بعد ضربات متبادلة.. شبح الحرب الأمريكية-الإيرانية يُخيم على المنطقة مجددا
ملخص :
أعادت سلسلة هجمات استهدفت ثلاث ناقلات نفط وغاز في مضيق هرمز خلال ساعات قليلة شبح المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة المشهد الإقليمي، في تطور يهدد أحد أهم الممرات البحرية الحيوية لتجارة الطاقة العالمية، ويضع منطقة الخليج أمام مرحلة جديدة من التصعيد الأمني والعسكري.
وتكتسب الهجمات أهمية استثنائية ليس فقط بسبب تعدد السفن المستهدفة، وإنما لأنها وقعت في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، كما أنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للدول الخليجية التي تضطلع بأدوار دبلوماسية ووساطات إقليمية، وفي مقدمتها قطر، ما يوسع دائرة المخاطر السياسية والأمنية في المنطقة.
استهداف ثلاث ناقلات ورفع مستوى التهديد
أكد مركز المعلومات البحرية المشترك تسجيل ثلاث هجمات منفصلة استهدفت ناقلات نفط وغاز شرق السواحل العمانية وشرق منطقة خورفكان الإماراتية، قبل أن يعلن رفع مستوى التهديد في مضيق هرمز إلى درجة "شديد"، محذرا من استمرار نشاط المسيّرات الإيرانية والهجمات البحرية والنداءات اللاسلكية المرتبطة بتحركات الحرس الثوري.
ونقلت شبكة "إن بي سي" الأمريكية عن مسؤول أمريكي أن الحرس الثوري استخدم طائرة مسيّرة لاستهداف سفينة تجارية بالقرب من المضيق، مؤكدا أن القوات الأمريكية تمكنت من إسقاط عدد من المسيّرات الإيرانية، بينما تعرضت سفينتان أخريان لهجوم بصاروخين قصيري المدى وعاليي السرعة خلال ساعات الليل.
واشنطن ترد بضربات واسعة داخل إيران
في أعقاب الهجمات البحرية، شنت الولايات المتحدة، فجر الأربعاء، عملية عسكرية واسعة ضد أهداف داخل إيران، في خطوة وصفت بأنها أكبر رد أمريكي مباشر منذ اندلاع الأزمة الأخيرة، وقالت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إن العملية جاءت ردا على استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز، مؤكدة أن واشنطن لن تسمح بتهديد حرية الملاحة الدولية، وأن إيران "ستدفع ثمنا باهظا" نتيجة استهدافها السفن التجارية، موضحة أن القوات الأمريكية استخدمت ذخائر دقيقة لضرب أكثر من 80 هدفا داخل إيران، شملت مواقع عسكرية ومنظومات دفاعية وبنى تحتية مرتبطة بالعمليات البحرية.
الأهداف العسكرية للغارات الأمريكية
وأشارت "سنتكوم" إلى أن الضربات استهدفت أكثر من 60 زورقا سريعا تابعا للحرس الثوري الإيراني داخل مضيق هرمز وفي محيطه، إضافة إلى تدمير أنظمة الدفاع الجوي، وشبكات القيادة والسيطرة، ومحطات الرادار الساحلية، وقدرات الصواريخ المضادة للسفن، في محاولة للحد من قدرة إيران على تهديد الملاحة الدولية.
وكشف مسؤول أمريكي، بحسب موقع "أكسيوس"، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صادق على خطة تنفيذ الضربات وأصدر أوامر البدء بالعملية أثناء وجوده في تركيا للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
الرواية الإيرانية: استهداف منشآت مدنية
في المقابل، قدمت طهران رواية مختلفة لطبيعة الهجمات الأمريكية، إذ أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الغارات استهدفت عددا من مراكز الرصد والمراقبة الواقعة على السواحل الجنوبية للبلاد، وذكر التلفزيون الإيراني أن انفجارات متتالية هزت جزيرة قشم ومدينة سيريك الساحلية، قبل أن تمتد لاحقا إلى مدينة بندر عباس، ثم مدينة بوشهر والمناطق المجاورة لها.
وأضاف أن الضربات أصابت أرصفة تجارية ومرافئ مخصصة للصيد في مدينة سيريك وقرية زيارت، فضلا عن أبراج اتصالات في محافظة هرمزغان، مؤكدا أن المواقع المستهدفة لم تكن قواعد عسكرية.
وفيما يتعلق بالخسائر البشرية، أعلن المساعد الأمني لمحافظ خوزستان مقتل شخص وإصابة اثنين في الهجمات التي استهدفت ماهشهر وميناء الخميني ومدينة حميدية، بينما أفادت وكالة الأنباء الإيرانية بمقتل أحد عناصر بحرية الحرس الثوري في مدينة ماهشهر.
إيران ترد باستهداف قواعد أمريكية في الخليج
ولم يتأخر الرد الإيراني، إذ أعلن الحرس الثوري تنفيذ عملية عسكرية مشتركة باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت عشرات المواقع العسكرية الأمريكية في البحرين والكويت، وأوضح الحرس الثوري، في بيان بثه التلفزيون الرسمي، أن العملية استهدفت 85 منشأة عسكرية أمريكية، من بينها مقر الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين وقاعدة علي السالم الجوية في الكويت، مؤكدا كذلك إسقاط طائرة أمريكية مسيّرة من طراز "إم كيو-9".
من جانبه، شدد مقر خاتم الأنبياء على أن إيران سترد "بقوة" على ما وصفه بالعدوان الأمريكي، مؤكدا رفض أي تدخل أمريكي في إدارة أو تأمين مضيق هرمز، ومعتبرا أن طهران وحدها هي الجهة المخولة بتحديد مسارات العبور الآمن للسفن التجارية وناقلات النفط في المضيق.
كما أكد الجيش الإيراني أن جميع القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة أصبحت أهدافا مشروعة، محملا واشنطن المسؤولية الكاملة عن تداعيات التصعيد.
اتهامات متبادلة بانتهاك مذكرة التفاهم
على الصعيد السياسي، اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية الولايات المتحدة بانتهاك مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، معتبرة أن الضربات العسكرية وإعادة فرض القيود على صادرات النفط الإيرانية أفرغتا الاتفاق من مضمونه، مضيفة أن واشنطن تتحمل المسؤولية الكاملة عن التداعيات الخطيرة للتصعيد، داعية الدول الإقليمية إلى عدم السماح باستخدام أراضيها أو منشآتها في أي عمليات عسكرية تستهدف إيران.
بدوره، اعتبر رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، أن الهجمات الأمريكية، إلى جانب استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات النفطية، تمثل انتهاكا واضحا لمذكرة التفاهم، مؤكدا أن سياسة "التهديد والابتزاز" لن تدفع إيران إلى التراجع عن مواقفها.
ترامب: التفاهم مع إيران انتهى
في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم مع إيران لم تعد قائمة عمليا، معتبرا أن محاولات التوصل إلى تفاهمات مع طهران استنفدت فرصها، وقال ترامب، خلال لقاء مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي قبيل انعقاد قمة الحلف، إن الولايات المتحدة "أهدرت الكثير من الوقت" في التعامل مع إيران، مؤكدا أن الوقت قد حان لاتخاذ خطوات حاسمة.
كما وجه هجوما حادا إلى القيادة الإيرانية، واصفا إياها بأنها تمثل مصدر تهديد دائم للاستقرار الإقليمي، مجددا التأكيد أن واشنطن لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي، في موقف يعكس اتجاها أمريكيا نحو تشديد الضغوط السياسية والعسكرية بالتوازي مع العمليات الميدانية.
منطقة الخليج أمام مرحلة أكثر تعقيدا
وتشير التطورات المتسارعة إلى أن التصعيد تجاوز مرحلة الرسائل العسكرية المحدودة، لينتقل إلى مواجهة مباشرة تستهدف البنية الأمنية في الخليج العربي، وسط مخاوف متزايدة من اتساع نطاق المواجهة ليشمل مزيدا من الدول والمنشآت الحيوية، خصوصا مع استمرار التهديدات المتبادلة، وتصاعد الهجمات على خطوط الملاحة الدولية، بما ينذر بتداعيات واسعة على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

