نهاية عصر التسلح النووي: سباق التقنيات والذكاء الاصطناعي يُغير موازين القوة العسكرية في العالم؟
ملخص :
لم يعد ميزان القوى العسكري الدولي، كما كان الحال في زمن الحرب الباردة، محكوماً بحجم الترسانات النووية وعدد الرؤوس الحربية، فالعالم يقف اليوم على أعتاب حقبة مغايرة تماماً، تُعيد فيها التقنيات الناشئة تشكيل موازين القوة العالمية، من الصواريخ الفائقة السرعة إلى منظومات الذكاء الاصطناعي القتالي، مروراً بأسلحة الفضاء والمنصات الجوية المسيّرة، وبحسب ما رصدته شبكة "بلومبرغ"، فإن كبرى القوى الدولية تضخّ اليوم تريليونات الدولارات في هذا السباق المحموم، سعياً وراء تفوقٍ استراتيجي يصعب على الخصوم مجاراته أو كسره.
سباق تسلح بلا سقف: تريليونا دولار وثلاث قارات
تشير التقديرات إلى أن الإنفاق العسكري العالمي الموجّه نحو هذه التقنيات يتجاوز عتبة تريليونَي دولار، موزّعاً على ثلاث قارات رئيسية، في مشهدٍ يستحضر إلى الأذهان سباق التسلح النووي الذي شهدته حقبة الحرب الباردة، حين تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق على بناء ترسانات نووية ضخمة لم يسبق لها مثيل.
لكن المشهد الراهن يبدو أكثر تشابكاً وتعقيداً من سابقه؛ إذ تتعدد فيه الأطراف الفاعلة، وتتداخل التقنيات المستخدمة، فيما يبقى هناك يقين وحيد لا خلاف عليه: أن التخلف عن ركب هذا السباق قد يحمل كلفة استراتيجية باهظة قد ترقى إلى مستوى الكارثة.
خريطة القدرات: من يتصدر أي مجال؟
تتوزع الأفضليات النسبية بين اللاعبين الكبار بحسب المجال التقني؛ فروسيا تحافظ على ما تعتبره تفوقاً ميدانياً في مجال الصواريخ الفائقة السرعة، بينما ترتبط الصين ارتباطاً وثيقاً بمختبرات الذكاء الاصطناعي ومنظومات التطوير التقني العسكري المتقدمة، في المقابل، راكمت الولايات المتحدة خبرة تشغيلية أولية في توظيف هذه التقنيات ضمن ساحات القتال الفعلية، أما القارة الأوروبية، فرغم امتلاكها موارد اقتصادية وصناعية كبيرة، فإنها ما زالت تعاني ضعفاً بنيوياً في التنسيق السياسي والعسكري بين دولها.
وفي ظل هذا التنافس المحتدم، تتآكل تدريجياً منظومة اتفاقيات الحد من التسلح التقليدية، بما فيها معاهدات الأسلحة الاستراتيجية التي كانت تشكل صمام أمان لعقود، فيما تتسارع جهود القوى الكبرى لتطوير ما يُنظر إليه على أنه تفوقٌ حاسم يصعب احتواؤه أو موازنته.
وفي هذا السياق، تقول سيليست والندر، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأميركية، إن سباق تسلّح حقيقي يجري بالفعل على أرض الواقع، حتى وإن لم يُطلق عليه هذا الاسم صراحة، مضيفة أنه سباق متعدد الأبعاد يفرض على القوى الكبرى ضرورة تحديد أولوياتها الاستراتيجية بدقة ووضوح.
واشنطن وبكين: قطبا المعركة التكنولوجية
تتصدر الولايات المتحدة والصين المشهد العالمي في هذا السباق التكنولوجي العسكري المحتدم، فبحسب المعطيات المتاحة، تعتزم إدارة الرئيس، دونالد ترامب، تخصيص نحو 1.5 تريليون دولار للإنفاق الدفاعي في ميزانيتها المقبلة، في حين تُقدَّر النفقات العسكرية الصينية بنحو 500 مليار دولار، مع وجود استثمارات إضافية غير معلنة تتداخل فيها القطاعات الحكومية والخاصة على حدٍ سواء.
ومنذ اجتياح روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) من عام 2022، سجّلت أسهم شركات صناعة الدفاع العالمية ارتفاعات لافتة، في انعكاس مباشر لتسارع وتيرة الطلب على الأنظمة العسكرية المتطورة من مختلف دول العالم.
أوروبا بين اتساع الإنفاق وضعف التنسيق
وعلى الرغم من محدودية قدرة الدول الأوروبية على مجاراة الإنفاق الأميركي أو الصيني، فقد ارتفع إجمالي ميزانيات الدفاع في القارة العجوز إلى نحو 600 مليار دولار خلال عام 2025، مسجلاً نمواً ملحوظاً في مجالات الدفاع الجوي والمدفعية والمنصات المسيّرة على وجه الخصوص.
موسكو تضاعف رهاناتها العسكرية
في المقابل، ضاعفت روسيا إنفاقها العسكري ثلاث مرات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2025، ليصل إلى نحو 176 مليار دولار، وذلك في ظل الضغوط المتواصلة الناجمة عن الحرب المستمرة في أوكرانيا، ودعا الرئيس، فلاديمير بوتين، إلى تسريع وتيرة تطوير أنظمة تسليم نووية وتقليدية جديدة، مع تركيز متنامٍ على توظيف الفضاء والذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.
وتسعى موسكو من خلال ذلك إلى تعزيز موقعها الاستراتيجي عبر تطوير منظومات هجومية متقدمة، من أبرزها صاروخ "كينجال" الذي تزعم روسيا أنه قادر على بلوغ سرعة تعادل عشرة أضعاف سرعة الصوت، إضافة إلى منظومات أخرى مثل الصاروخ النووي "بوريفستنيك" والطوربيد النووي "بوسيدون"، وتُعدّ صواريخ "كينجال" و"زركون" من بين الأنظمة الفائقة السرعة القليلة التي خضعت لاختبار فعلي في ميادين القتال الحقيقية.
بكين تراهن على الاندماج المدني - العسكري
من جانبها، تواصل الصين توسيع استثماراتها في مجال الصواريخ الفائقة السرعة، عبر منظومات عدة أبرزها "DF-17" و"DF-27" و"YJ-21"، إلى جانب تطوير قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية قادرة على العمل في ارتفاعات بالغة التعقيد التقني.
وتشير التوقعات إلى أن الإنفاق الدفاعي الصيني سيرتفع بنسبة تقارب 7% خلال العام الجاري، ليصل إلى ما يقرب من 400 مليار دولار، وسط استمرار غياب الشفافية الكاملة حول الأرقام الفعلية للإنفاق العسكري الصيني.
وتعتمد بكين في هذا المسار على نموذج "الاندماج المدني – العسكري"، الذي يتيح توظيف الشركات المدنية في تطوير تقنيات ذات استخدامات عسكرية مزدوجة، ولا سيما في مجالي الحساسات والمواد المتقدمة.
الذكاء الاصطناعي في خدمة الحرب: كيف تختلف استراتيجية واشنطن؟
في المقابل، تركز الولايات المتحدة جهودها على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في صميم العمليات العسكرية، بما يشمل دعم عمليات التخطيط الجوي وتنسيق الضربات العسكرية بدقة أعلى وسرعة أكبر، كما تعمل واشنطن على دمج أنظمة الاستشعار الفضائية مع منظومات اعتراض الصواريخ الأرضية، بهدف تسريع عملية اتخاذ القرار في مواجهة التهديدات الناجمة عن الأسلحة الفائقة السرعة.
ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة في مراحل تطوير مبكرة نسبياً فيما يخص أسلحتها الفائقة السرعة؛ إذ ما زال مشروع "Dark Eagle" قيد الاختبار والتجريب، إلى جانب مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي، الذي قد تتجاوز كلفته الإجمالية حاجز التريليون دولار.
القارة العجوز: إمكانات كبرى تصطدم بجدار التشتت
تمتلك أوروبا قاعدة صناعية وعلمية متينة تؤهلها للمنافسة في هذا المجال، غير أن غياب التنسيق السياسي الموحد بين دولها يظل عائقاً بنيوياً يحدّ من قدرتها على مجاراة القوى الكبرى بفاعلية، ومع ذلك، يتزايد التوجه الأوروبي نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والمنصات المسيّرة، باعتبارها بدائل أكثر مرونة واقتصادية مقارنة بالأسلحة التقليدية الباهظة الكلفة.
الذكاء الاصطناعي: الورقة الرابحة في حروب الغد؟
يرى عددٌ من الخبراء أن الذكاء الاصطناعي قد يشكّل العامل الحاسم في هذا السباق التكنولوجي العسكري، ليس بفعل قدرته التدميرية المباشرة، بل بفضل ما يوفره من سرعة فائقة في اتخاذ القرار، وقدرة متقدمة على استشراف تطورات ساحة المعركة قبل وقوعها.
في المقابل، يحذّر خبراء آخرون من أن سهولة تطوير هذه التقنيات، مقارنة بالتعقيد الهائل الذي تتطلبه صناعة الأسلحة النووية، قد تجعل بيئة الصراع الدولي أكثر هشاشة وأقل قابلية للسيطرة أو الضبط، ما يفتح الباب أمام مخاطر تصعيدية يصعب التنبؤ بمساراتها.
عالم على أعصابه
يبدو واضحاً أن العالم يعيش اليوم مرحلة انتقالية حاسمة في مفهوم القوة العسكرية والردع الاستراتيجي، حيث تتراجع مكانة الترسانات النووية التقليدية لصالح منظومة معقدة ومتشابكة من التقنيات الناشئة، وبينما تتسابق القوى الكبرى على حيازة هذا التفوق التقني، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستنجح البشرية في ضبط إيقاع هذا السباق قبل أن يفلت من يد صانعي القرار؟

