطين.
الهجرة والنازية.. نقطة التحول الكبرى
لكن هذه الرؤية، بحسب الكاتب، لم تحظ بإجماع اليهود الأمريكيين، خصوصاً مع وصول موجات الهجرة القادمة من أوروبا الشرقية، التي حملت معها رؤية مختلفة للهوية اليهودية، وجعلت الصهيونية أكثر حضوراً داخل المجتمع اليهودي الأمريكي.
ومع صعود النظام النازي في ألمانيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، تبدلت المواقف بصورة جذرية، فقد تخلت الحركة الإصلاحية تدريجياً عن رفضها للمشروع الصهيوني، بعدما أصبحت أوضاع اليهود في أوروبا تنذر بكارثة تاريخية، ليتحول دعم إقامة دولة إسرائيل لاحقاً إلى أحد أهم المرتكزات السياسية والثقافية لليهود الأمريكيين.
ويرى الكاتب أن كثيراً من اليهود في الولايات المتحدة نظروا إلى إسرائيل، عقب تأسيسها، باعتبارها مشروعاً ليبرالياً يوفر ملاذاً آمناً لليهود الناجين من الاضطهاد، ويرسخ نموذجاً لدولة ديمقراطية حديثة.
عقود من الاندماج.. ثم اهتزاز المعادلة
شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين، بحسب ليمان، اندماجاً غير مسبوق لليهود داخل المجتمع الأمريكي، بعدما تراجعت القيود الاجتماعية التي كانت تحدد فرصهم في السكن والعمل والتعليم، وأصبح حضورهم واسعاً في مختلف المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية.
وخلال تلك المرحلة، تمكن كثير من اليهود الأمريكيين من التوفيق بين عدة انتماءات في وقت واحد، فجمعوا بين النجاح المهني، والهوية الثقافية اليهودية، والتأييد لإسرائيل، والانتماء إلى التيار الليبرالي الديمقراطي، دون الحاجة إلى التمسك الصارم بالممارسات الدينية التقليدية.
غير أن هذه المعادلة، وفق الكاتب، تعرضت لاهتزاز عميق بعد التطورات الأخيرة، في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل، واتساع رقعة الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة، خصوصاً في الجامعات والأوساط التقدمية.
الصهيونية بين الانتقاد والعزلة السياسية
يؤكد ليمان أن مصطلح "الصهيونية" لم يعد يحمل الدلالات التي ارتبط بها لعقود داخل المجتمع الأمريكي، بل أصبح في العديد من البيئات التقدمية يُستخدم بوصفه توصيفاً سلبياً يرتبط بالسياسات الإسرائيلية، وهو ما وضع كثيراً من اليهود الليبراليين أمام معضلة معقدة، مشيرا إلى أن الضغوط الشعبية المتزايدة لم تعد تقتصر على النشطاء، بل امتدت إلى الساحة السياسية، حيث بات أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري أكثر حساسية تجاه الرأي العام المنتقد لإسرائيل، الأمر الذي أوجد واقعاً جديداً يشعر فيه كثير من اليهود بصعوبة الجمع بين هويتهم اليهودية، ودعمهم لإسرائيل، وانتمائهم الليبرالي، وقبولهم الكامل داخل الدوائر الاجتماعية والسياسية الأمريكية.
ارتباط يتجاوز السياسة
ورغم تصاعد الانتقادات، يرى الكاتب أن فكرة القطيعة النفسية أو العاطفية الكاملة مع إسرائيل تبدو غير واقعية بالنسبة لغالبية اليهود الأمريكيين، مستشهدا بنتائج استطلاع رأي نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، أظهر أن نحو ثلاثة أرباع اليهود الأمريكيين يعتبرون إسرائيل عنصراً أساسياً في مستقبل الشعب اليهودي، رغم معارضة كثير منهم لسياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ولا سيما حكومته اليمينية التي وصلت إلى السلطة عام 2022.
ويفسر ليمان هذا الارتباط بوجود عوامل اجتماعية وعائلية وثقافية عميقة، إذ يعيش ما يقارب نصف اليهود في إسرائيل، بينما تمتلك أعداد كبيرة من العائلات اليهودية الأمريكية أقارب وأصدقاء هناك، فضلاً عن الروابط التي ترسخت عبر المؤسسات التعليمية والبرامج الشبابية والمخيمات الصيفية التي عززت العلاقة بإسرائيل منذ الصغر.
الدين والذاكرة التاريخية في قلب الهوية
ويرى الكاتب أن الارتباط بإسرائيل لا يقتصر على الاعتبارات السياسية، بل يمتد إلى البعد الديني والروحي، حيث تشكل القدس ومكانتها في التراث اليهودي، إلى جانب الروايات الدينية المتعلقة بالهيكل، ركائز أساسية في الوعي الجماعي اليهودي.
ومن هذا المنطلق، يعتبر ليمان أن مطالبة اليهود الأمريكيين بالفصل الكامل بين هويتهم الدينية وإسرائيل تعني عملياً التخلي عن أحد أهم مكونات الذاكرة التاريخية والروحية التي حافظت على تماسكهم عبر القرون.
دعوة إلى مراجعة الذات لا إلى اختبار الولاءات
وفي ختام مقاله، يقدم ليمان رؤية شخصية لمعالجة حالة الارتباك التي يعيشها اليهود الأمريكيون الليبراليون في المرحلة الحالية، مستندا في ذلك إلى تجربته الذاتية، موضحاً أنه انتقل من الابتعاد عن المعبد الإصلاحي في طفولته إلى الانخراط لاحقاً في جماعة دينية تتبع التيار المحافظ في نيويورك، وهي تجربة دفعته إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والهوية.
ويخلص إلى أن تجاوز الأزمة لا يتحقق عبر الخضوع لاستقطابات السياسة أو اختبارات الولاء، وإنما من خلال مراجعة التوقعات بشأن إمكانية التوفيق الكامل بين اليهودية والمبادئ العالمية المجردة، إلى جانب تعزيز المشاركة في الحياة الدينية، والتعمق في دراسة التوراة والنصوص المؤسسة، لفهم السياق التاريخي والثقافي الذي تشكلت فيه الهوية اليهودية.
ويختتم ليمان بالإشارة إلى أنه لا يزال، كما كان والده من قبله، يعيش حالة "بينية" تجمع بين الاندماج في المجتمع الأمريكي والاحتفاظ بخصوصية يهودية يصعب التخلي عنها، معتبراً أن الشعور التاريخي بالاختلاف أو "الغربة" ليس حالة عابرة، بل جزء أصيل من التجربة اليهودية، وأن الحفاظ على التقاليد الدينية والتضامن المجتمعي يمثلان السبيل الأهم للتعامل مع هذه الحقيقة في ظل التحولات السياسية والثقافية المتسارعة.

