ماكرون في دمشق: زيارة تاريخية تعيد رسم خريطة العلاقات الفرنسية السورية
ملخص :
حطّت طائرة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في مطار دمشق الدولي، مساء أمس الاثنين، في زيارة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية متشعبة، وكان في استقباله على أرض المطار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في مشهد بروتوكولي حرص الجانبان على إبرازه إعلاميًا.
وتكتسب هذه الزيارة طابعًا استثنائيًا كونها الأولى التي يقوم بها رئيس دولة غربية إلى سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024، كما أنها أول محطة سورية لرئيس فرنسي منذ الزيارة التي قام بها الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2009، أي بعد فارق زمني يتجاوز 17 عامًا شهدت خلالها العلاقات الثنائية قطيعة طويلة تخللتها سنوات الثورة والحرب.
لقاء الرئيسين: من المحادثات غير الرسمية إلى المفاوضات الرسمية
وعقد الرئيس السوري أحمد الشرع لقاءً تمهيديًا "غير رسمي" مع ضيفه الفرنسي، مساء الاثنين، تمهيدًا لجولة مفاوضات رسمية تُعقد اليوم الثلاثاء، يُختتم بعدها البرنامج بمؤتمر صحفي مشترك يجمع الرئيسين.
وفي تصريحات أدلى بها لقناة "بي إف إم تي في" الفرنسية، وصف الرئيس الشرع زيارة نظيره الفرنسي بأنها "تطور مهم" في مسار العلاقة بين البلدين، مؤكدًا أن الزيارة ستُفضي إلى توقيع اتفاقيات عدة، تشمل قطاعي البنية التحتية والمال، إلى جانب مجالات أخرى واعدة يمكن أن تدخلها فرنسا كشريك فاعل.
وأشاد الشرع بموقف باريس التاريخي من الشعب السوري، معتبرًا أن فرنسا كانت من أوائل الدول التي وقفت إلى جانب السوريين منذ اندلاع الثورة التي واجهها النظام السابق بالقمع، لافتًا إلى أن التواصل بين ماكرون والقيادة السورية الجديدة لم ينقطع منذ اللحظات الأولى لتحرير البلاد، وأن باريس أدت دورًا محوريًا في مسار رفع العقوبات الدولية عن دمشق.
كما استعرض الرئيس السوري ما وصفه بتجاوز بلاده "عقبات كثيرة" خلال الأشهر الماضية، منوّهًا إلى نسج علاقات متميزة مع عدد من الدول، مع التأكيد على أن الدور الفرنسي كان له أثر مباشر في دفع مسار الانفتاح السوري على العالم الخارجي.
أهداف الزيارة كما حددها الإليزيه
وفي بيان صادر عن الرئاسة الفرنسية، جددت باريس التأكيد على دعمها لوحدة الأراضي السورية، ودفعها نحو تحقيق انتقال سياسي "شامل وتعددي" يكفل تمثيلًا عادلًا لجميع مكونات المجتمع السوري، ويضمن حقوقها وأمنها في آن واحد.
وتضع فرنسا في صلب أولوياتها خلال هذه الزيارة، دعم بناء دولة سورية "مستقرة وذات سيادة"، وفتح آفاق تعاون جديدة مع دمشق تشمل الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية معًا، في مقاربة تحاول باريس من خلالها ترسيخ حضورها كشريك استراتيجي في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.
ونقل "الإليزيه" عن ماكرون دعوته إلى قيام "سوريا حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها، وتضطلع بدور فاعل في تهدئة التوترات بالشرق الأوسط"، مع تحذير صريح مفاده أن "سوريا الجديدة لن تكون شريكًا لفرنسا إلا إذا أخذت تعدديتها بعين الاعتبار الكامل".
وشدد القصر الرئاسي الفرنسي على أن باريس "صارمة" في هذا المطلب، مؤكدًا أنه "لا مجال لأن تحل سلطة إقصائية محل سلطة إقصائية أخرى"، في إشارة تحمل دلالات سياسية واضحة بشأن طبيعة النظام الجديد الذي تريده فرنسا لسوريا ما بعد الأسد.
من جانبه، أكد ماكرون في تصريح رسمي أن زيارته إلى دمشق "تجسد التزام فرنسا الراسخ بالوقوف إلى جانب الشعب السوري، من أجل سوريا موحدة وذات سيادة، تحترم تعدديتها، وتنعم بعلاقات سلمية مع محيطها الإقليمي"، فيما دعا عبر منصة "إكس" إلى "فتح صفحة جديدة من الاستقرار والسلام".
وفد اقتصادي ثقيل يرافق الرئيس الفرنسي
لم تقتصر الزيارة على البعد السياسي والدبلوماسي، إذ رافق ماكرون وفد ضخم من كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات الفرنسية الكبرى، في مؤشر واضح على أن الاقتصاد يحتل موقعًا متقدمًا على أجندة الزيارة.
وبحسب "فرانس برس"، ضم الوفد المرافق كلًا من رودولف سعادة، رئيس مجلس إدارة مجموعة "سي إم إيه - سي جي إم" العملاقة للنقل البحري، وباتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز" العاملة في قطاع الطاقة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن مباحثات الشق الاقتصادي من الزيارة ستتركز على ملفات استثمارية تخص قطاعي النقل والطاقة تحديدًا، وهما القطاعان اللذان تسعى فرنسا إلى ترسيخ حضورها فيهما ضمن خطة أوسع لدعم إعادة إعمار سوريا.
وتأتي هذه المساعي في وقت لا تزال فيه حركة التبادل التجاري بين البلدين محدودة الحجم، وإن كانت البيانات الفرنسية تشير إلى أنها دخلت مرحلة تعافٍ تدريجي بعد سنوات من الركود الذي فرضته العقوبات والقطيعة السياسية.
ملف مكافحة الإرهاب على طاولة المباحثات
إلى جانب الشق الاقتصادي، يحتل الملف الأمني حيزًا مهمًا من مباحثات الرئيس الفرنسي في دمشق، وفي مقدمتها التعاون في مكافحة الإرهاب، وتحديدًا التصدي لتنظيم "الدولة الإسلامية"، إلى جانب تعزيز أطر التعاون الأمني على المستوى الإقليمي، في ظل استمرار مشاركة سوريا ضمن التحالف الدولي المناهض للتنظيم، وفق ما جاء في بيان الإليزيه.
برنامج زيارة حافل بالمحطات
يتضمن جدول أعمال الرئيس الفرنسي خلال يومي زيارته سلسلة من اللقاءات مع كبار المسؤولين السوريين، ومحادثات سياسية معمّقة، إضافة إلى منتدى اقتصادي مخصص لملف إعادة الإعمار، يعقبه توقيع عدد من اتفاقيات التعاون الثنائي، على أن تُختتم الزيارة بمؤتمر صحفي مشترك يجمع الرئيسين الفرنسي والسوري.
دلالات رمزية وأدوار إقليمية موسعة
ووصفت مصادر دبلوماسية فرنسية أن الزيارة تحمل "دلالات رمزية كبيرة"، تعكس الدور البارز الذي أدته فرنسا إلى جانب سوريا الجديدة، لا سيما عبر معارضتها الصريحة لسياسات القمع التي انتهجها نظام الأسد منذ اندلاع ثورة 2011.
وبحسب المصادر ذاتها، تسعى باريس إلى ترسيخ موقع سوريا كمركز للاستقرار الإقليمي، عبر الاضطلاع بدور الوسيط في الملف الكردي، وتيسير قنوات الحوار مع لبنان، والمساهمة الفاعلة في جهود مكافحة الإرهاب، بما يخدم مسار التعافي الاقتصادي السوري، ويسهم في تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف السورية عقب سنوات طويلة من الحرب الأهلية والانقسامات.
كما تطمح فرنسا، على الصعيد الإقليمي الأوسع، إلى المساهمة في إعادة تموضع سوريا بوصفها ممرًا تجاريًا وطاقيًا واصلًا بين القارتين الأوروبية والآسيوية، وهو ما يمنح الزيارة بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين البلدين.
وبيّنت المصادر أن ماكرون سيكرر خلال محادثاته تمسك بلاده بوحدة الأراضي السورية، وبضرورة إنجاز انتقال سياسي شامل وتعددي، يضمن الحقوق والأمن والتمثيل العادل لكل مكونات المجتمع السوري دون استثناء.
وتشكل الزيارة، بحسب تلك المصادر، التزامًا فرنسيًا ملموسًا تجاه دعم إعادة إعمار سوريا كدولة مستقرة وذات سيادة، تعيش في سلام مع محيطها الإقليمي، فضلًا عن كونها بداية لصفحة جديدة من الشراكة الفرنسية السورية في المجالين الاقتصادي والأمني، تنسجم مع الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي وتنويع طرق الإمداد بين أوروبا والشرق الأوسط.
وتمثل الزيارة، وفق التوصيف ذاته، فرصة لتوسيع آفاق التعاون الثنائي في عدة محاور متكاملة؛ أمنيًا عبر مكافحة الإرهاب وتثبيت دعائم الاستقرار في سوريا والمنطقة، واقتصاديًا من خلال الإسهام في النهوض بالاقتصاد السوري وتحقيق إمكاناته الكامنة، وتقنيًا عبر دعم إعادة هيكلة المؤسسات السورية الجديدة وتعزيز قدراتها.
ولا يقتصر التعاون المرتقب على هذه المحاور فحسب، بل يمتد ليشمل الجانبين الثقافي والتراثي، نظرًا لغنى الموروث السوري وعمقه التاريخي، في محاولة لإحياء تقليد طويل من التعاون الثنائي في هذا المجال، إلى جانب المجال القانوني، وتحديدًا في ملف مكافحة الإفلات من العقاب، بما يعكس استمرار الالتزام الفرنسي بهذا الملف الحساس.
إعادة قطع أثرية سورية: رمزية تاريخية تتقدم الزيارة
من أبرز المحطات الرمزية التي تحملها هذه الزيارة، اعتزام الرئيس الفرنسي إعادة مجموعة من القطع الأثرية السورية التي كانت دمشق قد أعارتها لبلاده قبل عام واحد من اندلاع الثورة السورية عام 2011.
ونقلت "فرانس برس" عن الرئاسة الفرنسية أن ماكرون سيعيد إلى سوريا قطعًا أثرية كانت قد أُعيرت لمعهد العالم العربي في باريس عام 2010، موضحة أنه "لم يكن بالإمكان لأسباب واضحة" إعادتها إلى بلادها الأصلية طوال السنوات الماضية بفعل الظروف التي مرت بها سوريا.
وأكد مصدر في وزارة الثقافة السورية والمتاحف، في تصريح لوكالة "فرانس برس"، أن الرئيس الفرنسي سيحضر معه 23 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة.
وكان البلدان قد أعدّا في عام 2010 لتنظيم معرض مشترك كان مقررًا أن يُقام في ربيع العام التالي داخل معهد العالم العربي بالعاصمة الفرنسية، قبل أن تحول أحداث الثورة السورية دون إتمام ذلك المسار، وذكر الإعلام الرسمي السوري حينها أن هذه القطع تعود إلى حقب متعاقبة، بدءًا من الألف العاشر قبل الميلاد، مرورًا بالعصر البرونزي، ثم الحقبة الكلاسيكية، وصولًا إلى مرحلة الحضارة العربية الإسلامية.
مسار تدريجي: كيف تطورت العلاقات منذ سقوط الأسد
شهدت العلاقات السورية الفرنسية تحولًا لافتًا منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، بعد سنوات طويلة من القطيعة التي فرضتها أحداث الثورة السورية وما تلاها.
وفي مؤشر مبكر على هذا التقارب، توجه الرئيس السوري أحمد الشرع إلى باريس في أيار 2025 في أول زيارة خارجية له إلى بلد غربي منذ توليه السلطة، وهي الخطوة التي حملت دلالة رمزية على الأولوية التي توليها دمشق لعلاقتها مع فرنسا.
وتُعد فرنسا من أبرز الداعمين التاريخيين للمعارضة السورية خلال سنوات الثورة، وكانت أول دولة أوروبية تعلن استعدادها للتعاون مع القيادة السورية الجديدة، إذ أوفدت وفدًا دبلوماسيًا إلى دمشق اعتبارًا من السابع عشر من كانون الأول 2024، أي بعد أيام قليلة من سقوط النظام السابق مباشرة.
وفي الثالث من كانون الثاني 2025، زار وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي دمشق برفقة نظيرته الألمانية، في خطوة عكست تنسيقًا أوروبيًا متزايدًا حيال الملف السوري، كما أعادت فرنسا اعتبارًا من أيار 2025 تفعيل حضورها الدبلوماسي في دمشق بشكل كامل، بهدف تعزيز قنوات الحوار مع السلطات الجديدة وتسهيل استئناف مختلف الأنشطة التعاونية الثنائية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي، دعمت باريس بقوة مسار رفع العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا، والتي دخلت حيز التنفيذ اعتبارًا من أيار 2025، إذ عملت الحكومة الفرنسية على التأثير في توجهات سياسة الاتحاد الأوروبي حيال العقوبات على دمشق، سعيًا لتمهيد الطريق أمام عودة تدريجية للاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.
استثمارات فرنسية في قطاعي النقل والطاقة
وفي مؤشر ملموس على تنامي الحضور الاقتصادي الفرنسي، وقّعت الحكومة السورية في أيار 2025 عقدًا يمتد لـ 30 عامًا مع مجموعة "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية، بقيمة بلغت 230 مليون يورو، يقضي بتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية، أحد أهم المرافئ الاستراتيجية على الساحل السوري.
وفي أيار 2026، جرى توقيع مذكرة تفاهم جمعت بين ثلاث شركات عالمية كبرى، هي "كونوكو فيليبس" الأميركية، و"توتال إنرجيز" الفرنسية، و"قطر للطاقة" القطرية، تتعلق باستكشاف موارد النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة تعكس تنافسًا دوليًا متزايدًا على فرص الاستثمار في القطاع الطاقي السوري الواعد.
وتأتي زيارة ماكرون الحالية لتتوج هذا المسار التصاعدي من التقارب الفرنسي السوري، وتفتح على ما يبدو مرحلة جديدة أكثر عمقًا واتساعًا من الشراكة بين البلدين، تمتد من الملفات السياسية والأمنية إلى الاقتصادية والثقافية على حد سواء.

